من «المستجاد من فعلات الأجواد» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حكايا الأجواد (٥)
الصفحة ١ من ٢
حدث القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي في كتابه قال: حدثني الصولي قال: حدثني محمد بن القاسم بن خلاد قال: رفع بعض العمال إلى المعتصم، وكان قد تولى من الخراج والحرب ما كان يتولاه خالد بن يزيد) بن مزيد (وذلك أن خالد بن يزيد اقتطع الأموال واحتجز بعضها، فغضب المعتصم، وحلف ليأخذن أموال خالد وليعاقبنه وينفيه، فلجأ خالد إلى أحمد بن أبي داود القاضي، فاحتال حتى جمع بينه وبين خصمه فلم يقم على خالد حجة، فعرف ابن أبي داود القاضي المعتصم بذلك، وشفع إليه في خالد فلم يشفعه وأحضر خالداً وأحضر له آلات العقوبة، وكان قبل ذلك قبض أمواله وضياعه، وصرفه عن العمل. وحضر ابن أبي داود المجلس فجلس دون مجلسه الذي كان يجلس فيه، فقال له المعتصم: ارتفع إلى مكانك، فقال: يا أمير المؤمنين ما أستحق إلا دون هذا المجلس، قال: وكيف؟ قال الناس يزعمون أنه ليس محلي محل من يشفع في رجل قذف بما ليس فيه، ولم يصح عليه منه شيء فلم يشفع. قال: فارتفع إلى موضعك قال: مشفعاً أو غير مشفع قال: بل مشفعاً قد وهبت لك خالداً ورضيت عنه. قال: إن الناس لا يعلمون بهذا قال: قد رددت إليه جميع ما قبض منه من ضياعه وأمواله قال فامر بفك قيوده واخلع عليه، ففعل ذلك قال: يا أمير المؤمنين قد استحق هو أصحابه رزق ستة أشهر، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجعلها صلة له. قال: لتحمل معه فخرج خالد وعليه الخلع والمال بين يديه والناس ينظرون الإيقاع به فلما رأوه على تلك الحال سروا وصاح به رجل: نحمد الله على خلاصك يا سيد العرب. فقال: مه بل سيد العرب والله ابن أبي داود الذي طوقني هذه المكرمة التي لا تنفك من عنقي أبداً.
قيل كان فتى من ذوي النعم قعد به زمانه وكانت له جارية حسناء محسنة في الغناء، فضاق بهما الخناق، واشتدت بهما الحال في عدم ما يقتاتان به. فقال لها: قد ترين ما قد صرنا إليه من هذه الحالة السيئة ووالله لموتي وأنت معي أهون علي مما أذكره لك ويسؤني أن أراك على غير الحال التي تسرني " فيك "، ونهاية أمرنا أن تحل بأحدنا منيته فيقتل الآخر نفسه عليه. فإن رأيت أن أبيعك لمن يحسن إليك، فيغسل عنك ما أنت فيه وأتفرج أنا بما " لعله " يصير إلي من الثمن، ولعلك تحصلين عند من تتوصلين إلى نفعي معه. فقالت: والله لموتي معك على هذي الحال، آثر عندي من انتقالي إلى غيرك، ولو كان ملكاً، ولكن اصنع ما بدا لك. قال: فخرج وعرضها للبيع فأشار عليه أحد أصدقائه ممن له رأي بحملها إلى عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان أميراً بالعراق. قال: فحملها إليه فلما عرضت عليه استحسنها، وقال لمولاها: كم كان شراؤها عليك؟ قال: مائة ألف درهم، وقد أنفقت عليها مائة ألف دينار. قال: أما ما أنفقت عليها فغير محتسب لك به لأنك أنفقتها في لذاتك. وأما ثمنها فقد أمرنا لك بمائة ألف درهم وعشرة أسفاط ثياب وعشرة أروس من الخيل، وعشرة من الرقيق، أرضيت؟ قال: نعم أرضى الله الأمير. وأمر بالمال فأحضر وأمر قهرمانته بإدخال الجارية إلى دار الحرم، فأمسكت بجانب الستر وبكت وقالت:
هنيئاً لك المال الذي قد أفدتهولم يبق في كفي غير التحسر
أقول لنفسي وهي في كرباتهاأقلي فقد بان الحبيب أو أكثري
إذا لم يكن للأمر عندك حيلةولم تجدي بدأً من الصبر فاصبري
فأجابها مولاها يقول:
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكنيفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
أروج بهم من فراقك موجعأناجي به قلباً قليل التصبر
عليك سلام لا زيارة بينناولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر: قد شئت فخذها بارك الله بك فيها، وفيما صار مني إليك، فأخذها وأخذ المال والخيل والرقيق والثياب، وعاد وقد أثرى وحسنت حاله.
حكاية
حدث موسى بن الحسين بن زياد قال: كان محمد بن أوس يتعشق غرس جارية عيناء ابنة مطهر الصاغاني وكانت لا تخرج في اليوم والليلة إلا بخمسة دنانير. وكان إذا استدعاها وخرجت إليه اقتطعها شهراً أو أكثر، فحجبتها عنه في بعض الأوقات، واحتجت عليه بكسوة الشتاء فكتب إليها رقعة يسألها إنقاذها، ووعدها أن يكلم الوزير في أمر أرزاقه لتبلغ محبوبها. وكتب رقعة أخرى إلى الوزير عبيد الله بن يحيى ابن خاقان وخرج باكراً مغلساً ليلقى الوزير بالرقعة. فغلط بين الرقعتين فحمل على كمه الرقعة التي كتبها إلى عيناء. فلما رأى الوزير ذهب ليترجل فمنعه من ذلك، فسلم ودفع الرقعة إليه، فدعا عبيد الله بالشمع فأدني منه، وقرأ الرقعة في الطريق واستدعى أحمد بن العباس وساره، وقال: خذ هذه الرقعة فاعمل بما فيها. وأوحى إليه بشيء سراً، فمضى إلى عيناء فابتاع الجارية منها وابتاع لها وصيفة بمائة دينار وكسوة بثلاثمائة دينار، وصار بالجميع إلى منزل محمد بن أوس. وقد كان الوزير أمسكه إلى وقت الطعام فتغدى معه وجلس للشراب. قال أحمد بن العباس: فلما حصلت ما أمرني له أتيته فقال لي الوزير: ما صنعت فيما أمرتك به؟ فقلت: قد أنجزته. فقال: لمحمد بن أوس: صر إلى منزلك فإن الغلام يلقاك. فلما دخل منزله لقيته الجارية منبسطة مقبلة عليه غير محتشمة ولا منقبضة، وكانت في مدة عشقه لها تمنعه من الدنو لها فجرى على عادته تلك في الإمساك عنها، وترك مقاربتها، لما كان يعرفه منها. فقالت: لا تنقبض فما لي اليوم منك امتناع، وأنا اليوم ملك يديك. قال: وما القصة؟ فأخبرته بما كان من أحمد بن العباس عن أمر الوزير. فعجب من ذلك ولم يعرف سببه ثم فكر في الرقعة فقام لينظر الرقعة الأخرى فألفى التي كتبها إلى الوزير باقية فعلم أنه غلط بين الرقعتين، فركب إلى دار الوزير واستأن عليه ليعتذر إليه فأنفذ إليه: أنت الليلة عروس اذهب فأقم في عرسك سبعة أيام، ثم صر إلينا بعد ذلك. فعاد إلى داره وأقام مع الجارية أياماً، وأنفذ إليه عبيد الله توقيعاً بأرزاقه، وقد زاد فيها ورفع مرتبته، فسار إليه بعد ذلك وشكره على ما كان منه إليه.
قيل كان أوس ابن حارثة المري رئيساً مسوداً نبيلاً عالي الهمة وله أخبار كثيرة فمن أحسنها ما رواه أبو الفرج الشلحي عن ابن حاتم عن الأصمعي، قال: حدثنا أبو عمرو بن العلاء عن أشياخه قال: جلس النعمان ابن المنذر يوم نعيمه في حلة مذهبة مطوقة بالدر لم ير أحسن منها، وأذن للعرب فدخلوا عليه، وكان فيهم أوس بن حارثة بن لام الطائي. قال: فجعلت وجوه العرب تعجب من حسن الحلة ويتحدث بعضها إلى بعض، وأوس بن حارثة مطرق، فقال: النعمان: ما أرى فيمن دخل إلي إلا من استحسن هذه الحلة على نقصان قدرها عندي غيرك يا أوس. فقال:
أيها الملك أسعدك إلاهك، وساعدك زمانك. إنما تستحسن هذه إذا كانت في يد تاجرها، وأما إذا كانت على الملك، وتهلل وجهه المشرق فيها، فالأبصار مقصورة عليه دونها، فاسترجح عقله واستحسن ما أتى به، فعرض للنعمان خالد بن بشر بالتماسها. فقال النعمان: أنا أفكر ليلتي وأدفعها غداً إلى من أرى أنه سيد العرب، فانصرفوا وكل طامع مهموم. فلما كان من غد تزينت وجوه العرب وغدت إلى باب النعمان، تسحب أذيالها وتنظر في أعطافها، وكل يرى أنه صاحب الحلة، وتأخر أوس بن حارثة. فقال له أصحابه: ما لك لا تغدو إلى دار الملك فلعلك تكون المسود في العرب بأخذها فيتم فخرك: فقال أوس: يا سبحان الله إن كنت سيد قومي فلست بسيد طبقات العرب عند نفسي، وإنما وعد الملك أن يدفع الحلة إلى سيد العرب ولست أعرفه مني ولا من غيري، إلا أن الملك أولى برأيه. فإن أنا حضرت ولم آخذها انصرفت منقوصاً مهموماً، وإن كنت المطلوب فسيرسل إلي، فأمسكوا عنه مستعجزين لرأيه. قال: ونظر النعمان في وجوه الجماعة ففقد أوساً فوقع له ما فكر فيه. فاستدعى بعض بطانته وأنفذه كالمتعرف خبره من غلمانه، فأعيد عليه ما قال. فأعاده على النعمان فقال: امض إليه وقل له الملك يستبطئك على تأخرك، واستدعه فحضر يومه ذاك في الثوب الذي حضر فيه أمسه. وكانت وجوه العرب سرت بتأخره ولاستشعارها أن الملك كان يدفع إليه الحلة لو حضر. فلما أخذ مجلسه من حضرة النعمان رفعه وقدمه ثم مد يده إليه وقال: أراك لم تغير ثوبك في يومك فالبس هذه الحلة لتتجمل بها بين من تجمل من أصحابك، فلبسها، فحسدته وجوه العرب وقالوا ليس يخفض رافعته غير الهجاء وليس له مثل جرول، فكلموا جرولاً فقال: لا سبيل عندي إليه وكيف أهجو رجلاً حسيباً لا ينكر بيته كريماً لا يغب عطاؤه، فاضلاً لا يطعن على رأيه، شجاعاً لا يصطلى بناره، محسناً لا أرى في بيتي شيئاً إلا من أفضاله. ثم قال:
كيف الهجاء وما تنفك صالحةمن آل لأم بظهر الغيب تأتيني
قال: فسمع بشر بن أبي خازم " أحد بني أسد بن خزيمة " بذلك فرغب في البذل وعزم أن يهجوه فجعلوا له ثلاثمائة بعير أو شبيهاً بها فهجاه. فوجه أوس إلى أبله التي استعجلها وما كان له قبلها، فطردها وحصلها عنده، وطلبه ليقتله فهرب من يده، وجعل يطلب عزيزاً يستجير به فلا يقصد أحداً إلا قال له: أجيرك من كل الناس إلا من أوس بن حارثة، فإني ما أحب عداوته. فبينا هو يدور وقد أذكى أوس العيون عليه، إذ رآه بعض من كان يرصده فقبض عليه وحمله إلى أوس. فلما حصل في يد مشاور أمه سعدى فيه، وكان قد هجاها فأكثر. وقال أي قتلة تحبين أن أقتله؟ قالت: كلا والله يا أوس إن قتلته ليثبتن قوله كالنقش في الصخر، وليس يمحو هجاءه عنك إلا مديحه لك، فامنن عليه واطلقه، واردد عليه ما أخذ له. فعلم أن الصواب ما أشارت به، وأحضره وقال له: ما ترى إني صانع بك؟ قال: تقتلني. قال: أنت مستحق لذلك مني لكن سعدى رقت لك واشارت علي فيك بامر وأنا فاعله، ثم أمر به. ففك عنه ورد عليه إبله وزاد عليها من عنده، وكساه وحمله، وقال له: انصرف إلى أهلك راشداً. قال: فرفع بشريده وطرفه إلى السماء ثم قال: اللهم اشهد على بشر أنه لا يمدح أحداً غير أوس بن حارثة ما مددت له في العمر. قال: فمدحه بعدة قصائد هي ثابتة في ديوانه. ومن قوله:
إلى أوس بن حارثة بن لأمليقضي حاجتي فيمن قضاها
إذا ما راية رفعت لمجدأقاموها ليبلغ منتهاها
فما وطي الحصا مثل ابن سعدىولا لبس النعال ولا احتذاها
ذكر عبد الله بن منصور قال: كنت يوماً في مجلس الفضل بن يحيى فأتاه الحاجب فقال: إن بالباب رجلاً قد أكثر في طلب الإذن، وزعم أن له يداً يمت بها، قال: أدخله، فدخل رجل جميل الوجه رث الهيئة. فأحسن السلام، فأومأ إليه بالجلوس فجلس فلما علم أنه قد انطلق وأمكنه الكلام قال له: ما حاجتك؟ قال له: قد أعربت عنها رثاثة هيئتي وضعف طاقتي. قال: أجل. فما الذي تمت به؟ قال ولادة تقرب من لادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك. قال الفضل: أما الجوار فقد يمكن أن يكون كما قلت، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أعلمتني أمي أنها لما وضعتني قيل لها أنه ولد الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي الفضل، فسمتني فضيلاً إعظاماً لاسمك أن تلحقني به " وصغرته لقصور قدري عن قدرك "، فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين قال: خمس وثلاثون سنة قال: صدقت هذا المقدار الذي أعد لنفسي قال: فما فعلت أمك؟ قال: توفيت رحمها الله قال: فما منعك من اللحوق بنا فيما مضى؟ قال: كانت في عامية وحداثة تقعد بي عن لقاء الملوك، قال: يا غلام أعطه لكل عام مضى من سنيه ألفاً، وأعطه من كسوتنا ومراكبنا ما يصلح به، فلم يخرج من الدار إلا وقد طاف به أخوته وخاصة أهله.
يروى أن رجلاً جاء إلى عبيد الله بن العباس وهو بفناء داره فقام بين يديه فقال: يا ابن العباس إن لي عندك يداً وقد احتجت إليها، فصعد فيه بصر وصوبه فلم يعرفه. ثم قال له: ما يدك عندنا فإني لا أثبتك؟ قال رأيتك واقفاً بزمزم، وغلامك يمتح لك من مائها، والشمس قد صهرتك، فظللنك بطرف إزاري حتى شربت قال أجل إني لأذكر ذلك، وإنه ليتردد بين خاطري وفكري. ثم قال لقيمه: ما عندك؟ قال مائتا دينار وعشرة آلاف درهم قال: ادفعها كلها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا. فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك ما كفاه، فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمداً ﷺ ثم " شفعه " بك وبأبيك.
حكاية
قيل كان لعمرو بن دوسرة أخ قد كلف بابنة عمه كلفاً شديداً وكان أبوها يكره ذلك ويأباه، فشكاه إلى خالد بن عبد الله القسري وهو يومئذ على العراق، وذكر أنه يسيء جواره وسأله حبسه فحبسه ثم سئل خالد فيه فأطلقه، فلبث الفتى مدة كافا عن ابنة عمه ثم زاد ما به غلبه فرط الشوق، فحمل نفسه على أن تسور دار عمه ليرى ابنته، فنذر به وقبض عليه، وأتي به خالداً وادعى عليه السرقة، وأتى بجماعة يشهدون أنهم وجدوه في علو داره ليلاً، فسأله خالد فاعترف الفتى بالسرقة ليدفع الظنة عن ابنة عمه، فعزم خالد على قطع يده. فكتب أخوه رقعة ودفعها إلى من أولها إلى خالد وكان فيها:
أخالد قد أوطئت والله عشوةوما العاشق المظلوم فينا يسارق
أقر بما لم يجنه غير أنهرأى القطيع أولى من فضيحة عاشق
ولولا الذي قد خفت من قطع كفهلألفيت في أمر الفتى غير ناطق
إذا بدت الغايات في السبق للعلىابن عبد الله أول سابق
فأرسل خالد مولى له يوثق به ليكشف حاله ويقف على حقيقة الأمر فأتاه بالصحيح من أمر الغلام، فأحضر عمه وألزمه بتزويج الجارية من ابن عمها فامتنع وقال ليس هو كفؤاً لها. فقال: بلى والله إنه لفوق الكفؤ إذ بذل يده عنها. ولئن لم تزوجه لأزوجنها منه وأنت كاره. فزوجها أبوها وساق خالد المهر عنه من ماله وأمره بلزومه لينفعه فلزمه، وكان الفتى يسمى العاشق إلى أن مات.
حكاية
وعن واقد بن محمد الواقدي قال: حدثنا أبي أنه رفع رقعة إلى المأمون يذكر فيها كثرة الدين وقلة صبره عليه فوقع المأمون على ظهر رقعته: " إنك لرجل اجتمع فيك خصلتان سخاء وحياء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فهو الذي يمنعك تبليغنا ما أنت فيه، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، فإن كنت قد أصبحت فازدد في بسك يدك، وإن لم أكن أصبت فجنايتك على نفسك فأنت حدثتني، وكنت على قضاء الرشيد، عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ قال للزبير بن العوام: " يا زبير " علم أن أرزاق العباد بإزاء العرش، يبعث الله تعالى إلى كل عبد بقدر نفقته، فمن كثر كثر له ومن قلل قلل له، وأنت أعلم ". قال الواقدي: فوالله لمذاكرة المأمون إياي الحديث أحب إلي من الجائزة. " ومن مئة ألف ".
وصح أن أبا طالب بن كثير كان شيعياً فقال له رجل: بحق علي بن أبي طالب إلا ما وهبت لي نخيلك بموضع كهذا. قال: قد فعلت وحقه لأعطينك ما يليها. وكان ذلك أضعاف ما طلب الرجل.
حكاية
ذكر بعض الرواة أن معاوية ابن أبي سفيان أهدى إلى عبيد الله بن العباس، وهو عنده بالشام، من هدايا النيروز حللاً كثيرة ومسكاً وآنية من ذهب وفضة، ووجهها مع حاجبه. فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو ينظر إليها فقال: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله إن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف، فضحك عبيد الله وقال: فشأنك بها فهي لك. قال: جُعلت فداك أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيجد علي. قال فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازر فإذا حان خروجنا حملها إليك ليلاً. قال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه - يعني معاوية - فظن عبيد الله أنها مكيدة منه فقال: دع عنك هذا الكلام فإنا قوم نفي بما وعدنا، ولا ننقض ما أكدنا.
حكاية
قيل كان أبو مزيد أحد الكرماء فمدحه أحد الشعراء فقال للشاعر: والله ما عندي ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي وادَّعِ علي بعشرة آلاف درهم أقر لك بها ثم احبسني فإن أهلي لا يتركونني محبوساً ففعل ذلك، فلم يمس حتى دفعت إليه عشرة آلاف درهم وأُخرج أبو مزيد من الحبس.
حكاية
وكان معن بن زائدة عاملاً على العراقين بالبصرة فحضر بابه شاعر فأقام مدة يريد الدخول عليه فلم يتهيأ له. فقال يوماً لبعض خدمه: إذا دخل الأمير البستان فعرّفوني. فلما دخل أعلمه فكتب الشاعر بيتاً من الشعر على خشبة فألقاها في الماء الذي يدخل بستان معن، وكان معن جالساً على رأس الماء فلما بصر بالخشبة أخذها وقرأها فإذا فيها مكتوب:
أيا جود معن ناج معناً بحاجتيفما لي إلى معن سواك سبيل
فقال: من صاحب هذا؟ فدعي بالرجل فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت، فأمر له بعشر بدر فأخذها ووضع الأمير الخشبة تحت بساطه، فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط وقرأ ما فيها. دعا بالرجل فدفع له مائة ألف درهم أخرى، وكذلك في اليوم الثالث. فلما أخذها منه الرجل تفكر وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه. فخرج " فتوجه إلى حال سبيله " فلما كان في اليوم الرابع قرأ ما فيها ودعا بالرجل فطلب فلم يوجد فقال معن: حق علي أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت المال درهم ولا دينار.
حكاية
قيل أنفذ هارون الرشيد إلى مالك بن أنس ﵁ خمسمائة دينار فبلغ ذلك الليث بن سعد فأنفذ إليه ألف دينار، فغضب الرشيد وقال: أعطيه خمسمائة دينار وتعطيه أنت ألف دينار، وأنت من رعيتي فقال: يا أمير المؤمنين إن لي في كل يوم من غلتي ألف دينار، فاستحييت أن أعطي مثله أقل من دخل يوم. وحكي أنه لم تجب عليه زكاة قط، مع أن دخله ألف دينار في كل يوم.
حكاية
دخل سعيد بن خالد على سليمان بن عبد الملك، وكان رجلاً جواداً، فإذا لم يجد شيئاً كتب لمن يسأله الصكاك على نفسه حتى يخرج عطاؤه. فلما نظر إليه سليمان تمثل بهذا البيت:
إني سمعت مع الصباح منادياًيا من يعين على الفتى المعوان
ثم قال: حاجتك؟ قال ديني قال: كم هو؟ قال ثلاثون ألف دينار قال: لك دينك ومثله.
حكاية
وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه، فقيل أنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر منادياً فنادى من كان لقيس عليه حق فهو منه في حل فكسرت درجته " بالعشي " لكثرة من عاده.
قال الشيخ أبو سعيد " الخركوشي النيسابوري سمعت " محمد بن محمد الحافظ يقول سمعت " الشافعي يقول: كان بمصر رجل عرف بأن يجمع للفقراء فولد لبعضهم ولد. قال: فجئت إليه وقلت: ولد لي مولود وليس معي شيء فقام معي، ودخل على جماعة فلم يفتح عليه بشيء. فجاء إلى قبر رجل يعرفه وجلس عنده وقال: رجمك الله كنت تفعل وتصنع، وإني درت اليوم وطلبت جماعة في شيء لمولود فلم يتفق لي شيء. ثم قام وأخرج ديناراً فكسره نصفين وناولني نصفه وقال: هذا دين عليك إلى أن يفتح الله لك بشيء، فأخذته وانصرفت وأصلحت ما اتفق لي به. فرأى " المحتسب "، تلك الليلة " ذلك الشخص صاحب القبر في منامه وهو يقول: قد سمعت جميع ما قلت، وليس لنا إذن في الجواب. ولكن احضر منزلي وقل لأولادي يحفرون مكان الكانون ويخرجون قربة فيها خمسمائة دينار فاحملها إلى هذا الرجل. قال: فلما كان من الغد، تقدم إلى منزل الميت وقص القصة فقالوا له: اجلس وحفروا الموضع وأخرجوا الدنانير وجاءوا بها فوضعوها بيد يديه فقال: هذا ما لكم وليس لرؤياي حكم. فقالوا: هو يتسخى ميتاً ونحن لا نتسخى أحياء، والله لا تمسكنا منها بشيء. فلما ألحوا عليه حمل الدنانير إلى الرجل صاحب المولود وذكر له القصة. قال: فأخذ منها ديناراً فكسره نصفين فأعطاه النصف الذي أقرضه وحمل النصف الآخر، وقال: يكفيني هذا، تصدق بها على الفقراء قال: أبو سعيد فلا أدري أي هؤلاء أسخى الميت أم السائل أو أولاده؟
حكاية
وروي أن الشافعي لم مرِض مرَض موته قال: مُروا فلاناً بغسلي. فلما توفي بلغه خبر وفاته فحضر وقال: ايتوني بتذكرته فأُتي بها فنظر فيها فإذا على الشافعي ﵁ سبعون ألف درهم فكتبها على نفسه " وقضاها عنه "، وقال: هذا غُسلي إياه أي أنه إنما أراد هذا.
حكاية
وقال الشافعي ﵀: لا أزال أحب حماد بن أبي سليمان لشيء بلغني عنه، " ذلك " أنه كان يوماً راكباً حماراً له فحركه فانقطع زره، فمر على خياط فأراد أن ينزل إليه يسوي زره. فقال الخياط: والله لا نزلت، وقام إليه وسوى زره، وهو راكب، فأخرج إليه صرة فيها عشرة دنانير، فسلمها إلى الخياط واعتذر إليه من قلتها.
حكاية
عن الربيع بن سليمان أنه قال: أخذ رجل بركاب الشافعي ﵁ فقال: يا ربيع أعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني.
حكاية
ويروى أن طلحة الطلحات خرج في يوم صائف فأصابه الحر فعطش، فنظر إلى دار لها فناء حسن، وظل ممدود، فعدل إليها، وجلس ثم استسقى ماء، فخرجت إليه جارية نظيفة بيدها إناء نظيف فيه ماء بارد، فشرب وقال: يا جارية ما أنظفك وأنظف ما معك، فقالت: جُعلت فداك إن أهلي علموا بموضعك فثوقوا فيما أنفذوه إليك. فعجب من عقلها وكرهم أهلها وسأل عن رب الدار فقيل أنه مختف من دين ركبه، وأن الدار رهن عند غريمه في ألف دينار، فأرسل إلى الرجل فاستخرجه، وبعث إلى الغريم فدفع إليه ماله، ورد على الرجل داره وأجزل صلته، وقال متى مسك من دهرك بؤس فاقصدنا فأنا معينك على دهرك.
حكاية
وقال الربيع: سمعت الحميدي يقول: قدم الشافعي ﵀ من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فضرب خِباءه في موضع خارج من مكة ونثر الدنانير على ثوب ثم أقبل على كل من دخل عليه يقبض قبضة ويعطيه حتى صلى الظهر، ونفض الثوب وليس عليه شيء.
حكاية
قال محمد بن عباد المهلبي: دخل أبي على المأمون فوصله بمائة ألف درهم فلما قام من عنده تصدق بها فأُخبر بذلك المأمون فلما عاد إليه عاتبه في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين منع الجود من سوء الظن بالمعبود، فوصله بمائتي ألف أخرى.
حكاية
وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي، ومعي شيء من ماء، وأنا أفول إن كان به رمق أسقيته، ومسحت به وجهه. فإذا أنا به فقلت: أَسقيك ماء فأشار أي نعم. فلما هم أن يشرب إذا برجل يقول: آه آه، فأشار ابن عمي أن أنطلق به إليه " قال فجئته "، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك. فسمعني آخر فقال: آه آه، فأشار هشام أن أنطلق به إليه فجئته. فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.
ودخل رجل على سالم بن قتيبة الباهلي يكلمه في حاجة فوضع نصل سيفه على إصبع سالم واتكأ عليه. وجعل يكلمه في حاجته وقد أدماه، وسالم صابر فلما فرغ الرجل من حاجته وخرج دعا سالم بمنديل فمسح الدم عن إصبعه وغسله، فقيل له: هلا نحّيت رجلك أصلحك الله أو أمرته برفع سيفه عنه؟ فقال: خشيت أن أقطعه عن حاجته.
حكاية
وذكر خزيم بن أبي يحيى المزني أن الرشيد دعاه يوماً ليأكل معه فلما توسط الأكل رفع رأسه إلى رجل يكلمه بالفارسية. قال فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد أن تسر إليه فإني أفهم الفارسية، فأمرني أن أتنحى ليتقدم إليه بما يريد، فأعجب الرشيد كرم أخلاقه وصدقه وخاطب ذلك الرجل سراً بما أراد وأمر لخزيم بصلة سنية.
حكاية
ذكر أن عبيد الله بن العباس أتاه سائل وهو لا يعرفه فقال له. تصدق علي بشيء فإني نُبئت أن عبيد الله بن العباس أعطى سائلاً ألف درهم واعتذر إليه فقال: وأين أنا من عبيد الله فقال: أين أنت منه في الحسب أم في الكرم؟ قال: فيهما جميعاً، قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت " وإذا فعلت " كنت حسيباً. فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته. فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله بن العباس فأنت خير منه، وإن كنت إياه فأَنت اليوم خير منك أمس فأعطاه ألفاً أخرى فقال له السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض السر من جوانحي.
حكاية
" من ملح ما ذكر في حفظ السر وكتمانه ما " حدث " به " أبو سفيان الحميري وصالح بن سليمان قللا: أراد الوليد بن يزيد الحج فاتّعد قوم من وجوه الشام أن يثبوا به فأتوا خالد بن عبد الله القسري ليكون معهم فأبى عليهم قالوا: فتكتم علينا، قال: أما هذا فنعم. فمشى خالد القسري إلى خالد بن الوليد ين يزيد فقال له: قل لأمير المؤمنين يدع الحج في عامه هذا، فقال: ولم؟ قال: أخاف عليه، فأعلم خالد أباه فأحضره. وقال: أحقاً ما يقول خالد عنك يا خالد؟ قال نعم قال: أعده علي فأعاد قوله. فقال: ومن هؤلاء الذين تخافهم عليّ فسمِّهم؟ قال: لا أفعل قال: لتقولن قال: لا أقول قال: إذاً أبعث بك إلى يوسف بن عمر قال: وإن فعلت. فبعث به إلى يوسف فعذَّبه إلى أن مات، ولم يسم القوم ولا أحداً منهم.
حكاية
قيل لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إلى والي البصرة أن يحضر إياس بن معاوية المزني والقاسم بن ربيعة الجوشني ولينظر أنفذهما في الحكم فليقلده إياه فلما وقف على الكتاب استدعاهما وقرأه عليهما فقال له إياس اسأل عني وعنه فقيهي المصر الحسن وابن سيرين، وكان القاسم صديقاً لهما، ففطن لما قصد إياس. فقال: أيها الأمير لا تسأل عني وعنه أحداً، واسمع مني ومنه، قال: قل، قال: والله الذي لا إله إلا هو، وحلف يميناً مستوفاة جامعة لمعاني الحلف، إن إياس بن معاوية لأصلح للحكم مني وأنفذ فيه، فإن كنت عندك صادقاً فقلده " بيميني " وإن كنت عندك كاذباً فما يحل لك أن تقلد الحكم بين المسلمين من يبارز الله بمثل هذه اليمين كاذباً. فقال إياس: لا تسمع منه أيها الأمير فإنك جئت به إلى شفير جهنم، فافتدى نفسه أن يقع فيها بيمين حلفها كاذباً يكفر عنها ويستغفر الله منها وينجو " مما كان " فقال له الأمير: أوليس قد فطنت أنت لها يا إياس؟ وقلده الحكم بين الناس.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع