تجاوز إلى المحتوى

من «ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

ذيل ثمرات الأوراق (٢)

الصفحة ٢ من ٢

تجلس إذا أنا متُّ ثلاثة أيام للعزاء إلى أن تنقضي المصيبة فإذا انقضت نفذت وصيتي وتجملت بذلك عند الناس وقضيت حقي ثم تظهر أنك قد تركت اللعب وأنك تريد حفظ مالك مع ضرب من اللذة ثم تبتدىء فتشتري من الجواري المغنيات والسراري كل لون ومن الغلمان المردان والخدم السود والبيض ما تحتاج إليه وتشتهيه ودارك كما تحب في السرور وتنوف على سرور من تريد ان تعاشره ولا تخل إلا الأمير والعاقل وادعهما مرة في شهر أو شهرين وهادهما أيام الأعياد بالألطاف الحسنة والقهما في كل أسبوع مرة واجتهد أن

تعاشرهما على النبيذ في دورهما والقهما بالسلام وقضاء الحاجة واتخذ في كل يوم مائدة حسنةوادع القوم ومن يتفق معهم وليكن ذلك بعقل وترتيب فإن ذلك أولا لا يظهر مدة فإذا ظهر صدق به أعداؤك وكذب به إخوانك وقالوا هذه على سبيل المجون والشهوة على طرق التخالع أو مسامحة الإخوان وإلا فأي لذة له في ذلك وليس هو مجنونا ولا مخنثا ولا فقيرا ولا محتاجا إلى هذه فيبقى الخلاف فيك مدة أخرى وقد اتصلت مع سلطانك ولعل العشرة بينكما قد وقعت فيستدعي مغنياتك ويسمعهن في منزله فيصير لك بمنادمته رسم وجاهك باق بملاقاتك لهم فهم يحتاجون إليك وسيحافظ عليك الأمير فتصير في مراتب ندمائه وفي جملته وتصير قيادتك نفعا عليك بغير ضرر وتخرج عن حد القواد المحض الذين يؤذون وتكبس منازلهم قال فاعتقدت في الحال أن الصواب ما قاله ومات في علته فجلست ثلاثة أيام ثم أنفذت وصيته وما فيها كما أمرني ثم بيضت الدور وهي هذه وزدت فيها ما اشتهيت واستزدت في الآلات والفرش والأبنية كما أردت وابتعت هذه الجواري والغلمان والخدم من بغداد ودبرت أمري على ما قاله لي من غير مخالفة لشيء منه وأنا أفعل هذه منذ سنين كثيرة ما لحقني منه ضرر ولا خسران ولا فيه أكثر من إسقاط المروءة وقلة الاكتراث بالعيب وأنا أعيش أطيب عيش وأهنأه وأمر معاشي عليهم ودخلي بهم أكثر من خرجي ونعمتي الموروثة باقية بأسرها ما بعت منها شيئاً بحبة قط فما فوقها وقد اشتريت من هذه الصناعة عقارا جليلا وضفته إلى ما خلف علي وأمري يمشي كما ترون فقلنا يا هذا فرجت والله عنا واريتنا طريقاً إلى قضاء حقك وأخذنا نمازحه ونقول فضلك في هذه الصناعة غير مدفوع لأنك قواد ابن قواد وما كان الشيخ ليدبر لك هذه الأمر وهو بالقيادة أحذق منك فضحك وضحكنا وكان الفتى أديباً خفيف الروح وبتنا ليلتنا على تلك الحال فلما كان من الغد جمعنا له من بيننا ثلثمائة دينار وحملناها إليه ورحلنا عنه. ما على النبيذ في دورهما والقهما بالسلام وقضاء الحاجة واتخذ في كل يوم مائدة حسنةوادع القوم ومن يتفق معهم وليكن ذلك بعقل وترتيب فإن ذلك أولا لا يظهر مدة فإذا ظهر صدق به أعداؤك وكذب به إخوانك وقالوا هذه على سبيل المجون والشهوة على طرق التخالع أو مسامحة الإخوان وإلا فأي لذة له في ذلك وليس هو مجنونا ولا مخنثا ولا فقيرا ولا محتاجا إلى هذه فيبقى الخلاف فيك مدة أخرى وقد اتصلت مع سلطانك ولعل العشرة بينكما قد وقعت فيستدعي مغنياتك ويسمعهن في منزله فيصير لك بمنادمته رسم وجاهك باق بملاقاتك لهم فهم يحتاجون إليك وسيحافظ عليك الأمير فتصير في مراتب ندمائه وفي جملته وتصير قيادتك نفعا عليك بغير ضرر وتخرج عن حد القواد المحض الذين

يؤذون وتكبس منازلهم قال فاعتقدت في الحال أن الصواب ما قاله ومات في علته فجلست ثلاثة أيام ثم أنفذت وصيته وما فيها كما أمرني ثم بيضت الدور وهي هذه وزدت فيها ما اشتهيت واستزدت في الآلات والفرش والأبنية كما أردت وابتعت هذه الجواري والغلمان والخدم من بغداد ودبرت أمري على ما قاله لي من غير مخالفة لشيء منه وأنا أفعل هذه منذ سنين كثيرة ما لحقني منه ضرر ولا خسران ولا فيه أكثر من إسقاط المروءة وقلة الاكتراث بالعيب وأنا أعيش أطيب عيش وأهنأه وأمر معاشي عليهم ودخلي بهم أكثر من خرجي ونعمتي الموروثة باقية بأسرها ما بعت منها شيئاً بحبة قط فما فوقها وقد اشتريت من هذه الصناعة عقارا جليلا وضفته إلى ما خلف علي وأمري يمشي كما ترون فقلنا يا هذا فرجت والله عنا واريتنا طريقاً إلى قضاء حقك وأخذنا نمازحه ونقول فضلك في هذه الصناعة غير مدفوع لأنك قواد ابن قواد وما كان الشيخ ليدبر لك هذه الأمر وهو بالقيادة أحذق منك فضحك وضحكنا وكان الفتى أديباً خفيف الروح وبتنا ليلتنا على تلك الحال فلما كان من الغد جمعنا له من بيننا ثلثمائة دينار وحملناها إليه ورحلنا عنه.

وحكى أحمد بن فضل العمري في كتابه المسمى مسالك الأبصار في ممالك الأمصار في ترجمة صفي الدين عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر المويسيقي قال ذكر العم حسن الاربلي في تاريخه قال جلست مع صفي الدين عبد المؤمن بالمدرسة المستنصرية

جرى ذكر واقعة بغداد فأخبرني أن هلاكو طلب رؤساء البلد وعرفاءها وطلب منهم أن يقسموا دروب بغداد ومحالها وبيوت دوي يسارها على أمراء دولته فقسموها وجعلوا كل محلة أو محلتين أو سوقين باسم أمير كبير فوقع الدرب الذي كنت أسكنه في حصة أمير مقدم على عشرة آلاف فارس اسمه نانو نوين وكان هلاكو قد رسم لبعض الأمراء أن يقتل ويأسر وينهب مدة ثلاثة أيام ولبعضهم يومين ولبعضهم يوما واحداً على حسب طبقاتهم فلما دخل الأمراء إلى بغداد كان أول درب جاء إليه الأمير الدرب الذي أنا ساكنه وقد اجتمع فيه خلق كثير من ذوي اليسار واجتمع عندي نحو خمسين جارية من أرباب المغاني وذوات الحسن والجمال فوقف نانو نوين على باب الدرب وهو مننَّرس بالأخشاب والتراب وطرقوا الباب وقالوا افتحوا لنا وادخلوا في الطاعة ولكم الأمان وإلا أحرقنا الباب وقتلناكم ومعه النجارون وخلافهم وأصحابه بالسلاح قال صفي الدين عبد المؤمن فقلت السمع والطاعة أنا أخرج إليه ففتحت الباب وخرجت وحدي عليَّ أثواب وسخة وأنا أنتظر الموت فقبلت الأرض بين يديه فقال للترجمان قل له أنت كبير هذا الدرب فقلت نعم فقال إن أردتم السلامة من الموت فأحملوا لنا كذا وكذا وطلب شيئاً كثيراً فقبلت الأرض مرة ثانية وقلت كل ما طلبه الأمير يحضر وصار كل ما في هذا الدرب بحكمك ومن تريد من خواصك فإنزل لأجمع

لك كل ما طلبت فشارو أصحابه ونزل في نحو ثلاثين رجلا من خواصه فأتيت به داري وفرشت له الفرش الخليفية الفاخرة والسرر المطرزة بالزركش وأحضرت له في الحال أطعمة فاخرة وشواء وحلواء وجعلتها بين يديه فلما فرغ من الأكل عملت له مجلساً ملوكياً وأحضرت الأواني المذهبة من الزجاج الحلبي وأواني فضة فيها شراب مروق فلما دارت الأقداح وسكر قليلاً أحضرت عشر مغنيات كل واحدة تغني بملهاة غير ملهاة الأخرى فغنين كلهن فارتج المجلس وطرب وانبسطت نفسه فضم واحدة من المغنيات أعجبته فواقعها في المجلس ونحن نشاهده وأتم يومه في غاية الطيبة فلما كان وقت العصر وحضر أصحابه بالنهب والسبايا قدمت له ولأصحابه الذين كانوا معه تحفاً جليلة من أواني الذهب والفضة ومن النقد ومن الأقمشة الفاخرة شيئاً كثيراً سوى العليق ووهبت له الغواني التي كان بين يديه واعتذرت من التقصير وقلت جاء الأمير على غفلة لكن غدا إن شاء الله تعالى أعمل للأمير دعوة أحسن من هذه فركب وقبلت ركابه ورجعت فجمعت أهل الدرب من ذوي النعمة واليسار وقلت لهم أنظروا لأنفسكم هذا الرجل غدا عندي وكذا بعد غد وكل يوم أزيد اضعاف اليوم المتقدم فجمعوا إلي من بينهم ما يساوي خمسين ألف دينار من أنواع الذهب والأقمشة الفاخرة والسلاح فما طلعت الشمس إلا وقد وافاني فرأى ما أذهله وجاء في هذا اليوم ومعه نساؤه فقدمت له ولنسائه من الذخائر

والذهب النقد ما قيمته عشرون ألف دينار وقدمت له في اليوم الثالث لآلىء نفيسة وجواهر ثمينة وبغلة جليلة بآلات خليفية وقلت هذه من مراكب الخليفة وقدمت لجميع من معه وقلت هذا الدرب صار بحكمك وإن تصدقت على أهله بأرواحهم فيكون لك وجه أبيض عند الله وعند الناس فما بقي عندهم سوى أرواحهم فقال قد عرفت ذلك من أول يوم وهبتهم أرواحهم وما حدثتني نفسي بقتلهم ولا سلبهم لكن أنت تجهز معي إلى حضرة الأمير فقد ذكرتك وقدمت له شيئاً من المستظرفات التي قدمتها إلي فأعجبته ورسم بحضورك فخفت على نفسي وعلى أهل الدرب وقلت هذا يخرجني إلى خارج بغداد ويقتلني وينهب الدرب فظهر عليَّ الخوف وقلت يا خوند هلاكو ملك كبير وأنا رجل حقير مغن أخشى منه ومن هيبته فقال لا تخف ما يصيبك إلا الخير فإنه رجل يحب أهل الفضائل فقلت في ضمانك أنه لا يصيبني مكروه قال نعم فقلت لأهل الدرب ما عندكم من النفائس فائتوني بكل ما تقدرون عليه فأخذت معي من المغنيات الجليلة ومن النقد الكثير من الذهب والفضة وهيأت مآكل كثيرة طيبة وشراباً كثيراً عتيقاً فائقا وأواني فاخرة كلها من الفضة المنقوشة بالذهب وأخذت معي ثلاث جوار مغنيات من أجلِّ من كان عندي وأنفسهن للضرب ولبست بدلة من القماش

الخليفي وركبت بغلة جليلة كنت أركبها إذا رحت إلى الخليفة فلما رآني نانو نوين بهذه الحالة قال لي أنت وزير قلت لا أنا مغني الخليفة ونديمه ولكن لما خفت منك لبست القماش الوسخ ولما صرت من رعيتك أظهرت نعمتي وأمنت وهذا الملك هلاكو ملك عظيم وهو أعظم من الخليفة فما ينبغي أن أدخل عليه إلا بالحشمة والوقار. ي وركبت بغلة جليلة كنت أركبها إذا رحت إلى الخليفة فلما رآني نانو نوين

بهذه الحالة قال لي أنت وزير قلت لا أنا مغني الخليفة ونديمه ولكن لما خفت منك لبست القماش الوسخ ولما صرت من رعيتك أظهرت نعمتي وأمنت وهذا الملك هلاكو ملك عظيم وهو أعظم من الخليفة فما ينبغي أن أدخل عليه إلا بالحشمة والوقار.

فأعجبه مني هذا وخرجت معه إلى مخيم هلاكو فدخل عليه وأدخلني معه وقال لهلاكو هذا الرجل الذي ذكرته لك وأشار إليَّ فلما وقعت عين هلاكو عليَّ قبلت الأرض وجلست على ركبتي كما هو من عادة التتار فقال نانو نوين هذا كان مغني الخليفة وقد فعل معي كذا وكذا وقد أتاك بهدية فقال قد قبلتها فقبلت الأرض مرة ثانية ودعوت له وقدمت له ولخواصه الهدايا التي كانت معي فكلما قدمت شيئاً منها يفرقه ثم فعل بالمأكول كذلك ثم قال لي أنت مغني الخليفة فقلت نعم فقال أي شيء أجود ما تعرف قلت أحسن أن أغني غناء أذا سمعه الإنسان ينام فقال غن لي الساعة حتى أنام فندمت وقلت إن غنيت له ولم ينم قال هذا كذاب وربما قتلني ولا بد من الخلاص منها بحيلة فقلت يا خوند الطرب بأوتار العود لا يطيب إلا بشرب الخمر ولا بأس بأن يشرب الأمير قدحين أو ثلاثة حتى يقع الطرب في موقعه فقال أنا ما لي في الخمر رغبة لأنه يشغلني عن مصالح ملكي ولقد أعجبني من نبيكم تحريمه ثم شرب ثلاثة أقداح كبار فلما أحمر وجهه أخذت عوداً وغنيته وكان معي مغنية اسمها ضياء لم يكن في بغداد أحسن منها صورة ولا

أطيب منها صوتا فأصلحت أنغام العود وضربت ضروباً جالبة للنوم مع زمر رخيم الصوت وغنيت فلم أتم النوبة حتى رأيته قد نعس فقطعت الغناء بغتة وقويت ضرب الأوتار فانتبه فقبلت الأرض وقلت نام الملك فقال صدقت نمت تمنَّ علي فقلت أتمنى على الملك أن يطلق لي على السمكية قال وأي شيء هي السمكية قلت بستان للخليفة فتبسم وقال لأصحابه هذا مسكين مغن قصير الهمة وقال للترجمان قل له لم لا تمنيت قلعة أو ومدينة أي شيء هذا البستان فقبلت الأرض وقلت يا ملك العالم هذا البستان يكفيني وأنا ما يجيىء مني صاحب قلعة ولا صاحب مدينة فرسم لي بالبستان وبجميع ما كان لي من الراتب في أيام الخليفة وزادني علوفة تشتمل على خبز ولحم وعليق دواب تساوي دينارين وكتب بذلك فرماناً مكمل العلائم وخرجت من بين يديه وأخذ لي نانو نوين أميراً بخمسين فارساً ومعهم علم أسود هو كان علم هلاكو الخاص به برسم حماية داري فجلس الأمير على باب الدرب ونصب العلم الأسود على أعلى باب الدرب فبقي الأمر كذلك إلى أن رحل هلاكو عن بغداد قال الأربلي فقلت له كم نابك من المغارم في الثانية قال أكثر من ستين ألف دينار وذهب أكثرها مما كان انزوى إلى دربي من ذوي اليسار والباقي من نعم موفرة كانت عندي من صدقات الخليفة فسألته عن المرتب والبستان فقال البستان أخذه مني أولاد الخليفة وقالو هذا إرث من أبينا والعلوفة قطعها عني الصاحب شمس الدين ألجويني وعوضني عنها وعن البستان في السنة مائة

ألف درهم.

وقال كان بمدينة السلام مغن يعرف بالغيور وكان عنده من الجواري عدد كثير ذوات حسن وكان خبره فاشياً يقصده المتصون وغيره فبلغ رجلاً من الكتاب المشهورين خبره فتشوقت نفسه إلى قصده ثم تجنبته لما شهر به فحمل نفسه على أن جعل بينه وبين الرجل حالاً بأن دعاه وبرَّه ووصله وكان قصد الناس منزله آثر عندهم من دعاء من يدعونه من جواريه لما يجتمع لهم فيه قال الكاتب يسألني المصير إليه وأقشعر لشناعة لقبه إلى أن لقيني بالقرب من منزله فحلف على أن لا أفارقه فكان ذلك أن صادف مني موافقة فمضيت معه فرأيت أحسن موافقة وآلة فلما استقر بنا الجلوس قال لغلماني إذا كان في غد بكروا فجيئوا بالدواب فاستوحشت وقلت بلى يقيم بعضهم عندي ويعود الباقون ليلا للأنصراف إلى منزلي فأبى وحلف فاتبعت ما أراد فأحضر أحسن طعام وألطفه وأكلنا وأتى بأنواع الأشربة والفواكه والرياحين وأخذنا في أمرنا وخرجت وجوه كالشموس وكنت عند دخولي إلى الدار قد رأيت على بعض الأبواب طبلاً معلقاً فظننته لبعض الجواري فلم أسأل عنه فلما صرنا على حالنا وأخذ النبيذ منا أحضر عموداً فجعله بين يديه فأوحشني جداً وقلت رجل غيور كما لقب وجوار حسان ونبيذ شديد ولست آمن أن أعبث بهن فيضربني بالعمود قال أخبرك يا أخي أني رجل غيور كما قد بلغك ويحضر منزل

النص من طبعة مكتبة الجمهورية العربية بمصر، بهامش «المستطرف»، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ثمرات الأوراق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.