من «المستجاد من فعلات الأجواد» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حكايا الأجواد (٦)
الصفحة ٢ من ٢
فدعا بخازنه وقال: كم في بيت المال؟ فقال: فيه من الورق والعين بقيمة عشرين ألف دينار، فقال له: ادفعها إليه، ثم قال له: يا أخير المعذرة إلى الله وإليك لو كان في ملكي أكثر من هذا لما احتجته.
حكاية
وروي عن لقيط قال: وقف موسى شهوات ليزيد بن خالد بن يزيد ابن معاوية على بابه بدمشق وكان فتى جواداً سمحاً فلما ركب وثب إليه وأخذ بعنان دابته وقال:
قم فصوت إذا أتيت دمشقاً:يا يزيد بن خالد بن يزيد
يا يزيد بن خالد إن تجبنييلقني طائري بنجم السعود
فأمر له بخمسة آلاف درهم وكسوة وقال له كلما شئت فنادنا فإنا نجيبك.
حكاية
وروي عن حكم الوادي قال: أدخلني عمر الوادي على يزيد وهو على حمار وعليه جبة وشي ورداء وشي وخفا وشي وفي يده عقد جوهر وفي كمه شيء لا أدري ما هو. فقال من غناني ما أشتهي فله ما في كمي وما علي وما معي وما تحتي يعني الحمار، فغنوه كلهم فلم يطرب. ثم قال لي: عن يا غلام فغنيت:
إكليلها ألوان، ووجهها فتانوخالها فريد، ليس له جيران
إذا مشت تثنى كأنها ثعبان
فطرب وأخرج ما في كمه فإذا كيس فيه ألف دينار فرمى به إلي مع عقد الجوهر. فلما دخل بعض إلي بالحمار وجميع ما كان عليه.
حكاية
وحدث إبراهيم بن خلف قال: بينا أبو دلف يسير مع أخيه معقل ابن عيسى وهما إذ ذاك بالعراق إذ مرا بقصر فأشرف منه جاريتان، فقالت إحداهما للأخرى هذا أبو دلف الذي يقول فيه الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلفولت الدنيا على أثره
فقال الأخرى: أو هذا هو؟ قد كنت والله أحب أن أراه، منذ سمعت ما قيل فيه، فالتفت أبو دلف إلى معقل فقال: ما أنصفنا علي بن جبلة ولا وفيناه حقه وإن ذلك لمن كبير همي وكان أعطاه ألف دينار.
حكاية
وحدث إبراهيم بن أحمد قال: قدم أمية بن أبي الصلت مكة على عبد الله بن جدعان، فلما دخل عليه قال له عبد الله: أمر ما جاء بك فقال أمية: كلاب غرمائي قد نبحتني ونهشتني فقال له عبد الله: قدمت علي وأنا عليل من ديون لزمتني، فأنظرني قليلاً يجم ما في يدي، وقد ضمنت قضاء دينك ولا أسأل عن مبلغه، فأقام أمية أياماً وأتاه فقال:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء؟
وعلمك بالأمور وأنت قرملك الحسب المهذب والثناء
كريم لا يغيره صباحعن الخلق الجميل ولا ماء
تباري الريح مكرمة وجوداًإذا ما الكلب أجحره الشتاء
إذا أثنى عليك المرء يوماًكفاه من تعرضه الثناء
إذا خلفت عبد الله فاعلمبأن القوم ليس لهم جزاء
فأرضك كل مكرمة بناهابنو تميم وأنت لها سماء
فأبرز فضله حقاً عليهمبرزت لناظرها السماء
وهل تخفى السماء على بصيروهل للشمس طالعة خفاء
فلما أنشده أمية هذه الأبيات كانت عنده قينتان فقال لأمية: خذ أيتهما شئت فأخذ إحداهما وانصرف. فمر بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها وقالوا لقد أجحفت به في انتزاعها منه فلو رددتها عليه، فإن الشيخ يحتاج إلى خدمتهما، لكان ذلك أقرب لك عنده وأكرم من كل حق ضمته لك فوقع الكلام من أمية موقعاً وندم، فرجع إليه ليردها عليه، فلما أتاه بها قال له ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشاً لاموك على أخذها، وقالوا لك كذا وكذا ووصف لأمية ما قال له القوم فقال أمية: والله ما أخطأت يا أبا زهير مما قالوا شيئاً. قال عبد الله: فما الذي قلت في ذلك؟ فقال أمية:
عطاؤك زين لامرئ إن حبوتهيبذل وما كل العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجههإليك كما بعض السؤال يشين
فقال له عبد الله خذ الأخرى، فأخذهما جميعاً وخرج، فلما صار إلى القوم بهما أنشأ يقول:
ذكر ابن جدعان بخ؟ير كلما ذكر الكرام
من لا يجور ولا يعقولا يبخله اللئام
يهب النجيبة والنجيبله الرجال والزمام
دخل يزيد بن معاوية على أبيه فوجده مطرقاً فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الأمر الذي أشجاك؟ قال: أمر أمرضني وأقلقني منذ اليوم، وما أدري ما اعمل فيه قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الفاسق أبو دهبل كتب إلى أختك عاتكة بهذه الأبيات:
أعاتك هلا إذ بخلت فلم تريلذي صبوة زلفى لديك ولا حقا
رددت فؤاداً قد تولى به الهوىوسكنت عيناً لا تمل ولا ترقا
ولكن خلعت القلب بالوعد والمنىولم أر يوماً منك جوداً ولا صدقاً
فواكبدي إذ ليس لي منك مجلسفأشكو الذي بي من هواك وما ألقى
وأكبر همي أن أرى منك مرسلاًوطول النهار جالس أرقب الطرقا
رأيتك تزدادين للصب غلظةويزداد قلبي كل يوم لكم عشقاً
فلم تزل باكية منذ اليوم قد أفسدها الخبيث فما ترى فيه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين إن الشأن فيه لهين قال: وما هو؟ قال: عبد من عبيدك يكمن له في بعض أزقة مكة فيريحنا منه. فقال معاوية: أُفٍ لك، والله إن امرءاً يريد بك ما يريد ويسمو بك إلى ما يسمو لغير ذي رأي.، فأنت قد ضاق ذرعك بكلمة، وقصر فيها باعك، حتى أردت أن تقتل فيها رجلاً من قريش. أو ما تعلم أنك إن فعلت ذلك صدقت قوله وجعلتنا أحدوثة أبداً. قال: يا أمير المؤمنين إنه قال قصيدة أخرى تناشدها أهل مكة وسارت حتى بلغتني فأوجعتني وحملتني على ما أشرت فيه قال: وما هي قال:
حمى الملك الجبار في لقاءهافمن دونها تخشى المتالف والقتل
فلا خير في حب يخاف وبالهولا في حبيب لا يكون له وصل
فواكبدي إني سهرت بحبهاولم تك فيما بيننا ساعة بذل
ويا عجباً إني أُكاتم حبهاوقد شاع حتى قطعت دونها السبل
فقال معاوية: قد والله رفهت عني فما كنت آمن أن يكون وصل إليها، فإما وهو يشكو أنه لم يكن بينهما وصل ولا بذل فالخطب أيسر علي، قم عني واكتم ما كان. فقام يزيد وانصرف. وحج معاوية في تلك السنة، فلما انقضت أيام الحج كتب أسماء وجوه قريش وأشرافهم وكتب فيهم اسم أبي دَهْبَل، ثم دعاهم ففرق في جميعهم الصلات السنية، وأجازهم الجوائز الكثيرة فلما قبض أبو دهبل جائزته وقام لينصرف، دعا معاوية إليه فقال له: يا أبا دهبل مالي أرى أبا خالد يزيد بن أمير المؤمنين عليك ساخطاً في قوارص ثابتة عنك، وشعر لا تزال قد نطفقت به وأُنفذ إلى خصمائنا وموالينا؟ لا تعرض لأبي خالد، فجعل أبو دهبل يعتذر إليه ويحلف أنه مكذوب عليه. فقال له معاوية: لا بأس عليم وما يضرك هذا عندنا، هل تأهلت؟ قال: لا. قال: فأي بنات عمك أحب إليك قال: فلانة. قال: قد زوجكها أمير المؤمنين وأصدقها عنك ألفي دينار وأمر لك بألف دينار. فلما قبض قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفو لي عما مضى فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق مني فقد أبحت به دمي وفلانة التي زوجنيها أمير المؤمنين طالق البتة. فسرّ بذلك معاوية، وضمن له أن يرضي يزيد عنه، ووعده بإدرار ما وصله به كل سنة وانصرف إلى دمشق، ولم يحج معاوية في تلك السنة إلا من أجل أبي دهبل.
خرج عمر بن الخطاب ﵁ يطوف ليلة بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً، فمر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها وهي تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبهوأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا لا شيء غيرهلزعزع من هذا السرير جوانبه
وبت إلا هي غير بدع منعماًلطيف الحشا لا يحتويه مصاحبه
يلاعبني فوق الحشايا وتارةيعاتبني في حبه وأعاتبه
ولكنني أخشى رقيباً موكلاًبأنفسنا لا يستريح مراقبه
ثم تنفست الصعداء وقالت: أهان علي بن أبي طالب وحشتي في بيتي وغيبة زوجي عني؟ فقال عمر: يرحمك الله وأين زوجك؟ فقالت له: في بعث كذا، فكتب في الوقت بقفوله عليها وبعث إليها بنفقة وكسوة.
حكاية
كان لسليمان بن عبد الملك مؤذن يؤذنه في قصره بأوقات الصلاة، فجاءته جارية له مولدة فقالت: يا أمير المؤمنين إن فلاناً المؤذن إذا مررت به لم يقلع بصره عني، وكان سليمان أشد الناس غيرة، فهم إن يأمر بالمؤذن. ثم قال تزيني وتطيبي وامضي إليه فقولي له إنه لم يخف عني نظرك إلي، وبقلبي منك أكثر مما بقلبك مني، فإن تكن لك حاجة فقد أمكنك مني ما تريد، وهذا أمير المؤمنين غافل، فإن لم تبادر وإلا لم أرجع إليك أبداً. فمضت إلى المؤذن وقالت له ما قال لها، فرفع طرفه إلى السماء وقال: يا جليل أين سترك الجميل، ثم قال: اذهبي ولا ترجعي، فعسى أن يكون الملتقى بين يدي من لا يخيب الظن. فرجعت إلى سليمان وأخبرته الخبر فأرسل إليه. فلما دخل على سليمان قال له الحاجب: إن أمير المؤمنين رأى أن يهب لك فلانة ويحمل إليك معها خمسين ألف درهم تنفقها عليها، قال: هيهات يا أمير المؤمنين إني والله ذبحت طمعي منها من أول لحظة رأيتها، وجعلتها ذخيرة لي عند الله، وأنا أستحي أن أسترجع شيئاً ادخرته عنده. فجهد به سليمان أن يأخذ المال والجارية فلم يفعل، فكان يعجب منه، ولا يزال يحدث أصحابه بحديثه.
؟ حكاية
حكي عن المأمون أنه قال: حججت فلما صرت بصور أحببت أن أدخل دير المجانين فأرى من فيه منهم، فدخلت فرأيت فيهم شاباً حسن الوجه، نظيف الثوب، فسلمت عليه فقال: هل تحسن النحو؟ قلت: أحسن منه ما أصلح به لساني. قال: فهل تروي الشعر؟ قلت: نعم، قال فأنشدني فأنشدته لأبي العتاهية:
أذاب الهوى جسمي ولحمي وقوتيفلم يبق إلا الروح والجسد النضو
رأيت الهوى جمر الغضا غير أنهعلى كل حال عند صاحبه حلو
فخر مغشياً عليه، فسألته عن قصته فعرفت أنه من بني تميم هوي ابنة عم له وهويته، فسعي بينهما حتى نزعت منه فوسوسا جميعاً. وها هي في الدير الآخر، فمضيت حتى دخلت عليها فلما رأتني تنفست الصعداء ثم قالت: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون فسألتني من أين أقبلت؟ فقلت: من الدير وعرفتها حال الفتى فبكت ثم قالت:
أما والذي لو شاء لم يخلق النوىلئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
يوهمنيك الشوق حتى كأننيأناجيك عن قرب وما أنت في قربي
قال فدعا المأمون وأمر بعلاجهما فعولجا حتى برئا وزوج الفتى من ابنة عمه وأجرى عليهما ما يصلحهما وكانا في جملة حاشيته حتى مات.
؟
عتب عبد الله بن طاهر على بعض كتابه فسجنه في مقصورة. فأشرفت عليه جارية لعبد الله كانت حظية عنده فنظرت إلى الفتى وكان أديباً ووافقت نظرة منه إليها. فوقع في قلبها محبة شديدة وعالجت الصبر عنه فلم تقدر عليه. فأخذت رقعة فكتبت فيها:
أيها الزاني بعينيه وفي الطرف حتوف
إن ترد وصلاً فقدأمكنك الظبي الألوف
ثم دلت إليه الرقعة بخيط، فلما قرأها كتب فيها:
إن تريني رانيالعينين فالقلب عفيف
ليس إلا النظر الفاتك والعقل ظريف
فلما رأته الجارية يكتب في الرقعة جواباً فرحت ولم تشك أنه فيها أرغب. فلما رفعت الرقعة وقرأتها ساءها رده فقلبتها وكتبت في ظهرها:
قد أردناك على أنتجتلي ظبياً ألوفا
فأبيت الآن لازلت لقيديك حليفاً
ثم دلتها فلما قرأها كتب فيها:
ما تركت الظبي إنيكنت للظبي عنيفا
غير أني خفت رباًلم يزل براً رؤوفا
فرفعت الرقة فلما رأتها ساءها ذلك فأومأت بها لتجعلها في جيبها فجعلتها بين ثوبها وهي لا تدري. فدخلت مقصورتها، وجاء عبد الله ماشياً في سطح قصره فمر بالرقعة فتناولها فعرف خط الجارية وخط الفتى، فحجب من عفته وصبره عنها على حسنها وجمالها، وكانت من أعز جواريه عليه فدخل عليها فوجدها مكتئبة حزينة. فقال: ما هذه الرقعة يا فلانة؟. قالت: أعز الله الأمير هي ما رأيت. قال لها: فالله عليك شاهد أنه لأحب إليك مني قالت: إي والله. قال: فأمر الفتى ففكت قيوده وكساه وأجازه وقال له: خذ هذه الجارية بجميع ما يحويه ملكها ثواباً لعفتك وتقاك وخوفك الله تعالى، ورفع مرتبته من كتابه، ولم يزل مكرماً له.
؟؟ حكاية
قال الهيثم بن عدي كان يزيد بن قرة الشيباني شديداً منيعاً، وكان يرى رأي الخوارج، ولم يكن يخشى عمال العراق، فغاظ ذلك الحجاج وبلغ منه فكتب إلى عبد الملك يخبره بذلك فكتب إليه عبد الملك احتل له فإن قدرت عليه فاضرب عنقه. فدعا الحجاج يزيد بن رويم وجرير بن يزيد فأكرمهما وأدناهما وقال ليزيد لك شرط العراق ولجرير ديوان الخراج إن أتيتماني بيزيد بن قرة. فركبا إليه فقالا له: إن الأمير قد غضب عليك وإنا نخاف أن ينال غضبه جميع أهلك فاركب إليه. قال: لا أفعل إنه إن نظر إلي قتلني، قالوا له: ما هو فاعل ولابد لك أن تركب معنا. فأتى معهما وتهيأ للقتل وخرج نساؤه معه. فلما دخل على الحجاج قال له: أنت يزيد بن قرة؟ قال نعم. قال: قتلني الله إن لم أقتلك، قال نشدتك الله أن تقتلني فإني قيّم أربع وعشرين امرأة ليس فيهن رجل غيري ولا لهن قيم سواي. قال: ومن يعلم ذلك؟ قال هن بالباب. فأمر بإدخالهن وكل واحدة منهن تقول اقتلني ودعه. فيقول من أنت؟ فتقول عمته أو خالته أو بنته أو بنت أخ أو بنت أخت حتى اجتمعن بين يديه. فقالت أخته:
أحجاج هبه اليوم لله وحدهوللباكيات الصارخات تفجعا
أحجاج إما أن تمن بنعمةعليه وإما أن تقتلنا معا
أحجاج كم تُفجِع به إن قتلتهثماني عشر واثنتيت وأربعا
أحجاج لو تسمع بكاء نسائهوعماته يفدينه الليل أجمعا
فرق لها الحجاج وبكى وحبسه وكتب في أمره إلى عبد الملك يصف ما جرى. فكتب إليه أُعف عنه وأَلحق عياله في العطاء ففعل.
؟ حكاية
قيل لأبي عقيل البليغ: كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة؟ قال: رأيت رغبته في الإنعام فوق رغبته في الشكر، وحاجته إلى قضاء الحاجة أشد من حاجة صاحب الحاجة.
؟؟ حكاية
لقي أبو دلامة أبو دلف في مصادله وهو والي العراق فأخذ بعنان فرسه وأنشد:
إني حلفت لئن رأيتك سالماًبقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمدولتملأن دراهماً حجري
فقال: أما الصلاة على النبي محمد فصلى الله عليه وسلم. وأما الدراهم فلا. قال له: جعلت فداك لا تفرق بينهما بالذي أسأله أن لا يفرق بينك وبين النبي ﷺ. قال: فاستسلفها أبو دلف وصبت في حجره حتى أثقلته.
الشيباني قال: نظر زياد إلى رجل من ضبة يأكل أكلاً قبيحاً، وهو أقبح الناس وجهاً. فقال له: يا أخا ضبة كم عيالك؟ قال: سبع بنات أنا أجمل منهن وهن آكل مني. فقال زياد: لله دره ما ألطف سؤاله. افرضوا لكل واحدة منهن مائة وخادماً، وعجلوا له ولهن بأرزاقهم. فخرج الضبي وهو يقول:
إذا كنت مرتاد السماحة والندىفبادر زياداً أو أخاً لزياد
يجيبك امرؤ يعطي على الحمد مالهإذا ظن بالمعروف كل جواد
وما لي لا أثني عليه وإنماطريقي من معروفه وتلادي
حكاية
أتى رجل معن بن زائدة يستحمله فقال: يا غلام أعطه فرساً وبرذوناً وبغلاً وعيراً وبعرياً وجارية ولو عرفت مركوباً غير هؤلاء أعطيتك.
حكاية
كتب رجل من العلماء إلى يزيد بن حاتم يستوصله فبعث إليه بثلاثين ألفاً وكتب إليه: أما بعد فقد بعثت إليك بثلاثين ألفاً ولا أكثرها امتناناً ولا أقللها تجبراً ولا أستثنيك عليها ثناءً ولا أقطع لك بها رجاءً والسلام.
حكاية
بينما خالد بن عبد الله القسري في مطلة له إذ نظر إلى أعرابي يخب به بعيره فقال لحاجبه: إذا قدم فلا تجبه. فلما قدم أدخله عليه فسلم وقال:
أصلحك الله قلَّ ما بيديفما أطيق العيال إذ كثروا
ألحَّ دهرٌ رمى بكلكلهفأرسلوني إليك وانتظروا
فقال خالد: أرسلوك وانتظروا والله لأسيرك حتى تنصرف إليهم بما يسرهم وأمر له بجائزة عظيمة وكسوة شريفة.
حكاية
قال أبو عبيدة اجتمعت وفود العرب عند النعمان بن المنذر فأخرج إليهم بُردي محرق. وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليلبسها فقام عامر ابن أحيم السعدي فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له النعمان: لم أنت أعز العرب؟ فقال: العز والعد من العرب في معد ثم في نزار ثم في تميم ثم في كعب ثم في عوف ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني. فسكت الناس فقال النعمان: هذه حالتك في قومك فكيف أنت في نفسك وأهل بيتك؟ فقال أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة وأما في نفسي فهذا شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض وقال: أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل فلم يقم إليه أحد فذهب بالبردين.
حكاية
وذكر القخذمي وابن عائشة وخالد بن جمل أن ابن أبي عتيق صار إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ﵃ وعبد الله بن جعفر وجماعة من قريش فقال لهم: إن لي حاجة إلى رجل أخشى أن يردني فيها وإني أستعين بجاهكم وأموالكم فيها عليه فقالوا له: ذلك مبذول لك منا، فاجتمعوا ليوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى روج لبنى. فلما رآهم أعظم مصيرهم إليه وأكبرهم فقالوا: قد جئناك بأجمعنا في حاجة ابن أبي عتيق فقال: هي مقضية كائنة ما كانت. فقال ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت كم أهل أو مال أو ملك؟ قال: نعم. قال: تهب لهم ولي روجتك لبنى وتطلقها. قال فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثاً، فاستحى القوم واعتذروا وقالوا: والله ما عرفنا حاجته ولو عرفنا أنها هذه ما سألناك إياها. فعوضه الحسن من ذلك مائة ألف درهم وحملها ابن أبي عتيق إليه. فلم تزل عنده حتى انقضت عدتها فتسأل القوم أباها وزوجها قيساً ولم تزل معه حتى مات. فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق:
جزى الرحمن أفضل ما يجازيعلى الإحسان خيراً من صديق
فقد جربت إخواني جميعاًفما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدعورأي حدث فيه عن الطريق
وأطفى لوعة كانت بقلبيأغصتني حرارتها بريقي
فقال له ابن أبي عتيق: يا حبيبي أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوّاداً.
حكاية
وذكر حماد بن إسحاق قال: حدثني أبي قال: صرت إلى سُرَّ من رأى بعد قدومي من الحج فدخلت إلى الواثق فقال: بأي شيء أطرفتني من حديث الأعراب وأشعارهم. فقلت: يا أمير المؤمنين جلس إلي فتى من الأعراب في بعض المنازل فرأيت منه أحلى ما رأيت من القتيان منظراً وحديثاً وظرفاً وأدباً فاستنشدته فأنشدني:
سقى العلم الفرد الذي في ظلالهغزالان مكتنان مؤتلفان
إذا أنما التفا بجيدي تواصلوطرفاهما للريب مسترقان
أرعتهما ختلاً فلم أستطعهماورمياً ففاتاني وقد قتلاني
ثم تنفس تنفساً ظننت أنه قد تقطعت حيازمه فقلت ما لك بأبي أنت؟ فقال: إن وراء هذين الجبلين " شجىً لي " وقد حيل بيني وبين المرور بهذه البلاد وهدروا دمي وإنما أتمتع بالنظر إلى الجبلين تعللاً بهما إذا قدم الحجاج ثم يحال بيني وبين ذلك. فقلت له: زدني مما قلت في ذلك، فأنشدني:
إذا ما وردت الماء في بعض أهلهحضور فعرض بي كأنك مازح
فإن سألت عني حضور فقل لهابه غير من دائه وهو صالح
فأمر الواثق فكتبت له الشعرين فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا في أحد الشعرين لحناً فاسمعه فإن ارتضيته أظهرناه وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحته. فغني لنا " فيه " من وراء الستارة. فكان في نهاية الجودة وكذلك كان يفعل إذا صنع شيئاً. فقلت له: أحسن والله صانعه يا أمير المؤمنين ما شاء الله. فقال: بحياتي، فقلت: وحياتك، وحلفت له بما وثق به، فأمر لي برطل فشربته. ثم أخذ العود وتغناه ثلاث مرات وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم. فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع أيضاً عندنا في الشعر الآخر وأمر فغني به، فكانت حالي فيه مثل الحال في الأول. ثم غناه لما استحسنه وحلفت له على جودته ثلاث مرات وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم. ثم قال: هل قضيت حق هديتك فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأطال الله بقاك، وتمم نعمتك، ولا أفقدنيها منك ربك. ثم قال: لكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي ولا سألتني معرفته، وقد سبقت " منه " مسألتك، وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز، وأمرته بإحضاره وخطبه المرأة، وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالنا، فقبلت يده وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولى بها من غيرك.
أذن معاوية بن أبي سفيان للناس يوماً فوقف له فتىً من الأعراب فحدر اللثام وأنشأ يقول:
معاوي يا ذا الحلم والعلم والعقلويا ذا الندى والجود والمجد والفضل
أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكيفبالله لا تقطع رجائي من العدل
وخذ لي بأنصافي من الجائر الذيرماني بسهم كان أهونه قتلي
وهم بقتلي غير أن منيتيتنائت ولم أستكمل الرزق من أكلي
فقال معاوية: ما خطبك؟ فقال: جعلني الله فداك أنا رجل من أهل البصرة تزوجت ابنه عم لي وكنت لها عاشقاً، وكانت معجبة بي، فوقع بيني وبين أبيها ما يقع بين الأختان من الكلام فحجبها عني، فأخذني من ذلك ما لا يعلمه إلا الله. فأتيت عاملك ابن أم الحكم فشكوت إليه بعض ما أجد، فرق لي فبعث إليها وإلى أبيها فأتى بهما. فلما نظرا إليها أعجبته فأمر بي فحبست من غير أن يسمع منها ولا من أبيها، ثم بعث إليّ أن طلقها فأبيت، فعذبني بأنواع العذاب، فلما خشيت التلف طلقتها. فيا غياث المكروب هل من حيلة فقد أذهلني الحزن وأسهرني القلق. فقال معاوية: والله ما رأيت كاليوم قط، ثم دعا بدواة وقرطاس وقال: اكتب إليه يا غلام وأكد عليه في البعثة بها لميعاد، وكتب في أسفل الكتاب:
أُعطي آلهي عهداً لا أكفرهوأبرأ اليوم من ديني وإيماني
إن أنت خالفتني فيما كتبت بهلأجعلنك لحماً بين عقباني
فحمل الرسل الكتاب وانطلقوا ودخلوا عليه فلما قرأه تنفس الصعداء، ثم أعاد قراءته ثم تنفس الصعداء، ثم قال: لوددت أن معاوية تركها عندي سنة ثم عرضني على السيف. وأمرها فتجهزت، وأمر للرسل بثلاثين ألف درهم وقال: إن خيّرك معاوية فاختاريني. فقالت: أقول ما يجري الله على لساني. وكتب كتاباً إلى معاوية يقول في أسفله.
لا تحنثن أمير المؤمنين فقدأوفيت نذرك في رفق وإمكان
وقد أتيت بوجه لا شبيه لهفيما يرى الناس من أنس ومن جان
فاعذر فإنك لو أبصرت صورتهالقلت ما هذه تمثال إنسان
فخرج الرسل حتى قدموا على معاوية والعذري مقيم، فلما نظر إليها معاوية أعجبته، وقال للأعرابي: ويحك هل من صبر عنها مع جليل العوض منها؟ قال: لا والله، ولو فرق بين جسدي ورأسي، وأنشأ يقول:
لا تجعلني والأمثال تضرب بيكالمستجير من الرمضاء بالنار
واللهِ والله لا فارقتها أبداًحتى أوسد في تراب وأحجار
فغضب معاوية فقال: اختاري إن شئت الأعرابي، وإن شئت ابن أم الحكم، وإن شئت أنا، فقبضت على يد الأعرابي وقالت:
هذا وإن أصبح في أطماريأكرم عندي من أبي وجاري
وصاحب الدرهم والديناروالأمر والنهي مع الأكبار
أخاف إن فعلت حر النار
فأمرها معاوية أن تعتد، فلما اعتدت زوجها الأعرابي وأمر لها بألف دينار لجهازها، وللفتى بألف دينار، ورده إلى البصرة.
قال المؤلف ﵀: فهذه مائة وخمسون خبراً من أحسن ما يسطر وأفخر ما يذكر وينشر. وقد ذيلت ذلك ب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع