من «المستجاد من فعلات الأجواد» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حكايا الأجواد (٥)
الصفحة ٢ من ٢
حكاية
لما حضرت عمر بن عبد العزيز ﵁ الوفاة دعا بنيه، وكانوا أحد عشر ابناً وكان عنده مَسلمة بن عبد الملك، ولم يخلِّف غير بضعة عشر ديناراً فأمر أن يكفن ويشرى له موضع يدفن فيه بخمسة دنانير ويفض الباقي على ورثته. فأصاب كل ابن نصفاً وربع دينار. فقال: يا بني ليس لي مال فأوصي فيه، ولكني قد تركتكم وما لأحدٍ قِبَلكم تَبعة، فلا تقع عين أحد منكم على أحد إلا ويرى له عليكم حقاً. قال له مسلمة: أَوَ خير من ذلك يا أمير المؤمنين. قال: وما هو، قال: هذه ثلاثمائة ألف دينار فرِّقها فيهم، وإن شئت فتصدق بها. قال: أَوَ خير من ذلك يا مسلمة قال: وما هو؟ قال تردها إلى من أخذتها منه، فإنها ليست لك بحق، فقال له مسلمة: رحمك الله يا أمير المؤمنين حياً وميتاً، فقد ألنت منا قلوباً قاسية، وذكرتها وإن كانت ناسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً، فيقال أنه ما روئي قط أحد من أولاد عمر بن عبد العزيز إلا وهو غني. ولقد شوهد أحدهم وقد جهز من خالص ماله مائة فارس على مائة فرس في سبيل الله.
ولما حضر هشام بن عبد الملك الوفاة خلف أحد عشر ابناً كما خلف عمر فأَوصى فأصاب كل واحد من البنين ألف ألفِ دينار. فيقال أنه لم يُرَ أحد منهم قط إلا وهو فقير، وقد شوهد أحدهم وهو يوقد في أتون الحمام على ملء بطنه.
حدث أحمد بن موسى قال: قال الربيع: ما رأيت رجلاً أربط جأشاً ولا أثبت جناناً من رجل رفع عليه إلى أمير المؤمنين المنصور أن عنده ودائع وأموالاً لبني أمية. فأمرني بإحضاره، فأحضرته ودخلت به إليه. فقال له المنصور: قد رفع إلينا خبر الودائع والأموال " التي عندك " لبني أمية فاخرج إلينا منها. فقال: يا أمير المؤمنين أوارث أنت لبني أمية؟ قال: لا قال: فوصي لهم في أموالهم ورباعهم؟ قال: لا. قال: فما مسألتك عما في يدي من ذلك؟ فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه إليه وقال: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها، وأنا وكيل المسلمين في حقهم، وأريد أن آخذ ما ظلموا فيه المسلمين فأجعله في بيت مالهم. فقال: يا أمير المؤمنين تحتاج إلى إقامة البينة العادلة على أن ما في يدي لبني أمية مما خانوا وظلموا فيه دون غيره، فقد كان لنبي أمية أموال غير أموال المسلمين. قال: فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه إليه وقال: صَدَق يا ربيع ما يجب على الشيخ شيء. ثم قال: هل لك من حاجة؟ فقال: حاجتي يا أمير المؤمنين أن تنفذ كتابي على البريد إلى أهلي ليسكنوا إلى سلامتي، فإنهم قد راعهم أشخاصي وقد بقيت لي حاجة أخرى يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قال: تجمع بيني وبين من سعى بي إليك، فوالله ما لبني أُمية في يدي مال ولا وديعة، ولكني لما مثلت بين يديك، وسألتني عما سألتني عنه، علمت ما ينجيني منك إلا هذا القول، لما اشتهر من عدلك، فقلت: إن ذلك أقرب إلى الخلاص والنجاة. فقال: يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به فجمعت بينهما فعرفه، فقال: هذا غلامي سرق علي ثلاثة آلاف دينار من مال وأبق مني " وخاف من طلبي له فسعى بي عند أمير المؤمنين، قال " فشد المنصور على الغلام " وخوفه " فأقر أنه غلامه وأنه أخذ له المال الذي ذكره وأبق منه، وأنه سعى به كذباً عليه وخوفاً من أن يقع في يده، فقال المنصور للشيخ: نسألك أن تصفح عنه قال: قد صفحت عنه وعن جرمه وأعتقته ووهبت له الثلاثة آلاف التي أخذها وثلاثة آلاف أخرى. فقال له المنصور: ما على ما فعلته مزيد. قال: بل هذا حق كلامك يا أمير المؤمنين وانصرف. فكان المنصور يتعجب منه كلما ذكره ويقول: ما رأيت مثل ذلك الشيخ يا ربيع.
حكاية
قيل أقام رجل على باب معن مدة لا يصل إليه، فلما طال مقامه كتب إليه رقعة فيها:
فما في يدك الخير يا معن كلهوفي الأرض أسباب وفيها مذاهب
ستأتي بنات العمر ما أنت صانعإذا فتشت عن الإياب الحقائب
ووكل من يوصلها إليه وسار فلما وصلت إليه وقرأها أمر برده وقال: والله ليفتشن عن خير كثير، وأمر فملئت حقيبته دراهم.
حكاية
قال بعض العرب خرجت في بعض الليالي السود فإذا بجارية كأنها صنم فراودتها عن نفسها، فقالت: يا هذا ما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك زاجر من دين؟ فأخجلني كلامها، فقلت إنما كنت مازحاً، فقالت:
وإياك إياك المزاح فإنهيطمّع فيك الطفل والرجل النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد حيائهويورث بعد العز صاحبه ذلا
يروى أن رجلاً من الأنصار جاء إلى عبد الله بن العباس فقال له: يا ابن عم رسول الله إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سميته باسمك تبركاً به وإن أمه ماتت فقال عبد الله: بارك الله لك في الصبية وأجزل لك في الصبر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته ثم قال للأنصاري: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش بؤس، وفي المال قلة قال الأنصاري: جُعلت فداك لو سبقت حاتماً بيوم واحد ما ذكرته العرب أبداً، ولكنه سبقك فصرت تالياً، وأنا أشهد أن عفوك. أكثر من جوده، وطلّ كرمك أكثر من وبله.
حكاية
قال خرج رجلان من المدينة يريدان عبد الله بن عامر بن كُريز للوفادة عليه. أحدهما من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري، والآخر من ثقيف. وكان عبد الله عاملاً بالعراق لعثمان بن عفان ﵁. فأقبلا يسيران حتى إذا كانا بناحية البصرة قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال اعرضه. قال: ننيخ رواحلنا ونتوضأ ونصلي ركعتين نحمد الله ﷿ فيهما على ما قضى من سفرنا. قال: نِعم هذا الرأي الذي لا يُردّ. قال: ففعلا ثم التفت الأنصاري إلى الثقفي فقال له: يا أخا ثقيف ما رأيك؟ قال وأي موضوع رأي هذا، قضيت سفري، وأنضيت بدني وأتعبت راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر فهل لك من رأي غير هذا؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال إنني لما صليت، فكرت فاستحييت من ربي أن يراني طالب رزق من عند غيره. ثم قال: اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك، ثم ولى راجعاً إلى المدينة. ودخل الثقفي إلى البصرة فمكث على باب ابن عامر أياماً، فلما أُذن له، دخل عليه، وكان كُتب إليه بخبرهما، فلما رآه رحب به وقال: أَلم أُخبر أن ابن جابر خرج معك؟ فأخبره ما كان منهما، فبكى ابن عامر وقال: والله ما قالها أشِراً ولا بطراً، ولكن رأى مجرى الرزق ومخرج النعمة، فعلم أن الله هو الذي فعل ذلك، فسأله من فضله. ثم أمر الثقفي بأربعة آلاف درهم وكسوة وطرف وأضعف ذلك للأنصاري، فخرج الثقفي وهو يقول:
أمامة ما سعي الحريص بزائدفتيلاً ولا عجز الضعيف بضائر
خرجنا جميعاً من مساقط رؤوسناعلى ثقة منا بجود ابن عامر
فلما أنخنا الناعجات ببابهتأخر عني اليثربي ابن جابر
وقال ستكفيني عطية قادرعلى ما يشاء اليوم للخلق قاهر
فإن الذي أعطى العراق ابن عامرلربي الذي أرجو لسد مفاقري
فلما رآني قال ابن جابر؟وحن كما حنت ضراب الأباعر
فأضعف عبد الله إذ غاب شخصهعلى حظ لهفان من الحرص فاغر
حكاية
قال خرج على الرشيد بعض الخوارج، فأنهض إليه جيشاً فظفر به، فلما دخل عليه قال: ما تريد أن أصنع بك؟ قال الذي تريد أن يصنع الله بك إذا وفقت بين يديه، فأطرق الرشيد ملياً ثم رفع رأسه وأمر بإطلاقه فلما خرج قال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين يقتل رجالك، ويفني أموالك، وتطلقه بكلمة واحدة، تأمل هذا الأمر فإنه يجري عليك أهل الشر، فأمر برده فلما مثل بين يديه علم أنه قد شنع به عنده. فقال: أمير المؤمنين لا تطعهم فيّ، فلو أطاع الله ﷿ فيك ما استخلفك لحظة واحدة، فأمر بإطلاقه وقال: لا يعاود " ني أحد " في شأنه.
حكاية
قيل أتى معن بن زائدة بأسرى فعرضهم على السيف. فقال له بعضهم: نحن أسراك أيها الأمير ونحن نحتاج إلى شيء من الطعام، فأمر لهم بذلك، فأتي بأنطاع فبسطت وأتي بالطعام. فقال لأصحابه: أمعنوا في الأكل ومعن ينظر إليهم ويتعجب منهم، فلما فرغوا من أكلهم قام فقال أيها الأمير قد كنا قبلُ أسراك ونحن الآن أضيافك، فانظر ماذا تصنع بأضيافك. فعفى عنهم وخلى سبيلهم. فقال له بعض من حضر ما ندري أيها الأمير أي يوميك أشرف يوم ظفرك أو يوم عفوك!
حكاية
قال روح بن مقاتل: لما زُفت بوران بنت الحسن بن سهل إلى المأمون كتبت إليه حظيته عريب تقول:
أنعم، تخطتك عيون الردىبزف بوران مع الدهر
بيضة خدر لم يزل نجمهابنجم مأمون الورى يجري
حتى استقر الملك في حجرهابورك في ذلك من حجر
يا سيدي لا تنس عهدي وماأطلب شيئاً غير ما تدري
فوقفت بوران على الرقعة وقالت: قد عرفت ما تريد، ثم قالت: يا أمير المؤمنين أنعم بالأذن في زفها إليك، فهو والله مكافأتها على شعرها.
فقال: ذلك إليك ففعلت فزفت معها، وسر المأمون بما اجتمع له من الألفة بين زوجته وحظيته.
سعيد بن مسلم الباهلي. قال: قدم على الرشيد أعرابي من باهلة، وعليه جبة حبر ورداء يمان، قد شده على وسطه ثم ثناه على عاتقه، وعمامة قد عصبها على خديه، وأرخى لها عذبة من خلفه؛ فقعد بين يدي الرشيد فقال له سعيد: يا أعرابي خذ في شرف أمير المؤمنين فاندفع في شعره، فقال له الرشيد: يا أعرابي أسمعك محسناً، وأذكرك فهماً، فقل لنا بيتين في هذين. يعني محمد الأمين وعبد الله المأمون ابنيه وهما حوله. فقال: يا أمير المؤمنين: أطلعتني على الوعر القردد، ولزحتني عن السهل الجدجد روعة الخلافة وبهر الدرجة ونفور القوافي عن البديهة فارددني تتألف لي نوافرها، وتسكن روعتي. قال: قد فعلت، وجعلت اعتذارك بدلاً من امتحانك فقال يا أمير المؤمنين نفست الخناق وأرسلت الميدان للسباق ثم أنشأ يقول:
بنيت بعبد الله ثم محمددرى قبة الإسلام فاخضر عودها
هما طنباها بارك الله فيهماوأنت أمير المؤمنين عمودها
فقال له الرشيد: وأنت يا أعرابي بارك الله فيك، فسل ولا تكن مسألتك دون إحسانك. قال " مائة ناقة " يا أمير المؤمنين، فأمر له بمائة ناقة وسبع خلع.
حكاية
قالوا دخل عمارة بن حمزة على المنصور فقعد في مجلسه فقام رجل فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: من ظلمك؟ قال: عمارة غصبني ضيعتي، فقال المنصور: قم يا عمارة فاقعد مع خصمك. فقال: ما هو لي بخصم يا أمير المؤمنين. قال وكف ذلك؟ قال: إن كانت الضيعة له فلست أُنازعه فيها، وإن كانت لي فهي له، ولا أقوم من مجلس قد شرفني به أمير المؤمنين، ورفعني إليه، وأقعد في أدنى منه بسبب ضيعة!
حكاية
قيل لما تفرق الأمر على مروان الجعدي وأيقن بزوال ملكه وغلبه بنو هاشم عليه، قال لعبد الحميد بن يحيى كاتبه: أني قد احتجت أن تكون مع عدوي، وتظهر لهم الغدر في، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إليك يدعوهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وألا تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي. فقال عبد الحميد: إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي. وما عندي إلا الوفاء حتى يفتح الله لك أو أُقتل معك ثم قال:
أُسر وفاءً ثم أُظهر غدرةفمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
حكاية
حدث عمر بن شَبَّة، قال: وفد مطيع بن إياس على يزيد بن جرير ابن عبد الله القسري وقد مدحه بقصيدته التي أولها:
أمِنْ آل ليلى حرمت البكوراولم تلق ليلى فتشفي الضمرا
وقد كنت دهرك فيما خلاليلى وجارات ليلى زؤرا
إلى أن يقول في مديحه فيها:
تقول ابنتي إذا رأت رحلتيوقربت للبين عيساً وكورا
إلى من أراك، وقتك الحتوف نفسي، تجشمت هذا المصيرا؟
فقلت إلى الفحل الذييفك الأسير ويغني الفقيرا
أخي العرب أشبه عند الندىوحمل المثين أباه جريرا
إذا استكثر المجتدون القلي؟ل للمعتفين استقل الكثيرا
إذا عسر الخير في المجتدي؟ن كان لديه عتيداً يسيرا
وليس بمانع ذي حاجةولا خاذل من أتى مستجيرا
بنفسي أقيك أبا خالدإذا ما العداة أغاروا النحورا
فلما بلغ يزيد خبر قدومه دعا به ليلاً ولم يعلم أحد بحضوره. ثم قال له: قد عرفت خبرك وإني معجل جائزتك ساعتي هذه، فإذا حضرت غداً فإني سأخاطبك مخاطبة فيها جفاء، وأزودك نفقة طريقك وأصرفك لئلا يبلغ أبا جعفر المنصور خبري فيهلكني. وأمر له بمائتي دينار وصرفه فلما أصبح أتاه فاستأذنه في الإنشاد فقال له: يا هذا لقد رميت بأملك غير مرمى، وفي أي شيء أنا حتى تنتجعني الشعراء؟ لقد أسأت إليّ لأني لا أستطيع تبليغك محبتك، ولا آمن سخطك وذمك. فقال له: تسمع ما قلت فإني أقبل ميسورك، وأبسط عذرك، فاستمع منه كالمكره. فلما فرغ قال لغلامه: يا غلام كم يبلغ ما بقي من نفقتك؟ قال: ثلاثمائة درهم، قال أعطه مائة درهم لنفقة طريقه، ومائة درهم ينصرف بها إلى أهله، واحتبس لنفقتك مائة درهم، ففعل الغلام ذلك، وانصرف مطيع عنه شاكراً، ولم يعرف أبو جعفر خبرهما.
قال الأصمعي: قصدت في بعض الأيام رجلاً كنت أغشاه لكرمه فوجدت على بابه بواباً فمنعني من الدخول إليه. ثم قال: والله يا أصمعي ما أوقفني على بابه لأمنع متك الدخول إليه إلا رقة حاله، وقصور يده، فكتبت رقعة أقول فيها:
إذا كان الكريم له حجابفما فضل الكريم على اللئيم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع