تجاوز إلى المحتوى

من «المستجاد من فعلات الأجواد» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

حكايا الأجواد (٦)

الصفحة ١ من ٢

ثم قلت له: أوصل رقعتي هذه إليه ففعل. فعادت الرقعة وقد وقع على ظهرها:

إذا كان الكريم قليل مالتستر بالحجاب عن الغريم

وأرسل مع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار. فقلت والله لأتحفن أمير المؤمنين بهذا الخبر، " فما مر بي مثله " فجئت إليه، فلما رآني قال لي: من أين يا أصمعي؟ قلت: من عند رجل أكرم الأحياء حاشا أمير المؤمنين. قال: ومن هو؟ قلت: رجل قراني علمه وماله. ثم دفعت إليه الرقعة والصرة " وأوعدت عليه الخبر فلما رآى الصرة اربد وجهه " فقال: هذا ختم بيت مالي، ولا بد لي من الرجل الذي أدفعها إليك. فقلت: والله يا أمير المؤمنين إني لأستحي أن أروعه برسلك، فقل لبعض خواسه: امض مع الأصمعي فإذا أراك الرجل فقل له: أجب أمير المؤمنين من غير إزعاج ولا إظهار شدة. قال: فلما حضر الرجل بين يدي أمير المؤمنين قال: أما أنت بالأمس الذي وقفت بموكبنا وشكوت إلينا رقة حالك وأن الزمان قد أناخ عليك بكلكله؟ فدفعنا إليك هذه الصرة لتصلح بها حالك، فقصدك الأصمعي ببيت شعر واحد فدفعتها إليه. فقال: والله ما كذبت فيما شكوته لأمير المؤمنين من رقة الحال، وصعوبة الزمان، لكني استحييت من الله أن أعيد قاصدي إلا كما أعادني أمير المؤمنين. فقال أمير المؤمنين: لله أنت فما ولدت العرب أكرم منك، ثم أمر له بألف دينار. قال الأصمعي: فقلت ألحقني يا أمير المؤمنين فتبسم، وأمر أن تكمل لي ألف دينار وأعاد الرجل من جملة ندمائه.

حكاية

حدث صالح بن علي الأضخم " وكان من وجوه الكتاب قال: طالت بي " العطلة وبلغ بي ذلك أعظم الحاجة فبكرت يوماً إلى أحمد ابن أبي خالد الوزير لأعلمه بخلل أحوالي وأسأله لم شعثي. فخرج من بابه وبين يديه الشمع قاصداً دار المأمون. فلما نظر إلي أنكر بكوري وعبس في وجهي وقال: في الدنيا أحد بكر هذا البكور ليشغلنا " عن أمورنا ". فقلت ليس العجب منك أصلحك الله فيما لقيتني به، إنما العجب مني إذ سهرت ليلي وأسهرت جميع أهلي ترقباً للصبح حتى أصير إليك في صلاح أحوالي بعد وقوع الاختيار عليك فيما أؤمله عندك. لكن علي وعلى " وحلف بأيمان البيعة " إن وقفت لك بباب أو سألتك حاجة حتى تصير إلي معتذراً مما لقيتني به، وانصرفت مغموماً مفكراً فيه، نادماً على ما فرك مني من اليمين، آيساً من الفرج لاستبعاد مجيء الوزير إلي، واعتذاره لي، راجعاً باللوم على نفسي، فإني كذلك إذ دخل علي بعض الغلمان، فقال إن الوزير أحمد بن أبي خالد أخذ في شارعنا، ثم دخل آخر فقال: إنه دخل دربنا، ودخل ثالث فقال: إنه قرب من بابنا فدخل آخر فقال: قد دخل دارنا فخرجت مستقبلاً له فلما استقر به المجلس قال لي: كان أمير المؤمنين قد أمرني بالبكور إليه في بعض مهماته فدخلت إليه وقد بلغ بي السهر والغم بما فرط مني إليك حتى أنكر حالي فقصصت عليه القصة. فقال: قد أسأت إلى الرجل ولا عليك أن تعتذر إليه، قلت: فامضي إليه فارغ اليد قال فتريد ماذا؟ فقلت: تقضي دينه فقال: وكم ذلك؟ فقلت ثلاثمائة ألف درهم فأمرني بالتوقيع لك بها. فقلت: يا أمير المؤمنين إذا قضى دينه فيرجع إلي ماذا، قال وقع له بثلاثمائة ألف أخرى يصلح بها حاله. قلت: فولاية يشرف بها، قال: وله أو غيرها مما يشبهها قلت: فمعونة يستعين بها على سفره فأمر أن يوقع لك بمائة ألف درهم، وهذه التوقيعات كلها لك بكل ذلك ونثرها من كمه وانصرف.

قيل نذر المهدي دم رجل من أهل الكوفة، وكان يسعى في فساد دولته، وجعل لمن دل عليه أو جاء به مائة ألف درهم فأقام الرجل حيناً متوارياً ثم أنه ظهر بمدينة السلام فبينا هو يمشي في بعض نواحيها إذ بصر به رجل من أهل الكوفة فعرفه فأخذ بمجامع ثيابه وقال: هذا بغية أمير المؤمنين. فبينا الرجل على تلك الحال إذ سمع وقع الحوافر من ورائه فالتفت فإذا معن بن زائدة. فقال: يا أبا الوليد أجرني أجارك الله فوقف وقال للرجل الذي تعلق به: ما شأنك قال: بغية أمير المؤمنين الذي نذر دمه، وأعطى لمن دل عليه مائة ألف درهم. فقال: يا غلام انزل عن دابتك واحمل الرجل عليها فصاح المتعلق به ياللناس: أيحال بيني وبين طلبة أمير المؤمنين. فقال له معن: اذهب وأخبره أنه عندي. فانطلق الرجل إلى باب المهدي فأخبر الحاجب فدخل إلى المهدي فأخبره، فأمر بإحضار معن، فأتته الرسل فدعا أهل بيته ومواليه وقال لا يصل هذا الرجل شر وفيكم عين تطرف ثم سار إلى المهدي فدخل وسلم، فلم يرد ﵇، قال: يا معن أتجير علي قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ونعم أيضاً واشتد خضبه فقال يا أمير المؤمنين قتلت في طاعتكم باليمن في يوم واحد خمسة عشر ألفاً، إلى أيام كثيرة قد تقدم بلائي وحسن غنائي، فما رأيتموني أهلاً أن يوهب لي رجل واحد استجاربي. فاطرق المهدي طويلاً ثم رفع رأسه وقد سري عنه. وقال: قد أجرنا من أجرت يا معن. قال معن: فإن رأى أمير المؤمنين أن يصله فيكون قد أحياه وأغناه. قال: قد أمرنا له بخمسين ألف درهم. قال: يا أمير المؤمنين إن صلات الخلفاء تكون على قدر جنايات الرعية، وإن ذنب الرجل عظيم، فاجزل له الصلة. قال: قد أمرنا له بمائة ألف درهم قال: فعجلها له يا أمير المؤمنين، فإن الخير أعجله فأمر بتعجيلها له. فانصرف معن بالمال إلى الرجل، وقال له: خذ صلتك والحق بأهلك وإياك ومخالفة خلفاء الله تعالى.

حكاية

قال أبو عبد الله النديم: لقد رأيت الملوك في مقاصيرها ومجامعها فما رأيت أغزر أدباً من الواثق، خرج علينا ذات يوم وهو يقول: لعمري لقد عرض عرضه من عرضه لقول الخزاعي

خليلي ماذا أرتجي من غد امرئطوى الكشح عني اليوم وهو مكين
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «خليلي ماذا أرتجي من غد امرئ»
وإن امرأ قد ضن عني بمنطقيسد به فقر امرئ لضنين

فانبرى إليه أحمد بن أبي داود كأنما أنشط من عقال يسأل في رجل من اليمامة، فأسهب في الشفاعة وأطنب، وذهب في القول كل مذهب، فقال له الواثق: يا أبا عبد الله لقد أكثرت في غير كثير ولا طيب فقال يا أمير المؤمنين إنه صديقي.

وأهون ما يعطي الصديق صديقهمن الهين الموجود أن يتكلما

فقال الواثق: ما قدر هذا اليمامي أن يكون صديقك وإنما حسبه أن يكون من بعض خولك فقال: يا أمير المؤمنين إنه شهر بالاستشفاع بي عندك، وجعلني بمرأى مسمع من الرد والإسعاف، فإن لم أقم له هذا المقام كنت إذاً كما قال أمير المؤمنين:

خليلي ماذا أرتجي من غد امرئطوى الكشح عني اليوم وهو مكين
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «خليلي ماذا أرتجي من غد امرئ»
وإن امرأ قد ضن عني بمنطقيسد به فقر امرئ لضنين

فقال الواثق لمحمد بن عبد الملك الزيات: بالله يا محمد ألا عجلت لأبي عبد الله حاجته ليسلم من هجنة المطل كما سلم من هجنة الرد.

قيل سأل رجل حاتماً الطائي فقال: يا حاتم هل غلبك أحد في الكرم؟ قال: نعم غلام يتيم من طيء نزلت بفنائه وكان له عشرة أرؤس من الغنم، فعمد إلى رأس منها فذبحه. وأصلح من لحمه، وقدم إلي، وكان فيما قدم إلي الدماغ، فتناولت منه فاستطبته، فقلت: طيب والله. فخرج من بين يدي، وجعل يذبح رأساً رأساً، ويقدم إلي الدماغ وأنا لا أعلم. فلما خرجت لأرحل نظرت حول بيته دماً عظيماً وإذا هو قد ذبح الغنم بأسره. فقلت له: لم فعلت ذلك؟ فقال: يا سبحان الله تستطيب شيئاً أملكه فأبخل عليك به، إن ذلك لسبة على العرب قبيحة. قيل يا حاتم: فما الذي عوضته؟ قال: ثلاثمائة ناقة حمراء وخمسمائة رأس من الغنم، فقيل أنت إذاً أكرم منه فقال: بل هو أكرم، لأنه جاد بكل ما يمكله وإنما جدت بقليل من كثير.

حكاية

وحدث أبو اليقظان عن جويربة قال: أتى النصيب عبد الله بن جعفر فحمله وأعطاه وكساه فقال له قائل: يا ابن جعفر أعطيت هذا العبد الأسود هذه العطايا؟ فقال: والله إن كان هذا أسود إن ثناه لأبيض، وإن شعره ليهزني، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال وما ذاك؟ إنما هي رواحل تنضى، وثياب تبلى؛ ودراهم تفنى، وثناؤه يبقى، ومديحه يروى.

حكاية

قدم زياد الأعجم على المهلب بن أبي صفرة بخراسان ونزل على ابنه حبيب فجلسا ذات عشية على شراب وفي الدار شجرة علها حمامة فجعلت تغرد وزياد الأعجم يقول:

تغني أنت في ذممي وعهديوذمة والدي أن لا تضاري
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
وبيتك أصلحيه ولا تخافيعلى صفر مزغبة صغار
فإنك كلما غنيت صوتاًذكرت أحبتي وذكرت داري
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
فإن هم يفتلوك طلبت ثأريبقتلهم لأنك في جواري

فأخذ حبيب سهماً فرماها فأثبتها فماتت، فقال له زياد قتلت جاري، بيني وبينك الأمير المهلب ثم أتى المهلب فأخبره فقال: يا حبيب ادفع إلى أبي أمامة ألف دينار قال حبيب: أعز الله الأمير كنت ألعب. فقال: أمع هذا لعب؟ جار أبي أمامة جاري، فدفع إليه حبيب ألف دينار فقال زياد الأعجم:

فلله عيناً من رأى كقضيةقضاها فأمضاها الأمير المهلب
قضى ألف دينار بجار أجرتهمن الطير حضان على البيض ينعب
رماه حبيب بن المهلب رميةفأنفذه بالسهم والشمس تغرب
فألزمه عقل القتيل بزجرةوقال حبيب إنما كنت ألعب
فقال زياد لا يروع جارهوجارة جاري مثل جاري وأقرب
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

فلما سمعه المهلب أجازه بجائزة حسنة وصرفه مكرماً وبلغ هذا العشر الحجاج، فقال: ما أخطأت العرب إذ جعلت المهلب شيخها.

حكاية

ومن ملح أخبار القاضي أحمد بن أبي داود ما حكي أن المعتصم كان بالجوسق مع ندمائه وقد عزم على الاصطباح، وأمر كلاً منهم أن يطبخ قدراً، ونظر سلامة غلام أحمد بن أبي داود. فقال: هذا غلام ابن أبي داود جاء ليعرف خبرنا، والساعة يأتي، فيقول: فلان الهاشمي، وفلان القرشي، وفلان الأنصاري، وفلان العربي، فيقطعنا بحوائجه عما كنا عزمنا عليه وأنا أشهدكم أني لا أقضي له اليوم حاجة. فلم يكن بأسرع من أن يدخل ايتاخ يستأذن لأحمد بن أبي داود. فقال لجلسائه: كيف ترون؟ قالوا: لا تأذن له يا أمير المؤمنين. قال: سوأَة لهذا الرأي والله لحمي سنة أسهل علي من ذلك، فأذن له فدخل فما هو إلا أن سلم وجلس وتكلم، حتى أسفر وجه المعتصم، وضحكت إليه جوارحه. ثم قال يا أبا عبد الله قد طبخ كل واحد من هؤلاء قدراً، وقد جعلناك حكماً في أطيبها. قال: فلتحضر لآكل وأحكم بعلم. فأمر المعتصم بإحضارها فأحضرت القدور بين يديه وتقدم القاضي أحمد بن أبي داود، فجعل يأكل من أول كل قدر أكلاً تاماً فقال له المعتصم: هذا ظلم قال: وكيف ذاك؟ قال أراك قد أمعنت في هذا اللون وستحكم لصاحبه. قال: يا أمير المؤمنين ليس بلقمة ولا باثنتين تدرك المعرفة بأخلاط الطعام، وعلي أن أوفي كلاً منها حقها في الذوق، ثم يقع الحكم بعد ذلك، فتبسم المعتصم وقال: شأنك إذاً، وأكل من جميعها كما ذكر، ثم قال: أما هذه فقد أحسن صاحبها إذ أظهر فلفلها وقلل كمونها، وأما هذه فقد أجاد صاحبها إذ كثر خلها وقلل فلفلها ليشتهى حمضها. وأما هذه فقد أحكمها طباخها بتقليل مائها وكثرة رُبها وأقبل يصفها واحدةً واحدة حتى أتى على جميعها بصفات سر بها أصحابها. وأمر المعتصم بإحضار المائدة فأكل مع القوم بأكلهم أنظف أكل وأحسنه. فمرة يحدثهم بأخبار الأكلة في صدر الإسلام مثل معاوية بن أبي سفيان وسليمان بن عبد الملك وعبيد الله بن زياد والحجاج، ومرة يحدثهم أكلة دهره مثل ميسرة التراس وحاتم الكيال واسحق الحمامي. فلما رفعت الموائد قال له المعتصم: ألك حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال: فاذكرها فإن أصحابنا يريدون أن يتشاغلوا بقية يومهم. فقال: رجل من أهل يا أمير المؤمنين قد وطئه الدهر فغير من حاله وخشن معيشته قال: ومن هو؟ قال: سليمان بن عبد الملك النوفلي. قال: قدّر له ما يصلحه قال: خمسين ألف درهم قال قد أمرت له بها. قال: وحاجة أخرى قال وما هي؟ قال: ضياع هارون توغر بها له. قال: قد فعلت قال: فوالله ما برح حتى سأل في ثلاث عشرة حاجة لا يرده المعتصم عن شيء منها. ثم قام خطيباً فقال: يا أمير المؤمنين عَمّرك الله طويلاً فبعمرك يخصب جناب رعيتك ويلين عيشهم وتنمو أموالهم ولا زلت ممتعاً بالسلامة منعاً بالكرامة مدفوعاً عنك حوادث الزمان وغيرها، ثم انصرف. فقال المعتصم: هذا والله الذي يُتزيّن بمثله ويُبتهج بقربه. أما رأيتم كيف دخل؟ وكيف أكل، وكيف وصف القدور، وكيف انبسط في الحديث، وكيف طاب به أكلنا، والله لا يردّ هذا عن حاجة إلا لئيم الأصل، خبيث الفرع، والله لو سألني في مجلسي هذا ما قيمته عشرة آلاف ألف درهم ما رددته عنها فإني أعلم أنه يكسبني في الدنيا جمالاً وحمداً، وفي الآخرة ثواباً وأجراً.

حدث الأصمعي قال: وقعت حرب بالبادية، واتصلت بالبصرة، وتفاقم الأمر فيها حتى مشى الناس في الصلح بين الحيين، فاجتمعوا في المسجد الجامع. قال فبعثت وأنا " حينئذ " غلام إلى القعقاع بن الضرار الدارمي فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فوجدته في شملته يخلط بزراً فخبرته مجتمع القوم، فأمهل حتى أكل العنز، ثم غسل الصفحة وصاح: يا جارية غدينا، فأتته بتمر وزيت. قال فدعاني لآكل معه فأكلت، حتى إذا قضى أربه من الأكل، وثب إلى طين ملقى في الدار فغسل منه يده، ثم استسقى ماءً فشربه، ثم مسح فاضله على وجهه ثم قال: الحمد لله ماء فرات وتمر البصرة وزيت الشام، متى يؤدى شكر هذه النعمة؟ ثم أخذ رداءة وارتدى به على تلك الشملة. قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحاً لزيه. فلما دخل المسجد صلى ركعتين، ثم مشى إلى القوم فلم تبق حبوة إلا حلت إعظاماً له. ثم جلس فتحمل جميع ما كان بين الأحياء من الديات في ماله فنهض وهو سيد الكافة بفضله.

حكاية

قيل لمعاوية بن أبي سفيان: بالحيرة رجل من جرهم له قدم وسن وفصاحة وعقل، وقد مضت عليه برهة من دهره، ورأى أعاجيب في عصره.

فقال معاوية: علي به، فلما حضر قال له: من الرجل؟ قال: عبيد بن شرية قال: ثم ممن؟ قال: من قوم ليست لهم بقية. قال: فكم مضى عليك من عمرك؟ قال: عشرون ومائتا سنة، قال: أهمتك السنون؟ قال: أجل يا أمير المؤمنين، وقرعتني بريبها المنون، قال: فما رأيت في سنيك وطول ما عمرت؟ قال: رأيت يوماً في إثر يومٍ يتبعه، ورأيت قوماً يمضون ولا يرجعون، فهم يجمعون لما يبيد عنهم، ولا يعتبرون بمن مضى قبلهم، فذهب الدهر بهم كل مذهب، ولولا أن المولود يلد لذهبت الأرض بمن عليها، ولولا أن الحي يموت لضاقت الأرض بمن فيها. قال له معاوية: إن عندك لعلما؟ قال: نعم فسلني، قال: فأي المال رأيت أنفع، وإلى صاحبه بالخير أسرع؟ قال: عين خرَّارة، في أرض خوَّارة، تعول ولا تُعال. قال: ثم مه؟ قال: فرس، في بطنها فرس، تتبعها فرس، قال: فأين أنت عن الصهابية الحمر والعوسية الشقر، قال: تلك يا أمير المؤمنين لغيرك، قال: لمن؟ قال: لمن وليها بيده ولم يكلها إلى غيره.

قال: فأين أنت عن الذهب والفضة؟ قال: حجران يصطكان إن أقبلت عليهما نفدا، وإن تركتهما لم يزيدا. قال له معاوية: فأخبرني بأعجب ما رأيت في عمرك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، كنت في حي من أحياء العرب وقد مات لهم ميت يقال له جبلة بن الحويرث فمشيت في جنازته وأنست بجماعته، فلما دلي في قبره واعول النساء في إثره أدركتني عليه عبرة لم أستطع ردها، وتمثلت بأبيات كنت سمعتها " قال معاوية: قل يا أخا جرهم فأنشد ":

يا قلب أنت في أسماء مغرورفاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحدحتى جرت بك اطلاقاً محاضير
تريد أمراً فما تدري أعاجلهخير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاسترزق الله مما في خزائنهفبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطإذ صار في التراب تعفوه الأعاصير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
يبكي الغريب عليه ليس يعرفهوذو قرابته في الحي مسرور
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
كأنه لم يكن إلا تذكرةوالدهر أينما حال دهارير؟

فبينما أنا أردد هذه الأبيات وعينان ينسكبان انسكاباً لا أملك رد دمعهما. إذ قال لي رجل إلى جنبي من عذرة: يا أبا عبد الله هل تعرف قائل هذا الشعر؟ قلت لا والله. قال هذا الميت " الذي دفناه " وأنت الغريب الذي تبكي عليه، " ولا تعرفه ولا تعلم أنه قائل هذا الشعر " وذو قرابته الذي ذكر أنه مسرور هو ذاك، وأشار إلى رجل في الجماعة وقال: والله ما يستطيع كتمان ما هو عليه من السرور بفقده. فقال له معاوية: يا أخا جرهم سل ما شئت قال: ما مضى من عمري ترده؟ والأجل إذا حضر تدفعه؟ قال: ليس ذلك إلي سل غير ذلك قال: يا أمير المؤمنين ليس إليك الدنيا فترد شبابي، ولا الآخرة فتكرم مآبي، وأما المال فقد أخذت " منه " في عنفواني ما كفاني. قال لابد أن تسألني قال: أما إذ أبيت فامر لي برغيفين أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخر، واتق الله واعلم أنك مفارق ما أنت فيه، وقادم على ما قدمت، فأمر له معاوية برواحل كثيرة من الحنطة وغيرها فردّها. وقال إن أعطيت المسلمين كلهم مثل ما أعطيتني أخذت وإلا فلا حاجة لي في ذلك وودعه وانصرف.

وملح ما سطر ومستحسن ما ذكر ما حدث به رسول ملك الخزر وهو عند الفضل بن سهل عن أُخت ملكهم واسمها خاتون. قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا بحرارة المصائب وصنوف الآفات ففزع الناس إلى الملك فلم يدر ما يجيبهم به. فقالت له خاتون: أيها الملك إن الحزم علق لا يخلق جديده، وسبب لا يمتهن عزيزه وهو دليل الملك على استصلاح مملكته، وزاجره عن استفسادها. وقد فزعت رعيتك إليك لفرط العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزاً، ولا ينقصه العود إليهم بالإحسان ملكاً، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الوصي، ولا بركوب الدلالة من الدال، ولا بحسن الرعاية من الراعي، ولم نزل في نقمة لم تغيرها نقمة، وفي رضا لم تكدره سخطة، إلى أن جرى القدر بما عمي عنه البصر، وذهب عنه الحذر، فسلب الموهوب، والسالب هو الواهب. فعد إليه بشكر النعم وعذ به من فظيع النقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلن الحياء من التذلل للمعز المذل شركاً بينك وبين رعيتك فتستحق مذموم العاقبة، ولكن مرهم ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار له بكنه القدرة وبتذلل الألسن في الدعاء بمحض الشكر له، فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن شيء فعل إلى صالح عمل، وليتبعه على ذاك الشكر لما يحرز به فضلاً آخر. قال: فأمرهم الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بهذا الكلام، ففعلت. " فتلقوا وعظها بالقبول، ورجعوا عن باب الملك الأدنى إلى باب الملك الأعلى. وقد علم الله منهم قبول الوعظ والأمر والنهي، فحال عليهم الحول، وما أحد منهم مفتقر لنعمة كان عليها، وتواترت عليهم الزيادات بجميل الصنع ولله الحمد والشكر.

قال أبو بكر " الهذلي " أخبرنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه عبد الملك الأصمعي قال: قدم وفد على هشام بن عبد الملك وفيهم رجل من قريش يقال له إسماعيل بن أبي الجهم، وكان أكبرهم سناً؛ وأفضلهم رأياً وحكماً، فقام متوكئاً على عصا، فقال: يا أمير المؤمنين إن خطباء قريش قد قالت فأطنبت وأثنت عليك فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم قال: أفأوجز أم أطنب؟ قال: بل أوجز. قال: تولاك الله يا أمير المؤمنين بالحسنى وزينك بالتقوى، وجمع لك بين الآخرة والأولى، إن لي حوائج أفأذكرها؟ قال: نعم: قال: كبرت سني فضعفت قوتي، واشتدت حاجتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري، وينفي فقري فليفعل فقال: يا ابن الجهم، وما يجبر كسرك وينفي فقرك؟ قال: ألف دينار وألف دينار وألف دينار، قال: هيهات يا ابن أبي الجهم بيت المال لا يحتمل هذا، قال: كأنك آليت يا أمير المؤمنين أن لا تقضي لي حاجة في مقامي هذا، فقال هشام: فألف دينار لماذا؟ قال: أقضي بها ديناً قد حنا ظهري وأرهقني حمله. قال: نعم المسالك سلكتها، ديناً قضيت؛ وأمانة أديت، وألف دينار لماذا؟ قال: أزوج بها من أدرك من ولدي، فأشد بهم عضدي، ويكثر بهم عددي. قال: لا بأس غضضت طرفاً، وحصنت فرجاً، وأكثرت نسلاً، وألف دينار لماذا؟ قال: أشتري بها أرضاً فأعود بفضلها على ولدي، وبفضل فضلها على ذوي قربتي، قال: ولا بأس أردت ذخراً، ورجوت أجراً، ووصلت رحماً، قد أمرنا لك بها. قال: المحمود الله على ذلك، وجزاك الله يا أمير المؤمنين والرحم خيراً. فقال هشام: تالله ما رأيت رجلاً ألطف في سؤال، ولا أرفق في مقال منه، هكذا فليكن القرشي.

حكاية

حدث علقمة قال حدثني الفصل بن زياد قال: حدثني أبو زيد بن نوفل قال: سمعت محرز بن ناجية الرصافي يقول: كنت أحد من وقعت عليه التهمة في مال مصر أيام الواثق، فطلبني السلطان طلباً شديداً حتى ضاقت علي الرصافة وغيرها من المدن، فخرجت أريد البادية مرتاداً رجلاً عزيز الجار، منيع الدار، أعوذ به، وأنزل عليه، حتى انتهيت إلى بني شيبان، فرفع لي بيت مشرف بظهر رابية منيعة وبفنائه فرس مربوط، ورمح مركوز، يلمع سنانه، ومن تحته حلة عظيمة، فدنوت ونزلت عن الفرس وتقدمت فسلمت على أهل البيت فرد علي السلام نساء من وراء السجف، ثم تقدمن فرفعن خلل الستور بعيون كعيون أخشاف الظباء، ثم تكلمت إحداهن فقالت: اطمئن يا حضري فلنعم مناخ الصديق أنخت. فقلت: وأنى يأمن المطلوب ويأمن المرغوب دون أن يأوي إلى جبل يعصمه، أو معقل يمنعه، وقليلاً ما يهجع من السلطان طالبه، والخوف غالبه. قالت: يا حضري قد ترجم لسانك عن ذنب كبير وقلب صغير وأيم الله لقد حللت بفناء بيت لا يضام فيه أحد، ولا يجوع فيه كبد، ما دام لهذا الحي سند، هذا بيت الأسون بن قنان، أخواله الأراقم، وأعمامه شيبان، صعلوك الحي في ماله، وسيدهم في فعاله، له الجوار ووقود النار، وطلب الثار، لا ينازع ولا يقارع، وبهذا وصفته أمامة بنت الجلاح الكلبية حيث تقول:

إذا شئت أن تلقى فتىً لو وزنتهبكل معدي وكل يماني
للشاعر أمامة بنت خزرج، اقرأ القصيدة
وفي بهم حلماً وجوداً وسؤدداوبأساً فهذا الأسود بن قنان
فتىً كالفتاة البكر يشرق وجههكأن تلالي وجهه قمران
أغر أبر ابني نزار ويعربوأوثقهم عقداً بقول لسان
وأوفاهم عهداً وأطولهم يداًوأكرمهم فعلاً بكل مكان
وأضربهم بالسيف من دون جارهوأطعنهم من دونه بسنان
فتىً لا ترى بعمرك الدهر مثلهليوم نزال أو ليزم طعان
كأن العطايا والمنايا بكفهسحابان نهلان منهمان

قال: فقلت لها قد هدأت الروعة، وسكنت الوحشة، فمن لي به. قالت: يا جارية ادعي مولاك، فخرجت الجارية من مؤخر البيت فلم تلبث إلا قليلاً حتى جاءت وهو معها في جماعة من الحي، فنظرت فإذا بغلام شاب حين اخضر شاربه واختط عارضه وخشي جانبه، فقمت فسلمت فرد علي السلام ورحب وقرب، وقال: أي المنعمين علينا أنت، فسبقتني المرأة فقالت: يا أبا مرهف هذا رجل أحب جوارك، ورغب في قربك، نبت به أوطانه، وأزعجه سلطانه، وأوحشه زمانه، وقد ضمنا له عنك ما يضمن لمثله مثلك. فقال: بل الله فاك، وقال: اجلس فجلست وفي يدي يده. وأقبل على الجماعة بوجهه ثم قال: يا معشر بني أبي وذوي رحمي اشهدوا أن هذا الرجل في جواري وذمتي فمن أراده فقد أرادني، ومن كاده فقد كادني. ثم أمر فضرب لي بيت إلى جانب بيته، وأجرى علي ما أحتاج إليه. فلم أزل في جواره إلى أن هلك الواثق، وأنا عنده في أهنأ عيش، وأغبط نعم، فرحلت عنه وأنا من أشكر الناس له.

ذكر الأصمعي قال: كان لأبي حنيفة القاضي جار بالكوفة يغني، فكان إذا انصرف وقد سكر يغني وهو في غرفته فيسمعه أبو حنيفة فيعجبه وكان يكثر أن يغني هذا البيت من الشعر:

أضاعوني وأي فتىً أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمى ثغرا بخال عنبري»

فلقيه العسس ليلة فأخذوه وحبس، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة فسأل عنه من غد فأُخبر أنه حبس، فدعا بسواده وطويلته فلبسها وبكر إلى عيسى بن موسى وقال إن لي جاراً أخذه عسسك البارحة وحبس، وما علمت فيه إلا خيراً فقال عيسى بن موسى سلموا إلى أبي حنيفة كل من أخذه العسس الليلة فأُطلقوا جميعاً. فلما خرج الفتى دعا به أبو حنيفة ثم قال له سراً: ألست كنت تغني يا فتى كل ليلة: " أضاعوني وأي فتىً أضاعوا " فهل أضعناك؟ فقال: لا والله أيها القاضي، ولكن أحسنت وتكرمت أحسن الله جزاءك. قال: فعد إلى ما كنت تغنيه فإني آنس به ولم أر به بأساً قال له: أفعل.

حكاية

قسل جاء أعرابي إلى طلحة فسأله وتقرب إليه برحم. فقال: إن هذه الرحم ما سألني أحد بها قبلك، إن لي أرضاً قد أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف، فإن شئت فاقبضها وأ، شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فاختار الأرض فأمر بتسليمها.

حكاية

وفد عبد الله بن جعفر الطيار ﵄ على يزيد بن معاوية فقال له الخليفة: كم كان أمير المؤمنين يعطيك يعني أباه. قال: كان ﵀ يعطيني ألف ألفَ درهم قال " يزيد " قد أمرنا لك بمثل ذلك وزودناك لترحمك عليه ألفَ ألف فقال بأبي أنت وأمي، فجزاك الله عني خيراً فقال: ولهذه ألف ألفْ فقال: أما إني لا أقولها لأحد بعدك. قال: ولهذه ألفُ ألف. " قال ما يمنعني من الإطناب في وصفك إلا الإشفاق عليك من جودك قال: " ولهذه ألفُ ألف. وحمل المال كله معه. فقيل له: يا أمير المؤمنين فرقت مال المسلمين على رجل واحد. قال: إنما فرقته على أهل المدينة أجمعين. ثم وكل به من يعلم خبره من حيث لا ينظر، فصحبه. فلما دخل المدينة فرق فيها تلك الأموال حتى احتاج بعد شهر إلى القرض.

سأل عبد الملك بن مروان أسماء بن خارجة بلغني عنك خصال فحدثني بها قال: " يا أمير المؤمنين هي من غيري أحسن منها مني. قال: عزمت عليك إلا حدثتني بها فقال: يا أمير المؤمنين ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط، ولا صنعت طعاماً فدعوت إليه قوماً إلا كانوا بإجابتي أمن عليّ مني عليهم، ولا نصب لي رجل وجهه قط يسألني حاجة فاستكثرت شيئاً أعطيه إياه.

حكاية

وأخبر الفضل الضبي قال: وفد ابن المولى على يزيد بن حاتم المهلبي وقد مدحه بقصيدته التي يقول فيها:

يا واحد العرب الذيأضحى وليس له نظير
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
لو كان مثلك آخرما كان في الدنيا فقير
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا واحد العرب الذي»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع