من «المستجاد من فعلات الأجواد» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حكايا الأجواد (٣)
الصفحة ١ من ٢
حدث سليمان بن وهب قال: لما نكبني الواثق قال لمحمد بن عبد الملك الزيات: عذب سليمان وضيق عليه، وصادره وطالبه بالأموال. قال سليمان " فألبسني جبة صوف وقيدني وضيق علي، وكان يحضرني في دار الواثق ويخاطبني أغلظ مخاطبة ويهددني ويعاملني أقبح معاملة وأشنعها، ويكتب المخبرون بذلك إلى الواثق فيعجبه، فإذا كان الليل أمر محمد بن عبد الملك بنزع قيودي وتغيير ثيابي، ويطرح لي مصلى ويأنس بي ويأكل ويشرب معي، ويشاورني في أموره، ويفضي إلي بأسراره، فإذا كان وقت انصرافي عنه ضرب بيده على كتفي وقال: يا أبا أيوب هذا حق المودة، وذاك حق السلطان، لا تنكر هذا ولا تنكر ذاك، فأشكر له فعله فإذا كان في غد عدنا إلى ما كنا عليه كأنا ما تعارفنا.
حكاية
حدث حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت إلى الفضل بين الربيع وقد بلغ الرشيد يحي بن عبد الله بن الحسن وقد كان أمره بقتله فلم يظهر له أنه بلغه إطلاقه إياه، وسأله عن خبره على قتله؟ فقال: لا، فقال له: أين هو، قال: أطلقته، قال: ولم؟ قال: لأنه سألني بحق الله تعالى ورسوله وقرابته منه ومنك، وحلف لي أنه لا يحدث حدثاً، وإنه يجيئني متى طلبته، فأطرق ساعة ثم قال له: امض بنفسك في طلبه حتى تجيئني به وأخرج الساعة، فخرج. قال إسحاق: فدخلت إليه مهنئاً بالسلامة، فقلت له: ما رأيت أثبت من جأشك ولا أصح من رأيك فيما جرى وأنت والله كما قال أشجع:
بديهته وفكرته سواءإذا ما نابه الخطب الكبير
وأحزم ما يكون الدهر رأياًإذا عيي المشاور والمشير
وصدر فيه للهم اتساعإذا ضاقت من الهم الصدور
فقال الفضل: انظروا كم أعطي أشجع على هذه القصيدة فاحملوا إلى أبي محمد مثله. قال فوجد قد أخذ ثلاثين ألف درهم فحملت إلي.
قال أبو الفرج الأصبهاني: حدثني بن محمد بن الجعد ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا محمد بن زكريا العلاني قال: حدثنا ابن عائشة قال: حج هشام بن عبد الملك في خلافة الوليد أخيه ومعه أهل الشام فجهد أن يستلم الحجر فلم يقدر من ازدحام الناس، فنصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى الناس، فأقبل زين العابدين علي بن الحسين ﵄، وهو أحسن الناس وجهاً، وأنظفهم ثوباً؛ وأطيبهم رائحة، فطاف بالبيت فلما بلغ الحجر تنحى الناس كلهم له وأخلوا الجحر ليستلمه، هيبة له وإجلالاً، فغاظ ذلك هشاماً وبلغ منه، فقال رجل لهشام: من هذا أصلح الله الأمير؟ قال: لا أعرفه، وكان به عارفاً، ولكنه خاف أن يرغب فيه أهل الشام ويسمعوا منه. فقال الفرزدق، وكان لذلك كله حاضراً: أنا أعرفه فسلني يا شامي من هو، قال: ومن هو؟ قال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهمهذا التقي النفي الطاهر العلم
" بكفه خيزران ريحه عبقبكف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابتهوما يكلم إلا حين يبتسم "
إذا رأته قريش قال قائلها:إلى مكارم هذا ينسب الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
فليس قولك من هذا بضائرهالعرب تعرف من أنكرت والعجم
أي الخلائق ليست في رقابهملأولية هذا أو له نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذافالدين من بيت هذا ناله الأمم
فحبسه هشام فقال الفرزدق:
أيحبسني بين المدينة والتيإليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأس سيدوعيناً له حولاء تبدو عيوبها
فبعث هشام إليه فأخرجه خشية لسانه. ووجه إليه علي بن الحسين عشرة آلاف درهم وقال أعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر منها لوصلناك به فردها وقال: ما قلت ما كان إلا لله، وما كنت لأرزأك عليه شيئاً، فقال له علي بن الحسين: قد رأى الله مكانك فشكرك، ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئاً ما نرجع فيه، وأقسم عليه فقبلها.
حكاية
حدث أحمد بن يحيى المكي " قال كان إسحاق الموصلي يكثر مديح البرامكة ويطنب في الثناء عليهم، فحضر ذات يوم مجلس الفضل بن الربيع فأجرى ذكر البرامكة، وكان يغيظ الفضل ويبلغ منه كل مبلغ، فقال بعض من حضر لإسحاق: أما تنفك من ذكر هؤلاء القوم وتقلع عن ذلك، ولك في الثناء على الوزير ما تبلغ به عنده أعلى الرتب، وتحل من نفسه عليه أرفع محل، فأمسك الفضل عن الكلام إعجاباً بما خوطب به إسحاق. فقال اسحق: أما البرامكة وملازمتي لهم وحبي فيهم وثنائي عليهم فأشهر من أن أجحده، وذلك والله أقل ما يستحقونه مني، ثم أقبل على الفضل وقد أغاظه مدحه لهم. فقال له: اسمع مني شيئاً مما فعلوه بي، ليس هو بكبير من صنائعهم عندي ولا عند أبي قبلي، فإن وجهت لي في ذلك عذراً وإلا فلم.
كنت في ابتداء أمري نازلاً مع أبي في داره، وكان لا يزال يجري من غلماني وغلمانه وجواري وجواريه الخصومة، كما يجري بين هذه الطبقات، فيشكونهم إليه، فأتبين الضجر والتنكر في وجهه، فاستأجرت داراً بقربه وانتقلت إليها أنا وجواري وغلماني. وكانت داراً واسعة فلم أرض ما عندي من الآلة لها، ولا لمن يدخل إلي من أخواني أن يروا مثله عندي. ففكرت في ذلك وكيف أصنع فيه فزاد فكري إلى أن خطر ببالي قبح الأحدوثة من نزول مثلي في دار بأجرة، وإني لا آمن في وقت أن يستأذن علي وعندي من احتشمه ولا يعلم حالي، فيقال: صاحب دارك يطلب أجرة الدار فضاق بذلك صدري ضيقاً شديداً حتى جاوز الحد فأمرت غلماني أن يسرجوا لي حماراً كان عندي لأمضي إلى الصحراء أتفرج فيها مما دخل قلبي فأسرج لي، ولبست رداء ونعلاً وركبت، فأفضى بي المسير وأنا مفكر لا أميز الطريق التي أسلك فيها حتى هجم بي على باب يحيى بن خالد فوثب غلمانه إلي وقالوا أين هذه الطريق؟ فقلت: إلى الوزير أعزه الله، فاستأذنوا لي في الدخول فدخلت، وبقيت خجلاً، قد وقعت في أمرين قبيحين، إن دخلت عليه برداء ونعل، وأعلمته أني قصدته في تلك الحال كان سوء أدب، وإن قلت له أني كنت مجازاً ولم أقصدك فجعلتك طريقاً كان قبيحاً، ثم عزمت على صدقه، فلما رآني تبسم فقال: ما هذا الزي يا أبا محمد احتسبنا لك بالبر والقصد والتفقد ثم علمنا أنك جعلتنا طريقاً فقلت: لا والله أيد الله الوزير ولكني أصدقك قال: هات، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فقال: هذا حق مستو " كذا " افهذا شغل قلبك؟ قلت: إي والله، وزاد فقال: لا تشغل قلبك بهذا، يا غلام ردوا حماره وهاتوا له خلعة، فجاءوني بخلعة تامة من ثيابه فلبستها، ودعا بالطعام فأكلت، ووضع النبيذ فشربت وشرب وغنيته، ودعا في وسط ذلك بدواة وكتب أربع رقاع ظننت أن بعضها توقيع لي بجائزة، ثم دعا بعض وكلائه فدفع إليه الرقاع، وساره بشيء، فزاد طمعي في الجائزة، ومضى الرجل وجلسنا نشرب وأنا أنتظر فلا أرى شيئاً إلا الغنيمة. ثم اتكأ يحيى بن خالد فنام، وقمت من عنده وأنا منكسر خائب، فخرجت فقدم إلي حماري فركبته وسرت، فلما تجاوزت الدار قال لي غلامي: إلى أين تمضي؟ قلت: إلى الدار، قال: قد والله بيعت الدار وابتيع الدرب كله، وأشهد على أصحابها، ووزن الثمن، والمشتري جالس على بابك ينتظرك ليعرفك وأظنه ابتاع ذلك للسلطان، لأني رأيت الأمر في عجلته واستحثاثه أمراً سلطانياً، فوقعت من ذلك في أمر لم يكن في حسابي، وسرت وأنا لا أدري ما أعمل، فلما نزلت على باب داري إذا بالوكيل الذي ساره يحيى قد قام إلي فقال: أدخل أيدك الله دارك، حتى أدخل في أمر أحتاج فيه إلى مخاطبتك، فطابت نفسي فدخلت ودخل إلي فأقراني توقيع يحيى يطلق لأبي محمد إسحاق مائة ألف درهم يبتاع بها داره، وجميع ما يجاورها ويلاصقها، والتوقيع الثاني إلى ابنه الفضل ":قد أمرت لأبي إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع بها داره، فأطلق له مائة ألف أخرى لينفقها على إصلاح الدار كما يريد وبنائها كما يشتهي " والتوقيع الثالث إلى ابنه جعفر " قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف يبتاع له بها منزلاً يسكنه، وأمر له أخوك بمائة ألف درهم ينفقها على بنائها ومرمتها على ما يريده: فأطلق له مائة ألف درهم ليبتاع له بها فرشاً لمنزله " والتوقيع الرابع إلى محمد " قد أمرت وأخواك لأبي محمد إسحاق بثلاثمائة ألف درهم لمنزل يبتاعه، ونفقة ينفقها عليه، وفرش يتبدله فيه فمر له أنت بمائة ألف درهم يصرفها في سائر نفقته " وقال لي الوكيل: قد حملت المال واشتريت كل شيء جاورك بسبعين ألف درهم وهذه الكتب بالابتياعات باسمي والإقرار لك، وهذا المال، بورك لك فيه، فأقبضه فقبضته، وأصبحت أحسن حالاً من أبي في منزلي وسائر فرشي وآلتي فلا والله ما هذا من أكبر شيء فعلوه بي أفألام على شكرهم؟
قيل تذاكر جلساء معاوية بحضرته يوماً أشراف الناس وذوي الوجاهة والبيوت الجليلة، والحسين بن علي ﵄ حاضر، فقال معاوية من تعرفون أكرم الناس أباً وأماً وجداً وجدةً وعماً وعمةً وخالاً وخالةً؟ فقالوا: أمير المؤمنين أعلم، فأخذ بيد الحسين بن علي ﵄ وقال: هذا أبوه علي بن أبي طالب وأمه فاطمة بنت محمد وجده رسول الله وجدته خديجة وعمه جعفر بن أبي طالب، وعمته هالة بنت أبي طالب، وخاله القاسم ابن رسول الله، وخالته زينب بنت محمد. فقال كلهم: صدق أمير المؤمنين.
قال أبو الفرج الأصبهاني في كتابه: أخبرني أحمد بن عبيد الله ابن عمار قال: حدثنا سليمان بن ابي شيخ قال: حدثنا محمد بن الحكم عن عوانة أن عبيد الله بن أبي بكرة كتب إلى يزيد بن أبي ربيعة بن مفرغ أني قد توجهت إلى سجستان فالحق بي لعلك إن أقدمت على ألا تندم ولا تذم رأيك، فتجهز ابن مفرغ وخرج حتى أتى إلى سجستان ممسياً فدخل عليه فشغله بالحديث، وأمر له بمنزل وفرش وخدم، وجعل يطاوله حتى علم أنه قد استتم ما أمر له به، ثم صرفه إلى المنزل الذي هيئ له، ثم دعا به في اليوم الثاني فقال له: يا ابن مفرغ انك قد تجشمت إلي شقة بعيدة، وقم أتسع لك الأمل، فرحلت إلي لأقضي عنك دينك، ولأغنيك عن الناس، وقلت: أبو حاتم بسجستان قمن لي بالغنى بعده فقال: والله ما أخطأت أيها الأمير مما كان في نفسي شيئاً فقال عبيد الله: أما والله لأفعلن ذلك، ولأقلن لبثك عندي، ولأحسنن صلتك، فأمر له بمائة ألف درهم ومائة وصيفة ومائة نجيبة، وأمر له بما ينفقه إلى أن يبلغ بلده سوى المائة ألف، وبمن يكفيه الخدمة من غلمانه ومواليه، وقال له: إن من خفة السفر أن لا تهتم بخف ولا حافر، فكان مقامه عنده سبعة أيام، ثم ارتحل وشيعه عبيد الله بن أبي بكرة إلى قرية على أربعة فراسخ يقال لها زالق، ثم قال له: يا ابن مفرغ أنه ينبغي للمودع أن ينصرف وللمتكلم أن يسكت، وأنا من قد عرفت، فانفق على الأمل، وحسن ظنك بي ورجاءك في وإذا بدا لك أن تعود فعد والسلام ثم صار ابن مفرغ حتى الأهواز فرجعت عنه رسل عبيد الله، وقالوا: قد بلغنا حيث أمرنا قال: أجل، ثم أمر أناهيد بنت أعنق، امرأة كان يهواها، أن تفتح الباب، وقال لها كل ما دخل دارك فهو لك، وأقام بالأهواز ودعا ندماء كانوا له من فتيان العرب، فلم يبق ظريف ولا مغن إلا أتاه، واستماحه جماعة قصدوه من أهل البصرة والكوفة والشام فأعطاهم، ولم يفارق اناهيد ومعه شيء من المال، وجعل القوم يسألونه عن عبيد الله بن أبي بكرة وكيف هو وأخلاقه " وجوده " فقال:
يسائلني أهل العراق عن الندىفقلت عبيد الله حلف المكارم
فتى حاتمي في سجستان رحلهوحسبك جوداً أن يكون كحاتم
سما لينال المكرمات فنالهابشدة ضرغام وبذل الدراهم
وحلم إذا ماسورة الحرب أطلقتحبا القوم عند الفادح المتفاقم
وإن له في كل حي صنيعةيحدثها الركبان أهل المواسم
دعاني إليه جوده ووفاؤهومن دون مسراه عداة الأعاجم
فلم أثو إلا جمعة في جوارهويومين حلا من ألية آثم
إلى أن دعاني زانة الله بالعلىفأنبت من راشي مهيض القوادم
وقال إذا ما شئت يا ابن مفرغفعد عودة ليست كأضغاث حالم
فقلت له: لا يبعد الله داره،أعود إذا ما جئتكم غير حاشم
وأحمدت وردي إذ وردت حياضهوكل كريم نهزة للأكارم
" فأصبح لا يرجو العراق وأهلهسواء لنفع أو لدفع العظائم "
وإن عبيد الله هيأ رفدهسراحاً وأعطى خيره غير عاقم
حكاية
وقال أبو الفرج أيضاً: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب ابن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا القخذمي وقال: لزم يزيد بن مفرغ غرماؤه بدين فقال لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير عيسى إلى أن يخرج الأشراف فيروني، فيقضوا عني ديني، فانطلقوا به، فكان أول من خرج اما عمر بن عبيد الله بن معمر، واما طلحة الطلحات، فلما رآه قال: أبا عثمان ما أقعدك ههنا؟ قال: غرمائي هؤلاء لزموني بدين لهم علي قال: وكم هو؟ قال سبعون ألفاً قال: علي منها عشرة آلاف درهم، ثم خرج الآخر على الأثر فسأله عما سأله صاحبه فقال: هل خرج أحد قبلي؟ قالوا: نعم فلان، قال: فما صنع؟ قال: ضمن عشرة آلاف درهم فقال علي مثلها، وجعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك، حتى ضمنوا أربعين ألفاً وكان يأمل عبيد الله بن أبي بكرة فلم يخرج حتى غربت الشمس فخرج مبادراً فلم يره حتى كاد يبلغ بيته فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ملزوماً، وقد مر به الأشراف فضمنوا عنه، قال: واسوأتاه إني لخائف أن يظن بي أني تغافلت عنه، فكر راجعاً فوجده قاعداً فقال له: أبا عثمان ما يجلسك ها هنا؟ قال: غرمائي هؤلاء يلزمونني قال: وكم عليك؟ قال: سبعون ألفاً، قال: وكم ضمن عنك قال: أربعون ألفاً. قال: فاستمتع بها وعلي دينك أجمع فقال فيه:
لو شئت لم تعني ولم تنصبعشت بأسباب أبي حاتم
عشت بأسباب الجواد الذيلا يختم الأموال بالخاتم
من كف بهلول له عدةما ان لمن عاداه من عاصم
المطعم الناس إذا حاردتنكباؤها في الزمن العارم
والفاصل الخطة يوم اللحاللأمر عند الكربة اللازم
جاورته حيناً فأحمدتهأثني وما الحامد كاللائم
كم من عدو كاشح شامتأخزيته يوماً ومن ظالم
أذقته الموت على غرةبأبيض ذي رونق صارم
وقال أيضاً: حدثني محمد بن جرير الطبري عن شيوخه إلى أن بلغ به يحيى بن عروة بن أذينة قال: أتى أبي وجماعة من الشعراء هشام ابن عبد الملك، فنسبهم فانتسبوا، فلما عرف أبي قال له أنت القائل:
لقدعلمت، وما الأشراف من خلفي
إن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعينني تطلبهولو قعدت أتاني لا يعنيني
وإن حظ امرئ غيري سيبلغهلا بد لا بد أن يحتازه دوني
لا خير في طمع يدني لمنقصةوغبر من كفاف العيش يكفيني
لا أركب الأمر تزري به عواقبهولا يعاب به عرضي ولا ديني
كم من فقير غني النفس تعرفهومن غني فقير النفس مسكين
ومن عدو رماني لو قعدت لهلم يأخذ النصف مني حين يرميني
ومن أخ لي طوى كشحاً فقلت لهإن انطواءك عني سوف يطويني
إني لأنطق فيما كان من أربيوأكثر الصمت فيما ليس يعنيني
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتيولا ألين لمن لا يشتهي ليني
فقال له ابن أذينة: نعم أنا قائلها، قال: أفلا قعدت في بيتك حتى يأتيك رزقك؟ وغفل عنه هشام، فخرج من وقته وركب راحلته ومضى منصرفاً، فافتقده هشام فعرف خبره فأتبعه بجائزة، وقال للرسول: قل له: أردت أن تكذبنا وتصدق نفسك، فمضى الرسول فلحقه وقد نزل على ماء يتغدى عليه، فأبلغه رسالته ودفع إليه الجائزة فقال: قل له صدقني ربي وكذبك قال يحيى بن عروة: وفرض له فريضتين كنت أنا في إحداهما.
حكاية
وقال أبو الفرج أيضاً أخبرني محمد بن عمران الصيرفي والحسن بن علي الخفاف عن شيوخهم قالوا: دخل يزيد بن مزيد على الرشيد فقال له: يا بن مزيد من الذي يقول فيك:
لا يعبق الطيب خديه ومفرقهولا يمسح عينيه من الكحل
قد عود الطير عادات وثقن بهافهن يتبعنه في كل مرتحل
فقال: لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين فقال له هارون: أيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله؟ فخرج من عنده خجلاً. فلما صار إلى منزله دعا حاجبه فقال: من بالباب من الشعراء؟ قال مسلم بن الوليد قال: وكيف حجبته عني ولم تعلمني بمكانه، قال: أخبرته أنك مضيق وأنه ليس في يدك شيء تعطيه، وسألته الإمساك والمقام أياماً إلى أن تتسع قال: فأنكر ذلك عليه وقال: أدخله إلي فأدخله إليه فأنشد قوله فيه:
أجررت حبل خليع في الصبا غزلوقصرت همم العذال عن عذلي
رد البكاء من العين الطموح هوىمفرق بين توديع ومرتحل
أما كفى البين أن أرمى بأسهمهحتى رماني بلحظ الأعين النجل
مما جنت لي وإن كانت مني صدقتصبابة خلس التسليم بالمقل
إلى أن يقول فيها:
موف على مهج في يوم ذي رهجكأنه أجل يسعى إلى أمل
تراه في الأمن في درع مضاعفةلا يأمن الدهر أن يدعي على عجل
لا يعبق الطيب خديه ومفرقهولا يمسح عينيه من الكحل
إذا انتضى سيفه كانت مسالكهمسالك الموت في الأحشاء والمقل
وإن خلت بحديث النفس نظرتهحي الرجاء ومات الخوف من وجل
كالليث إن هجته فالموت راحتهلا يستريح إلى الأيام والدول
قد عود الطير عادات وثقن بهافهن يتبعنه في كل مرتحل
لله من هاشم في أرضه جبلوأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
صدقت ظني وصدقت الظنون بهوحط جودك عقد الرحل عن جملي
فقال له قد أمرنا لك بخمسين ألف درهم فاقبضها واعذر فخرج الحاجب فقال: قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه على مائة ألف درهم خمسون ألفاً منها لك وخمسون ألفاً لنفقته فأعطاه إياها، وكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرشيد فأمر له بمائتي ألف درهم وقال اقض الخمسين الألف التي أخذها الشاعر وزده مثلها وخذ مائة ألف لنفسك. فأفتك ضيعته، وأعطى مسلماً خمسين ألفاً أخرى.
قيل كان مخارق يهوى جارية لأم جعفر يقال لها نهار وكان بها كلفاً، ويستر ذلك عن أم جعفر حتى بلغها، فأقصته ومنعته من المرور ببابها فلما علم أن الخبر قد بلغ إلى أم جعفر قطعها وتحاماها إجلالاً لأم جعفر وطمعاً في السلو عنها فضاق ذرعه بذلك فبينا هو ذات ليلة في زلال وقد انصرف من دار المأمون، وأم جعفر تشرف على دجلة إذ حاذى دارها، فرآى الشمع يزهر فيها؛ فلما صار بمسمع منها ومرأى اندفع فغنى بشعر العباس الأحنف:
إن يمنعوني ممري قرب دارهمفسوف أنظر من بعد إلى الدار
لا يقدرون على منعي ولو جهدواإذا مررت وتسليمي بإضمار
ما ضر جيرانكم والله يصلحهملولا شقائي إقبالي وإدباري
سيما الهوى شهرت حتى عرفت بهاإني محب وما بالحب من عار
فقالت أم جعفر: مخارق والله ردوه فصاحوا به فقدم، وأمره الخدم بالصعود فصعد، وأمرت له أم جعفر بكرسي وصينية فيها نيبذ فشرب وخلعت عليه وأمرت الجواري فغنين ثم ضربن عليه فغنى فكان أول ما غنى بشعر العباس أيضاً:
أغيب عنك بود ما يغيرهنأي المحل ولا صرف من الزمن
فإن أعش فلعل الدهر يجمعناوإن أمت فقتيل الهم والحزن
قد حسن الله في عيني ما صنعتحتى أرى حسناً ما ليس بالحسن
قال: فاندفعت نهار وتغنت كأنها تتابعه وإنما أجابته عن معنى ما عرض لها به.
تعتل بالشغل عنا ما تلم بناالشغل للقبل ليس الشغل للبدن
فظنت أمر جعفر أنها خاطبته بما في نفسها فضحكت وقالت: ما سمعنا بأحسن مما صنعتما ووهبتها له.
حكاية
قال أبو زيد: أغار قوم من العرب على نعم لأحمد بن عنقاء الفزاري فاستاقوها حتى لم يبق له منها شيء، فأتى ابن أخيه فقال له: يا ابن أخي إنه قد نزل بعمك ما ترى فهل من حلوبة قال: نعم يا عم يروح المال فأبلغ مزادك، فلما راح ماله قسمه إياه وأعطاه شطره فقال ابن عنقاء:
رآني على ما بي عميلة فاشتكىإلى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فواساني ولو ضمن لم ألمعلى حين لا بادٍ يرجى ولا حضر
فقلت له خيراً أو أثنيت فعلهوأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر
غلام رماه الله بالخير يافعاًله سيمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت في جبينهوفي خده الشعرى وفي وجهه القمر
ولما رأى المجد استردت ثيابهتردى رداء واسع الذيل واتزر
إذا قبلت العوراء ولى كأنهذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
حكاية
عن ابن عمر قال: رأى إسحاق بن إبراهيم " الظاهري في منامه النبي ﷺ وهو يقول له: أطلق القائل، فاستيقظ مرتاعاً، ودعا بشمعة وأحضر الكتب الواردة من أصحاب الحبوس، فلم ير فيها ذكر قاتل، فأمر بإحضار السندي وعباس وسألا لهما عن الخبر فقال له عباس: نعم قد كتبنا بخير قائل، فأعاد النظر فيها، فوجد الكتاب في أضعاف القراطيس، وإذا رجل قد شهد عليه بالقتل وأقر به فأمر بإحضاره. فلما مثل بين يديه ورأى ما به من الارتياع قال له: إن صدقتني اطلقتك فانبرى يخبره. فذكر أنه كان هو وعدة معه يرتكبون كل عظيمة، ويستحلون كل محرم، وكان اجتماعهم بمدينة أبى جعفر يعتكفون على كل بلية. فلما كان في بعض الأيام جاءتهم عجوز كانت تختلف إليهم للفساد، ومعها جارية بارعة الجمال، قال: فلما توسطت الجارية الدار ورأتنا صرخت صرخة ثم غمي عليها، فلما أفاقت قالت: الله الله في، فإن هذه العجوز قد خدعتني وأعلمتني أن في جيرانها قوماً لهم حق لم ير مثله، وشوقتني إلى النظر فيه، فخرجت معها واثقة بقولها، فهجمت بي عليكم، وجدي رسول الله وأمي فاطمة وأبي الحسين بن علي فاحفظوهم في، فكأنها والله إنما أغرتهم بنفسها. فقمت دونها ومنعت منها، وقاتلت من أرادها فنالني جراحات، فعمدت إلى أشدهم " كان في أمرها كلبهم " فقتلته وتخلصت الجارية منه آمنة وأخرجتها سالمة، فسمعتها تقول مخاطبة لي: يسترك الله كما سترتني، وكان لك كما كنت لي، وسمع الجيران ضجة فدخلوا إلينا، والسكين في يدي، والرجل يتشحط في دمه، فرفعت على تلك الحالة فقال إسحاق: قد عرفت لك ما كان منك ووهبتك لله ولرسوله. قال الرجل: فوحق من وهبتني له لا عدت إلى معصية أبداً.
قال أبو الفرج الأصفهاني يرفعه إلى علي بن عمر قال: حدثني مسلم ابن الوليد المعروف بصريع الغواني قال: كنت جالساً يوماً في دكان خياط بازاء منزلي، إذ رأيت طارقاً ببابي، فقمت إليه فإذا هو صديق لي من أهل الكوفة قد قدم من قم فسررت به، وكان إنساناً لطم وجهي لأنه لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه، فقمت فسلمت عليه وأدخلته منزلي وأخذت خفين كانا لي أتجمل بهما فدفعتهما إلى جاريتي وكتبت معها رقعة إلى بعض معارفي في السوق أسأله أن يبيع الخفين ويشتري لي لحماً وخبزاً بشيء سميته له، فمضت الجارية وعادت إلي وقد اشترى كل ما حددته له وقد باع الخف بتسعة دراهم، فكأنها إنما جاءتني بخفين جديدين، فقعدت أنا وضيفي نطبخ، وسألت جاراً لي أن يسقينا قارورة نبيذ. فوجه بها إلي، وأمرت الجارية أن تغلق الباب مخافة طارق يجيء فيشركنا فيما نحن فيه، ورجاء أن يبقى لي وله ما نأكله إلى أن ينصرف. فانا لجالسنا نطبخ حتى طرق الباب فقلت للجارية: أنظري من هذا، فنظرت من شق الباب فإذا هو رجل عليه سواد وشاشية ومنطقة ومعه شاكري، فخبرتني بموضعه فأنكرت أمري، ثم رجعت إلى نفسي وقلت: لست بصاحب دعارة، ولا للسلطان علي سبيل، ففتحت الباب وخرجت إليه فنزل عن دابته وقال: أأنت مسلم بن الوليد؟ قلت: نعم، قال: كيف لي بمعرفتك؟ قلت الذي دلك على منزلي يصحح لك معرفتي، فقال لغلامه: امض إلى الخياط فسله عنه، فمضى فسأله عني فقال: نعم هو مسلم بن الوليد، فأخرج إلي كتاباً من خفه وقال: هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إلي يأمرني ألا لأفضه إلا عند لقائك، وفضه فإذا فيه: إذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع إليه هذه العشرة آلاف درهم التي أنفذتها، تكون له في منزله، وادفع إليه ثلاثة آلاف درهم لنفقته ليتحمل بها إلينا فأخذت الثلاثة والعشرة ودخلت إلى منزلي، والرجل معي، فأكلنا ذلك الطعام، وازددت فيه وفي الشراب، واشتريت فاكهة واتسعت، ووهبت لضيفي من الدراهم ما يهدي به هدية لعياله، وأخذت في الجهاز ثم ما زلت معه حتى صرنا إلى الرقة إلى باب يزيد بن مزيد فدخل الرجل فإذا هو أحد حجابه، فوجده في الحمام، فخرج إلي فجلس معي قليلاً، ثم خبرني الحاجب بأنه خرج من الحمام فأدخلني فإذا هو على كرسي جالس، وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة، وبيده هو مرآة ومشط يسرح به لحيته، فقال لي: يا مسلم ما الذي أبطأ بك عنا؟ فقلت: أيها الأمير قلة ذات اليد، قال: فأنشدني فأنشدته قصيدتي التي جئته بها:
أجررت حبل خليع في الصبا غزلوقصرت همم العذال عن عذلي
فلما صرت إلى قولي:
لا يعبق الطيب خديه ومفرقتهولا يمسح عينيه من الكحل
وضع المرآة في غلافها، وقال للجارية: انصرفي فقد حرم مسلم علينا الطيب. فلما فرغت من القصيدة قال لي: يا مسلم أتدري ما الذي حداني على أن وجهت إليك؟ فقلت: لا والله لا أدري، فقال: كنت عند الرشيد منذ ليال أغمز رجليه إذ قال لي: يا يزيد أتدري من القائل فيك؟
سل الخليفة سيفاً من بني مطريمضي فيتخرم الأحشاء وإلهاما
كالدهر لا ينثني عما يهم بهقد أوسع الناس إنعاماً وإرغاما
فقلت: لا والله ما أدري. فقال الرشيد: يا سبحان الله إنك مقيم على أعرابيتك، يقال فيك مثل هذا الشعر، ولا تدري من قائله؟ فسألت عن قائله، فأخبرت إنك أنت هو، فقم حتى أدخلك على أمير المؤمنين، ثم قام فدخل إلى الرشيد فما لبثت حتى خرج علي الآذن، فدخلت على الرشيد، وأنشدته ما لي فيه من الشعر، فأمر لي بمائة ألف درهم، ويزيد بتسعين ألفاً وقال: لا يجوز أن أعطيك مثلما أعطاك أمير المؤمنين، وأقطعني اقطاعات تبلغ غلتها مائتي ألف درهم. قال مسلم: ثم أفضت الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني فهجوته فشكاني إلى الرشيد فدعاني وقال: أتبيعني عرض يزيد؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين فقال: بكم فقلت: برغيف خبز، فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كنت أرى أن أشتريه منك بمال جسيم، ولست أفعل ولا كرامة، فقد علمت إحسانه إليك " أنا نفي عن أبي والله " والله لئن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من بين فكيك، فأمسكت عنه بعد ذلك، وما ذكرته بخير ولا شر.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع