من «المستجاد من فعلات الأجواد» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حكايا الأجواد (٢)
الصفحة ١ من ٢
حكاية
قال القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي حدثني أبو الفرج الأصبهاني من حفظه قال: قرأت في بعض أخبار الأوائل أن الاسكندر لما انتهى إلى الصين ونازل ملكها، أتاه حاجبه، وقد مضى من الليل شطره فقال له: رسول ملك الصين بالباب يستأذن عليك فقال: ائذن له، فلما دخل وقف بين يديه وسلم، وقال: إن رأى الملك أن يخليني فليفعل، فأمر الاسكندر من بحضرته بالانصراف وبقي حاجبه فقال له الرسول: إن الذي جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك، فأمر بتفتيشه ففتش، فلم يوجد معه شيء من السلاح، فوضع الاسكندر بين يديه سيفاً مجرداً وقال له: قف مكانك وقل ما شئت، ثم أخرج كل من كان عنده، فلما خلا المكان قال له الرسول: إني ملك الصين لا رسوله، وقد حضرت أسألك عما تريده مني، فإن كان مما يمكن الانقياد إليه، ولو على أصعب الوجوه أجبت إليه، وغنيت أنا وإياك عن الحرب، فقال له لاسكندر: وما أمنك مني؟ قال: علمي بأنك رجل عاقل، وإنه ليس بيننا عداوة متقدمة، ولا مطالبة بذحل، وإنك تعلم أن أهل الصين إن قتلتني لا يسلمون ملكهم إليك، ولا يمنعهم عدمهم إياي أن ينصبوا نفسهم ملكاً غيري، ثم تنسب أنت إلى عين الجهل وضد الحزم.
فأطرق الاسكندر مفكراً في مقالته، وعلم أنه رجل عاقل. ثم قال له: الذي أريده منك ارتفاع ملكك لثلاث سنين عاجلاً، ونصف ارتفاعه في كل سنة، فقال: هل غير ذلك شيء؟ قال: لا، قال: قد أجبتك. قال: فكيف تكون حالك حينئذ؟ قال: أكون قتيل أول محارب، وأكلة أول مفترس قال: وإن قنعت منك بارتفاع سنتين كيف يكون حالك؟ قال: أصلح مما يكون إذا لزمت بما تقدم ذكره. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنة واحدة، قال: يكون ذلك مجحفاً بملكي ومذهباً لجميع لذاتي: قال: فإن اقتصرت منك على السدس. قال: يكون السدس موفراً والباقي لجيشي ولأسباب الملك، قال: فقد اقتصرت منك على هذا فشكره وانصرف. فلما أصبح وطلعت الشمس أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض، وأحاط بجيش الاسكندر حتى خافوا الهلكة، وتواثب أصحابه فركبوا واستعدوا للحرب، فبينا هم كذلك إذ ظهر ملك الصين وعليه التاج، فلما رأى الاسكندر ترجل، فقال له الاسكندر: أغدرت؟ قال: لا والله. قال: فما هذا الجيش؟ قال: أردت أن أعلمك أني لم أطعك من قلة ولا ضعف، ولأن ترى الجيش وما غاب عنك منه أكثر، لكني رأيت العالم الأثير مقبلاً عليك ممكناً لك، فعلمت أنه من حارب العالم الأثير غلب، فأردت طاعته بطاعتك، والذلة لأمره بالذلة لك، فقال الاسكندر: ليس مثلك من يؤخذ منه شيء، فما رأيت بيني وبينك أحداً يستحق التفضيل والوصف بالعقل غيرك، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك، وأنا منصرف عنك، فقال ملك الصين: أما إذا فعلت ذلك فلست تخسر، فلما انصرف الاسكندر أتبعه ملك الصين من الهدايا والألطاف بضعف ما كان قرره معه.
حدث نمير الهلالي قال: كان من فتيان بني هلال فتى يقال له بشر بن عبد الله ويعرف بالأشتر، وكان من سادات بني هلال أحسنهم وجهاً، وأسخاهم كفاً، وكان معجباً بجارية من قومه تدعى جيداء وكانت بارعة الجمال والكمال، ثم اشتهر أمره وأمرها وظهر خبرهما، ووقع الشر بين أهلهما، إلى أن كانت بين الفريقين دماء، ثم افترقوا وابتعدت منازلهم. قال نمير: فلما طال على الأشتر الفراق، وتمادى به البعد، جاءني فقال: يا نمير هل من خير؟ قلت: عندي، فقل ما أحببت فقال: تساعدني على زيارة جيداء، فقد أذهب الشوق روحي، قلت: نعم، بالحب والكرامة، فانهض بنا إذا شئت، فركب وركبت معه وسرنا يومنا وليلتنا العشاء والغد، حتى إذا كان العشاء أنخنا رواحلنا في شعب قريب من الفريق، فقال: يا نمير اذهب فتأنس بالناس، واذكر إن لقيت أحداً انك طالب ضالة، ولا تعرض بذكري بين شفة ولسان، إلا أن تلقى جاريتها فلانة راعية غنمهم فاقرأها مني السلام وسلها عن الخبر، واعلمها موضعي. قال نمير: فخرجت لا أعدو ما أمرني به حتى لقيت الجارية، فأبلغتها الرسالة وأعلمتها مكانه، وسألتها عن الخبر، فقالت هي والله مشدد عليها محتفظ بها، ولكن موعدكم أولئك الشحرات اللواتي عند أعقاب البيوت مع صلاة العشاء الآخرة. قال: فانصرفت إلى صاحبي فأعلمته الخبر، ثم نهضت أنا وإياه نقود رواحلنا حتى أتينا الموزن في الوقت الموعود، فلم نلبث إلا قليلاً وإذا جيداء تمشي قريباً منأً، فوثب الأشتر فصافحها وسلم عيها، وقمت أنا مولياً عنهما فقالا: نقسم عليك ألا رجعت، فوالله ما نحن في مكروه، ولا بيننا ما يستر عنك، فرجعت إليهما فجلست معهما. فقال لها الأشتر ما فيك حيلة يا جيداء فتتعلل الليلة. قالت: لا والله ما لي إلى ذلك من سبيل إلا أن يرجع الذي عرفت من البلاء والشر، فقال لها لا بد من ذلك، ولو كان ما عسى أن يكون؛ قالت: فهل في صاحبك هذا من خير؟ قلت: قولي ما بدا لك، فإني أنتهي إلى رأيك، ولو كان في ذلك ذهاب نفسي. فخلعت ثيابها فقالت لي: البسها وأعطني ثيابك، ففعلت، ثم قالت، اذهب إلى بيتي فادخل في ستري فإن زوجي سيأتيك فيطلب منك القدح ليحلب فيه، ثم يأتيك بعد فراغه من الحلب والقدح ملآن فيقول: هاك غبوقك، فلا تأخذه منه حتى تطيل ذلك عليه، ثم خذه أو دعه حتى يضعه ويذهب، ولست تراه إن شاء الله تعالى. قال: فذهبت ففعلت ما أمرتني به، حتى إذا جاء بالقدح فلم آخذه منه حتى طال نكدي عليه، ثم اهويت لآخذه منه فأهوى هو ليضعه فاختلفت أيدينا على الإناء فانفك وانهرق اللبن فقال: هذا الطماح جيداء، وضرب بيده على مقدم البيت فاستخرج سوطاً ملوياً مثل الثعبان، ثم دخل فهتك الستر علي وأمتع السوط مني تمام عشرين سوطاً ثم جاءت أمه وأخته فانتزعاني من يده، ولا والله ما فعلتا ذلك حتى زال عقلي وهممت أن أوجره السكين وإن كان فيها الموت، فلما خرجوا شددت ستري وقعدت كما كنت، فلم ألبث إلا قليلاً حتى دخلت أم جيداء، فكلمتني وهي لا تشك أني ابنتها، واندفعت في البكاء والنحيب فتغطيت بثوبي، ووليتها ظهري، فقالت: يا بنية اتق الله في نفسك، ولا تعرضي لمكروه زوجك، فذلك أولى بك، وأما الأشتر فقد هلك آخر الدهر وخرجت من عندي وقالت: سأرسل إليك أختك تؤنسك الليلة، فلبثت غير كثير، وإذا بالجارية قد جاءت، فجعلت تبكي وتدعو على من ضربني، وأنا لا أكلمها ثم اضجعت إلى جنبي، فلما استمكنت منها شددت يدي على فيها وقلت: يا هذه تلك أختك مع الأشتر عند الشجرات، وقد قطع ظهري الليلة بسببها، وأنت أولى بالستر عليها، فاختاري لنفسك ولها، فوالله لئن تكلمت بكلمة لأصيحن أنا بجهدي حتى تكون الفضيحة شاملة، ثم رفعت يدي عن فيها، فاهتزت كما تهتز القصبة، فلم أزل بها حتى أنست، فباتت والله معي أحسن رفيق رافقته قط، ولم نزل نتحدث وتضحك مني ومما نالني، وتمكنت منها تمكن من لو رام ريبة قدر عليها، ولكن الله عصم فله الحمد، ولم نزل كذلك حتى برق الفجر، وإذا جيداء قد دخلت علينا، فلما رأتنا ارتاءت وقالت: ويحك من هذه؟ قلت: أختك قالت: وما الخبر؟ قلت: هي تخبرك فإنها نعم الأخت، وأخذت ثيابي ومضيت إلى صاحبي فركبت أنا وهو، وحدثته ما أصابني، وكشفت له عن ظهري، فإذا فيه ضرب رمى الله ضاربه بالنار الصيعلم كل ضربة يخرج منها الدم، فلما رأى ذلك قال: قد عظم صنيعك، ووجب شكرك، وطالت يدك
فلا حرمني الله مكافأتك، ولم يزل لي شاكراً معترفاً.
حدث عبد الرحمن بن عمر الفهري عن رجال سماهم قال: أمر المأمون أن يحمل إليه من أهل البصرة عشرة كانوا قد رموا بالزندقة عنده فحملوا، فبينما أحد الطفيليين يرتاد إذ رآهم مجتمعين يمضي بهم إلى الساحل للمسير إلى بغداد، فقال: ما اجتمع هؤلاء إلا لوليمة، فانسل معهم ودخل في جملتهم، ومضى بهم الموكلون إلى البحر، فأطلعوهم في زورق قد أعد لهم، فقال الطفيلي: لا شك إنها نزهة فصعد معهم في الزورق، فلم يكن بأسرع من ان قيد القوم وقيد الطفيلي معهم، فعلم أنه قد وقع في ورطة، ورام الخلاص فلم يقدر، ثم دفع الملاح وساروا إلى أن وصلوا بغداد، وحملوا حتى أدخلوا على المأمون، فأمر بضرب أعناقهم، فاستدعوا بأسمائهم رجلاً رجلاً، فكل من دعا سأله وأمر بضرب عنقه، حتى لم إلا الطفيلي، وفرغت العدة، فقال المأمون للموكلين بهم: ما هذا؟ قالوا: والله، ما ندري يا أمير المؤمنين، غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به فقال المأمون ما قضيتك ويلك؟ فقال يا أمير المؤمنين امرأته طالق إن كان يعرف من أقوالهم شيئاً، ولا يعرف غير لا إله إلا الله محمد رسول الله وأنا إنما رأيتهم مجتمعين فظننت أنهم يدعون إلى وليمة أو دعوة فالتحقت بهم، فضحك المأمون ثم قال: بلغ من شؤم التطفل أن أحل صاحبه هذا المحل، لقد سلم هذا الجاهل من الموت، ولكن يؤدب حتى يتوب.
قال: وإبراهيم بن المهدي حاضر يومئذ، فقال: يا أمير المؤمنين هبه لي وأحدثك بحديث عن نفسي في التطفيل عجيب، قال: وهبته له فهات حديثك، فقاتل: يا أمير المؤمنين خرجت يوماً متنكراً أنظر إلى سكك بغداد فاستهواني التفرج وانتهى بي المشي إلى جناح شممت فيه روائح طعام وأبازير قد فاحت، فتاقت نفسي إليها ووقفت يا أمير المؤمنين لا أقدر على المضي، فرفعت بصري فإذا شباك، وإذا خله كف ومعصم ما رأيت أحسن منه، فوقفت حائراً، ونسيت روائح الطعام بذلك الكف والمعصم، وأخذت في أعمال الحيلة إلى الوصول إليه، فنظرت وإذا خياط قريب من ذلك الموضع، فتقدمت إليه وسلمت عليه، فرد علي فقلت: يا سيدي لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من البزازين. قلت: ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان قلت: أهو ممن يشرب الخمر قال: نعم، وأحسب أن اليوم عنده دعوة وليس ينادم إلا تجاراً مثله مستورين. وبيننا نحن في الكلام إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان، فقال هؤلاء ندماؤه، فقلت: ما اسماهما وما كناهما، فقيل فلان وفلان، فحركت دابتي فلحقتهما، فقلت جعلت فداكما قد استبطأكما أبو فلان أعزه الله، وسايرتهما حتى أتينا الباب، فدخلت ودخلا، فلما رآني صاحب المنزل معهما لم يشك أني منهما بسبيل، فرحب بي وأجلسني في أفضل المواضع، ثم جيء بالمائدة، ونقلت إليها الألوان، فكان طعمها يا أمير المؤمنين أطيب وألذ من ريحها. فقلت في نفسي هذه الألوان قد من الله علي ببلوغ الغرض منها، بقي الكف والمعصم، ثم جيء بالوضوء فغسلنا، ثم نقلنا إلى مجلس المنادمة، فإذا أشكل مجلس وأظرفه في سائر أموره وجعل صاحب المنزل يلطف بي ويقبل علي في الحديث لظنه أني ضيف لأضيافه، وهم لي على مثل ذلك يظنون أن إكرامه لي عن معرفة متقدمة وصداقة. حتى إذا شربنا أقداحاً فخرجت علينا جارية كأنها غصن بان في غاية الظرف وحسن الهيئة، فسلمت غير خجلة، وثنيت لها وسادة فجلست عليها، وأتي بعود فأخذت وجسته أحسن جس فإذا هي حاذقة واندفعت فغنت:
توهمها طرفي فأصبح خدهاوفي مكان الوهم من نظري أثر
ومر بفكري شخصها فجرحتهولم أر شخصاً قبل يجرحه الفكر
وصافحها كفي فآلم كفهافمن لمس كفي في أناملها عقر
ثم اندفعت فغنت أيضاً:
أشرت إليها هل عرفت مودتي؟فردت بطرف العين: أني على العهد
فحدث عن الاظهار عمداً لسرهاوحادت عن الإظهار أيضاً على عمد
فصحت السلاح السلاح، وجاءني من الطرب ما لم أملك معه نفسي، فطرب القوم أيضاً طرباً شديداً. ثم غنت:
أليس عجيباً أن بيتاً يضمنيوإياك لا نخلو ولا نتكلم
سوى أعين تبدي سرائر أنفسوتقطيع أنفاس على النار تضرم
إشارة أفواه، وغمز حاجب،وتكسير أجفان، وكف تسلم
فحسدتها والله يا أمير المؤمنين على حذقها ومعرفتها بالغناء وإصابتها معنى الشعر، لأنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأت به، فقلت: قد بقي عليك يا جارية شيء فرمت بالعود، وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء، فندمت على ما كان مني، ورأيت القوم كأنهم تنكروا لي، فقلت في نفسي: فإنني جميع ما أملت أن لم أتلاف قصتي، فقلت: أثم عود؟ قالوا: نعم فأتيت بعود مليح الصنعة، فأصلحت ما أردت فيه، ثم اندفعت فغنيت:
ما للمنازل لا تجبن حزيناًأصممن أم قدم البلا فبلينا
إن الذين غدوا بلبك غادرواوشلاً بعينك ما يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن ليماذا لقيت من الهوى ولقينا
راحوا العشية روحة مذكورةإن حرن خرنا أو هدين هدينا "
ورموا بهن سواهما عرض الفلاإن متن متن وإن حيين حيينا
فما استتمته يا أمير المؤمنين حتى وثبت الجارية فأكبت على رجلي تقبلهما وتقول: معذرة إليك يا سيدي، والله ما علمت مكانك، وما سمعت مثل هذه الصنعة من أحد، وقام مولاها وجميع من كان حاضراً فصنعوا كصنيعها، ثم زاد القوم في إكرامي وتبجيلي فطربوا غاية الطرب، وشربوا بالكاسات والطاسات، فلما رأيت طربهم اندفعت فغنيت:
أفي الله أن تمسين لا تذكريننيوقد سجمت عيناني من ذكرك الدما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتيلها عل مني وتبذل علقما
فردي مصاب القلب أنت قتلتهولا تتركيه ذاهل العقل مغرما
إلى الله اشكوانها أجنبيةوالتي لها بالود ما عشت مكرما
فرأيت من طرب القوم شيئاً حسبت أنهم فارقوا عقولهم، فأمسكت ساعة حتى راجعوا أمرهم وهدأت نفوسهم، ثم اندفعت فغنيت:
هذا محبك مطوي على كمدهصب مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرحمن راحتهمما به، ويد أخرى على كبده
يا من رأى كلفاً، مستهتراً دنفاًكانت منيته في عينه ويده
فجعلت الجارية تصيح: هذا والله الغناء لا ما نحن فيه، وشرب القوم وبقي في صاحب المنزل مسكة لجودة شربه، فسكر القوم وغلبوا على أرواحهم، فأمر غلمانه بحفظهم وإيصالهم إلى منازلهم، فانصرفوا وخلوت معه، وشرب أقداحاً، ثم قال: يا سيدي ذهب ما مضى من عمري هدراً إذ لم أعرف مثلك، ولم أحاضر رئيساً يشبهك، فبالله يا مولاي من أنت لأعرف نديمي؟ فأخذت أوري عليه، وهو يقسم علي إلى أن أعلمته من أنا على الحقيقة، فوثب قائماً على قدميه وقال: لقد عجبت أن يكون هذا الفضل إلا لمثلك، ولقد أسدى إلي الزمان يداً لا أقوم بشكرها، ومتى طمعت بأن تزورني الخلافة في منزلي، وتنادمني ليلتي أجمع! ما هذا إلا في المنام، فلا أتممت ليلتي إلا قائماً بين يديك، إذ كنت أحقر من أن أجالس الخلافة، فأقسمت عليه أن اجلس فجلس، ثم أخذ يسألني: ما السبب في حضوري عنده، بألطف سؤال وأرق معنى، فأخبرته يا أمير المؤمنين القصة من أولها إلى آخرها وما سترت منها شيئاً، ثم قلت: أما الطعام فقد نلت منه بغيتي، فقال: والكف والمعصم تنال إن شاء الله، ثم قال: يا فلانة قولي لفلانة، جارية له، تنزل، ثم جعل يستدعي واحدة واحدة يعرضها علي، وأنا لا أرى صاحبتي: إلى أن قال: والله ما بقي غير أمي وأختي، ووالله لينزلن، فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداك أبدأ بالأخت قبل الأم، فإني أحتشم أن أنظر إلى كف والدتك قال: حباً وكرامة، ثم نزلت أخته فأراني كفها فإذا هي التي رأيتها فقلت: حسبك، هذه الجارية، فأمر غلمانه لوقته باستدعاء عشرة مشايخ سماهم، ثم قام فأخرج بدرتين فيهما عشرون ألف درهم، وحضر المشايخ فقال لهم: هذا سيدي إبراهيم بن المهدي يخطب إلي أختي فلانة، وأشهدكم أني قد زوجتها له، وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم، فقلت: قد رضيت وقبلت النكاح، فشهدوا علينا، ثم دفع البدرة الواحدة إلى أخته، والأخرى فرقها على المشايخ، ثم قال: أعذرونا فهو ما حضر على مثل هذه الحال، فشكروا ودعوا له وانصرفوا ثم قال: يا سيدي أمهد لك مهداً في بعض البيوت فتنام مع أهلك؟ فاحشمني ما رأيت من كرمه، وتذممت أن أخلوا بها في داره، فقلت: بل أحضر عمارية فاحملها إلى منزلي فقال: ما شئت، فأحضرت عمارية وحملتها إلى منزلي، فوحقك يا أمير المؤمنين، لقد حمل إلي من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا على سعتها، فأولدتها هذا الغلام القائم بين يدي أمير المؤمنين.
فعجب المأمون من كرم هذا الرجل فقال: لله دره ما سمعت قط بمثلها فعلة، ثم أطلق الطفيلي وأجازه، وأمر إبراهيم بإحضار الرجل ليشاهده، فأحضر بين يديه فاستنطقه فأعجب به وصار من جملة خواصه ومحاضريه.
حكي عن بعض أهل العلم قال: كان يجلس إلي شيخ، فأي شيء تكلمت فيه من العلوم بكى، حتى طال ذلك علي فقلت له يوماً وقد خلونا: أراك ملازماً مجلسي ثم لا تسأل عن شيء، ولا أزال أراك باكياً فما حالك؟ قال: نعم يا سيدي، كنت رجلاً أشتري الغلمان وأبيعهم لأجل الفائدة، فوقع إلي دفعة غلام وضئ الوجه، كامل الخلقة، وكان صغيراً فابتعته بثلاثمائة دينار، وزينته وهيأته لمن يرغب في ابتياعه، فعبر بنا ذات يوم غلام شاب حسن الوجه، فلما رأى الغلام نزل عن دابته وقال: هذا الغلام للبيع؟ قلت: نعم، فقلب الغلام واستعرضه، وقال له: ما اسمك وما جنسك وما الذي تحسن أن عمل، فأخبره ثم قال لي: بكم هو فقلت: بألف دينار، فغمز يد الغلام نغزة ثم انصرف، فنظرت في يد الغلام صرة، فاعتبرتها فإذا فيها مائة دينار، فقلت له: أتعرف الرجل؟ فقال: لا، فلما كان من الغد جاء ففعل كفعله بالأمس، فلما كان في اليوم الثالث جاء ففعل كفعله في اليومين المتقدمين، فقلت في نفسي: ما وهب هذا لهذا ثلاثمائة دينار إلا وهو يهواه، وليس يقدر على ما ذكرته له من الثمن. فتبعته حتى عرفت مكانه، فلما كان العشاء أمرت الغلام بلبس أفخر ثيابه وطيبته وزينته، وقلت له: إن هذا الرجل قد صار إلينا منه مثل ثمنك، وقد عزمت على حملك إليه فكن له طوعاً، وأعلمني بما يجري به معه، وصرت به إلى منزل الرجل بعد صلاة العشاء الآخرة، فنقرت الباب نقرات، فخرج وفتح الباب، فلما رآنا بهت ثم استرجع وقال: ما الذي جاء بكما؟ فقلت: إن هذا الغلام قد قلبته على بعض ملوك البغداديين الساعة ولم ينفصل له أمر معه، وأخاف عليه الطائف فببته لي عندك إلى الغداة، فقال: أدخل فبت معه إلى بكرة فقلت: لا أتمكن من ذلك فدعه عندك، وإياك أن يخرج من بيتك وحكمك إلى أن آتيك باكراً، وانصرفت وأوبت إلى فراشي، مفكراً في أمره، وإذا الغلام قد أتى مذعوراً يبكي فقلت له: ما وراءك؟ قال لي: مات الرجل الساعة، فقلت: ويحك وكيف كان ذلك؟ قال: دخلت معه فاحضر لي طعاماً فأكلت وغسلت يدي وطيبني ثم جاء فوضع إصبعه السبابة على خدي ثم قال: أشهد أنك لحسن، وما تدعوني إليه نفسي منك لقبيح، وما أوعد الله عليه من العقوبة أقبح وأشد، ثم استرجع، ثم وضع إصبعه على خدي أيضاً ثم قال: أشهد أنك لحسن، وما وعد الله عليها من الخير والثواب أحسن وأحسن، ثم سقط فحركته فإذا هو قد مات. قال الشيخ: فأنا أبكي على ذلك الشاب وظرفه وحسنه وعفته إلى أن أموت.
قال أبو الفرج الأصبهاني: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدايني عن أبي بكر الهذلي قال: لما أطلق عمر بن الخطاب ﵁ الحطيئة من حبسه قال له: يا أمير المؤمنين أكتب لي كتاباً إلى علقمة بن علاثة أقصده به، فقد منعني التكسب بشعري، فقال: لا أفعل، فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما عليك من ذلك، علقمة ليس بعاملك فتخشى أن تأثم فيه، وإنما هو رجل من المسلمين تشفع له إليه. فكتب له بما أراد، فمضى الحطيئة بالكتاب فصادف علقمة قد مات، والناس ينصرفون عن قبره، فوقف عليه ثم أنشد:
لعمري لنعم المرء من آل جعفربحوران أمسى علقته الحبائل
فإن تحيي لا أملل وإن تمتفما في حياة بعد موتك طائل
وما كان بيني، لو لقيتك سالماً،وبين الغنى إلا ليال قلائل
فقال له ابنه: كم ظننت أن علقمة يعطيك؟ قال: مائة ناقة فقال: لك مائة ناقة تتبعها مائة من أولادها، فأعطاه إياها.
حكاية
وقال أبو الفرج أيضاً: أخبرني أبو زيد قال أخبرني عمي عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه قال: أخبرني شيخ من بني نبهان قال: أصابت بني شيبان سنة ذهبت بالأموال، فخرج رجل منهم بعياله، حتى أنزلهم الحيرة فقال لهم: كونوا قريباً من الملك يصبكم من خيره، حتى أرجع إليكم وآلى على نفسه ألية ألا يرجع حتى يكسبهم خيراً أو يموت، فتزود زاداً، ثم مشى يوماً إلى الليل، فإذا هو بمهر مقيد يدور حول خباء فقال: هذا أول الغنيمة فذهب يحله ويركبه، فنودي خل عنه واغنم نفسك، فتركه ومضى سبعة أيام حتى انتهى إلى عطن إبل مع تطفيل الشمس، فإذا خباء عظيم وقبة من أدم قال: فقلت في نفسي ما لهذا الخباء بد من أهل، وما لهذه القبة بد من رب، وما لهذا العطن بد من إبل، فنظرت في الخباء فإذا شيخ كبير قد اختلفت ترقوتاه كأنه نسر، فجلست خلفه مختبئاً، فلما وجبت الشمس إذا بفارس قد أقبل لم أر فارساً قط أعظم منه ولا أجسم، على فرس مشترف ومعه أسودان يمشيان بجنبيه، وإذا مائة من الإبل مع فحلها فبرك الفحل وبركن حوله، ونزل عن فرسه فقال لأحد عبديه: احلب فلانة ثم اسقي الشيخ، فحلب في عس حتى ملأه ووضعه بين يدي الشيخ، وتنحى فكرع فيه الشيخ مرة أو مرتين ثم نزع فثرت إليه فشربته فرجع إليه العبد فقال: يا مولاي قد أتى على آخره، ففرح بذلك، وقال له أحلب له فلانة فحلبها ثم وضع العس بين يدي الشيخ فكرع فيه كرعة واحدة، ثم نزع فثرت إليه فشربت نصفه وكرهت أن آتي على آخره فاتهم. فجاء العبد فأخذه وقال لمولاه: قد شرب وروي قال: دعه ثم أمر بشاة فذبحت وشوى للشيخ منها ثم أكل هو وعبدانه فأمهلت حتى إذا ناموا وسمعت الغطيط ثرت إلى الفحل فحللت عقاله وركبته، فاندفع بي وتبعته الإبل، فمشيت ليلتي حتى الصباح. فلما أصبحت نظرت فلم أر أحداً فشللتها حينئذ شلاً عنيفاً حتى تعالى النهار، ثم التفت التفاتة فإذا أنا بشيء كأنه طائر فما زال يدنو مني حتى تبينته فإذا هو فارس على فرس، وإذا هو صاحبي بالأمس، فعقلت الفحل، ونثلت كنانتي ووقفت بينه وبين الإبل، فوقف بعيداً فقال: أحلل عقاله فقلت: كلا والله لقد خلفت نسيات بالحيرة وآليت ألية ألا أرجع حتى أفيدهن خيراً أو أموت، قال: فنك ميت، حل عقاله لا أم لك فقلت: هو ما قلت لك، قال: انك لمغرور، انصب لي خطامه واجعل لي منه خمس عجر ففعلت فقال: أين تحب أن أضع سمهي فقلت: في هذا الموضع، فكأنما وضعه فيه بيده، ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمس بخمسة أسهم، فرددت نبلي في كنانتي، وحططت قوسي، ووقفت مستسلماً فدنا مني فأخذ السيف والقوس ثم قال: ارتدف خلفي وعرف أني الذي رشبت عنده اللبن فقال: كيف ظنك بي؟ فقلت أحسن ظن، قال: وكيف؟ قلت: لما لقيت من تعب ليلتك، وقد أظفرك الله بي. فقال: أترانا كنا نهجيك بسوء وقد بت تنادم مهلهلاً، قلت: أزيد الخيل أنت؟ قال: نعم، أنا زيد الخيل، قلت: كن خير آخذ، قال: ليس عليك بأس. فمضى إلى موضعه الذي كان به، ثم قال: أما لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إليك، ولكنها لابنة مهلهل فأقم علي فإني على شرف فأقمت عنده أياماً ثم أغار على بني نمير بالملح فأصاب مائة بعير فقال: أهذه أحب إليك أم تلك؟ فقلت: بل هذه قال: دونكها وبعث معي خبراء من ماء إلى ماء حتى وردوا الحيرة، فلقيني نبطي فقال: يا أعرابي ابسرك أن لك بإبلك هذه بستاناً من هذه البساتين قلت: وكيف؟ قال: هذا أوان نبي يخرج فيملك هذه الأرض، ويحول بين أربابها وبينها، حتى إن أحدكم ليبتاع البستان بثمن بعير، قال: فارتحلت بأهلي حتى انتهيت إلى موضع، فبينا نحن بالشطين على ماء لنا وقد كان الحوفزان بن شريك أرغا على بني تميم، إذ جاءنا رسول الله ﷺ فأسلمنا، وما مضت إلا أيام حتى اشتريت بثمن بعير من إبلي بستاناً بالحيرة.
وقال أيضاً أخبرني محمد بن الحسين بن دريد قال: أخبرنا الحرماني عن العباس بن هشام عن أبيه: قال عتب بنت عفيف وهي أم حاتم الطائي ذات يسار، وكانت من اسخى الناس وأقراهم للضيف، وكانت لا تليق شيئاً تملكه، فلما رأى أخوتها إتلافها مالها حجروا عليها ومنعوها مالها، فمكثت دهراً لا يدفع إليها شيء منه، حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها صرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من مازن وكانت تأتيها في كل سنة تسألها فقالت لها: دونك هذه الصرمة فخذيها فوالله لقد أمضني من الجوع ما لا أمنع بعده سائلاً أبداً، ثم أنشأت تقول:
لعمري لقد ما عضني الجوع عضةفآليت ألا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفنيفإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا
فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكمسوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
وهل ما ترون اليوم إلا طبيعةفكيف بتركي يا ابن أم الطبائعا
وحدث الهيثم بن عدي وقيل القاسم بن عدي عمن حدثه عن ملخان بن " أخي " ماوية امرأة حاتم قال: قلت لماوية: يا عمتاه حدثيني ببعض عجائب حاتم فقلت: كل أمره عجب فعن أيه تسأل؟ قلت: حدثيني ما شئت قالت: أصابت الناس سنة فأذهبت الخف والظلف فإني وإياه ذات ليلة قد اسهرنا الجوع، فأخذ هو عدياً وأخذت سفانة وجعلنا نعللنهما حتى ناما، ثم اقبل علي يعللني بالحديث لكي أنام، فرققت لما به من الجهد، فأمسكت عن كلامه لينام، فقال: لي أنمت؟ مراراً فلم أجبه، فسكت ونظر وشق الخباء فإذا بشيء قد أقبل فرفع رأسه فإذا امرأة فقال: من هذا؟ فقالت: أنا يا أبا سفانة أتيتك من عند صبية يتعاوون كالذئاب جوعاً، فقال: أحضريني صبيانك فوالله لأشبعنهم قالت: فقمت سريعة فقلت: بماذا يا حاتم؟ فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعلل فقال: والله لأشبعن صبيانك مع صبيانها، فلما جاءت قام إلى فرسه فذبحها، ثم قدح ناراً فأججها، ثم دفع إليها شفرة وقال: اشوي وكلي، ثم قال لي: أيقظي صبيتك فأيقظتهما ثم قال: إن هذا للؤم تأكلون واهل الصرم حالهم مثل حالكم، فجعل يأتي الصرم بيتاً بيتاً فيقول: انهضوا؛ عليكم النار، قال فاجتمعوا حول تلك الفرس، وتقنع بكسائه وجلس ناحية. فما أصبحوا ومن الفرس على الأرض قليل ولا كثير إلا عظم وحافر، وإنه لأشد جوعاً منهم وما ذاقه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع