من «المستجاد من فعلات الأجواد» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حكايا الأجواد (٣)
الصفحة ٢ من ٢
قال الواقدي: كان لي صديقان أحدهما هاشمي " والآخر نبطي " وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة وحضر العيد فقالت لي امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء قد قطعوا قلبي رحمة لهم، لأنهم يرون صبيان جيراننا وقد تزينوا في عيدهم وهم على الهيئة، فلو احتلت فيما نصرفه في كسوتهم، فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي مما حضر، فوجه إلي كيساً مختوماً ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراره حتى كتب إلي الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوته صاحبي، فوجهت إليه بالكيس على حاله وخرجت إلى المسجد فأقمت ليلتي مستحيياً من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ذلك ولم تعنفني فيه، فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس على هيئته وقال: أصدقني عما فعلته فيما وجهت به إليك، فعرفته الخبر على جليته فقال: إنك وجهت إلي وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك، وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة فوجه إلي بكيسي وخاتمي قال: فأخرجت للمرأة مائة درهم وتقاسمنا الباقي بيننا أثلاثاً. ونمي الخبر إلى المأمون فدعاني وسألني عنه فشرحته له، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار منها ألف للمرأة وألفان لكل واحد منا.
حكاية
قال أبو الفرج الأصبهاني: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدثني أبو دعامة علي بن يزيد قال: حدثني التميمي أو محمد قال: دخلت على الحسن بن سهل فأنشدته مديحاً في المأمون ومديحاً فيه، وعنده طاهر بن الحسين، فقال له طاهر: هذا والله أيها الأمير الذي يقول في محمد المخلوع:
لا بد من سكرة على طربلعل روحاً يدال من كرب
خليفة الله خير منتخبلخير أم من هاشم وأب
خلافة الله قد توارثهاآباؤه في سوالف الكتب
فهي له دنكم لمورثةعن خاتم الأنبياء في الحقب
يا ابن الذي في ذوائب الشرف الأقدم أنتم دعائم العرب
قال الحسن: عرض والله ابن اللخناء بأمير المؤمنين، والله لأعلمنه، وقام إلى المأمون فأخبره فقال له المأمون: وما عليه في ذلك؟ رجل أمل رجلا فمدحه، والله لقد أحسن لنا وأساء إليه، إذ لم يقترب إليه إلا بشرب الخمر، ثم دعاني فخلع علي وأمر لي بعشرة آلاف درهم
حكاية
قبيل خرج عبد الملك بن مروان إلى الغوطة متنزهاً، فبينا هو يسير مر على قنطرة منصوبة على بعض مياهها، وقد تأخر عنه العسكر وانفرد عن حشمه، فلما نزل من القنطرة جاءه رجل من العرب على فرس فراعه ذلك، فقال له: من أنت وما أمرك؟ فقال يا أمير المؤمنين أنا أحد فرسان العرب، وقد دعاني إليك أملي إياك، وتعويل أهل الحاجة عليك، فارددني إلى أهلي سالماً، ومن مالك موفوراً غانماً، قال: يا أخا العرب، أما سمعت قول الشاعر:
أعص العواذل وارم النبل عن عرضبذي سبيب يقاسي ليلة خببا
حتى تمول مالاً أو يقال فتىلاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا
" لا خير عند فتىً أودت مروءتهيعطي المقادة من لا يحسن الجنبا "
قال: وكذلك قال الشاعر يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم قال: سأعمل بما قال سلام عليكم وولى بفرسه وذهب، فلما غاب عن عين عبد الملك وتلاحق به عسكره، تقدم في طلب الرجل فلم يدركه، ثم ضرب الدهر ضرباته، فورد على عبد الملك أن رجلاً من العرب خرج في بعض النواحي وانضاف إليه جماعة وأن مالاً حمل إلى عبد الملك فخرج عليه الطريق فأخذه فأنفذ إليه عبد الملك جيشاً فكسره، ثم لم تطل الأيام حتى استفحل أمره واشتدت شوكته، فكتب إليه عبد الملك يستخبره ما دعاه إلى الخروج عن الطاعة والمبارزة في الحرب، فكتب إليه: أنا الفارس صاحب الغوطة؛ وقد عملت ما أشرت به، ولم أر منه إلى الآن إلا خيراً، فكتب إليه عبد الملك يرغبه ويؤمنه ويعده أنه متى صار إليه طائعاً أحسن مكافئته، وحمل إليه مالاً له قدر، فانصرف إليه وترك ما كان بصدده، فكان من المتقدمين عنده وحسن بلاؤه
وقال: دخل مسلم بن الوليد يوماً على الفضل بن يحيى، وقد كان أتاه خبر سره، فجلس للشعراء فمدحوه وأثابهم، ونظر في حوائج الناس فقضاها، وتفرق الناس عنه وجلس للشراب، ومسلم غير حاضر لذلك، وإنما بلغه حين انقضى المجلس، فأدخل عليه فاستأذن في الإنشاد فأذن له فأنشد فيه:
أتتك المطايا تهتدي بمطيةعليها فتى كالنصل يؤنسه النصل
حتى انتهى فيها إلى قوله:
وردت رواق الفضل آمل فضلهفحظ الثناء الجزل نائله الجزل
فتى ترتعي الآمال مزنة جودهإذا كان مرعاها الأماني والمطل
تساقط يمناه الندى، وشماله الردى وعيون القول منطقه الفصل
ألح على الأيام بعري خطوبهاعلى منهج ألفى أباه به قبل
أناف به العلياء يحيى وخالدفليس له مثل ولا لهما مثل
فروع أصابت مغرساً متمكناًوأصلاً فطابت حيث وجهها الأصل
بكف أبي العباس يستمطر الغنىوتستنزل النعمى ويسترعف الفصل
قال: فطرب الفضل طرباً شديداً، وأمر بأن تعد الأبيات فعدت، فكانت ثمانين، فأمر له بثمانين ألف درهم، وقال لولا أنها أكثر ما وصل بها شاعر لزدتك، ولكنه شأو لا يمكن تجاوزه، يعني أن الرشيد رسمه لمروان بن أبي حفصة وأمره بالجلوس معه والمقام عنده لمنادمته فأقام عنده.
حكاية
قال أبو الفرج الأصبهاني بإسناد ذكره أن عمرو بن بانه قال: ركبت يوماً إلى دار صالح بن الرشيد فاجتزت بمحمد بن جعفر بن موسى الهادي وكان معاقراً للصبوح، فألفيته في ذلك اليوم خالياً منه، فسألته عن السبب في تعطيله إياه فقال نيران علي غضبي - يعني جارية كانت لبعض النخاسين ببغداد، وكانت إحدى المحسنات وكانت بارعة الجمال ظريفة اللسان، وكان قد أفرط في حبها حتى عرف به - فقلت له: فما تحب؟ قال: أن تجعل طريقك على مولاها فإنه سيخرجها إليك، فإذا فعل دفعت رقعتي هذه إليها ودفع إلي رقعة فيها:
ضيعت عهد فتى لعهدك حافظفي حفظه عجب وفي تضييعك
ونأيت عنه فما به من حيلةإلا الوقوف إلى أوان رجوعك
متخشعاً يذري عليك دموعهأسفاً ويعجب من جمد دموعك
أن تفلتيه وتذهبي بفؤادهفبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
فقلت له: نعم أنا أتحمل هذه الرسالة وكرامة علي ما فيها، حفظاً لروحك عليك فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر. فأخذت الرقعة وجعلت طريقي على منزل النخاس. فبعث إلى الجارية أن أخرجي فخرجت، فدفعت إليها القرعة، وأخبرتها بخبري فضحكت، ورجعت إلى الموضع الذي خرجت منه، وجلست جلسة خفيفة ثم إذا بها قد وافتني ومعها رقعة فيها:
وما زلت تقصيني وتغري بي العدىوتهجرني حتى مرنت على الهجر
وتقطع أسبابي وتنسى مودتيفكيف ترى يا مالكي في الهوى صبري
فأصبحت لا أدري أيأساً تصبريعلى الهجر؟ أم أجد التصبر لا أدري
قال: فأخذت الرقعة منها وأوصلتها إليه، وصرت إلى منزلي فصنعت في بيتي محمد بن جعفر لحناً وفي شعرها لحناً، ثم صرت إلى الأمير صالح ابن الرشيد فعرفته ما كان من خبري وغنيته الصوتين. فأمر بإسراج دابته فأسرجت وركب وركبت معه إلى النخاس - مولى نيران - فما برحنا حتى اشتراها منه بثلاثة آلاف دينار وحملها إلى دار محمد بن جعفر فوهبها له وأقمنا يوماً عنده.
حدث أحمد بن أبي داود القاضي قال: ما رأيت رجلاً عرض علي الموت فلم يكترث به ولا " شغله عما أراده حتى بلغه وخلصه الله من القتل " إلا تميم بن جميل السدوسي الخارجي، وكان قد خرج على المعتصم، ورأيته قد جيء به أسيراً فأدخل عليه يوم موكب، وقد جلس المعتصم للناس مجلساً عاماً، ودعا بالسيف والنطع. فلما مثل بين يديه، نظره المعتصم فأعجبه حسنه وقده ومشيته إلى الموت غير مكترث به، فأطال الفكر فيه، ثم استنطقه لينظر أين عقله ولسانه من جماله، فقال: يا تميم إن كان لك عذر فأت به. فقال: أما إذا أذن أمير المؤمنين في الكلام فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله سلالة من ماء مهين. يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين، ولم بك شعث الإسلام والمسلمين، وأخمد بك شهاب الباطل، وأنار بك سبيل الحق، إن الذنوب يا أمير المؤمنين تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، وايم الله لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة، وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأنت إلى العفو أقرب، وهو بك أشبه وأليق ثم أنشده:
أرى الموت بين السيف والنطع كامناًيلاحظني من حيث ما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتليوأي امرئ مما قضى الله يفلت
وأي امرئ يدلي بعذر وحجةوسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعز على الأوس بن ثعلب موقفيسل علي السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإننيلأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهموأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهموقد لطموا حر الخدود وصوتوا
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطةأذود الردى عنهم وإن مت موتوا
وكم قائل لا يبعد الله دارهوآخر جذلان يسر ويشمت
قال: فبكى االمعتصم ثم قال: إن من البيان لسحراً كما قال رسول الله ﷺ. ثم قال: يا تميم كاد والله يسبق السيف العذل، وقد وهبتك لله ولصبيتك وعفوت عن زلتك، ثم عقد له ولاية على عمله، وخلع عليه وأعطاه خمسين ألف دينار.
حكاية
قيل وقف أعرابي على باب داود بن المهلب سنة ولا يؤذن له. فلما أذن للناس إذناً عاماً ودخل في جملتهم، فقضى حوائج الناس على طبقاتهم، وبقي هو، فرفع داود رأسه وقال: ألك حاجة يا بدوي؟ فقال: نعم أصلح الله الأمير إني أتيتك ممتدحاً بأبيات من الشعر، أؤمل بكل بيت منها ألف درهم. فقال له يا داود: على رسلك، ثم دخل بيته وتقلد سيفه وخرج. وقال: قل، فإن أحسنت حكمناك، وإن لم تحسن حرمناك، فاندفع:
أمنت بداود وجود يمينهمن الحدث المخشي والبؤس والفقر
أمنت فلا أخشى بداود نكبةولا حدثاناً إذ شددت به أزري
فما طلحة الطلحات ساواه في الندىولا حاتم الطائي ولا خالد القسري
له حكم لقمان وصورة يوسفوملك سليمان وصدق أبي ذر
فتى تهرب الأموال من جود كفهكما يهرب الشيطان من ليلة القدر
له همم لا منتهى لكبيرهاوهمته الصغرى أجل من الدهر
وراحته لو أن معشار عشرهاعلى البر كان البر أندى من البحر
فقال له داود: أحسن يا أعرابي، وقد حكمناك فأيما أحب إليك أن أعطيك على قدرك أو على قدري، أو على قدر الشعر، قال: بل على قدر الشعر، فأمر له على كل بيت بألف درهم وانصرف، فقال بعض جلسائه: لو استعدته أيها الأمير فاستخبرته لم اختار على قدر الشعر ولم يختر على قدرك؟ فأمر برده واستخبره على ذلك، فقال: أيها الأمير نظرت إلى الدنيا بما فيها فإذا هي لا تفي بمعشار عشر قدرك، فأشفقت أن أسألك ما لا تطيق. فقال: أحسنت والله أحسن من شعرك، وضاعف له الجائزة فأخذها وانصرف.
حكاية
العتبي عن أبيه قال: قدك " زيد " بن منية من البصرة على معاوية، وهو أخو يعلى بن منية صاحب الجمل جمل عائشة ﵂ ومتولي تلك الحروب ورأس أهل البصرة، وكانت ابنة يعلي عند عتبة بن أبي سفيان. فلما دخل على معاوية شكا إليه دينه. فقال: يا كعب أعطه ثلاثين ألفاً. فلما ولى. قال: وليوم الجمل ثلاثين ألفاً " أخرى " ثم قال: الحق بصهرك - يعني عتبة - فقدم على عتبة مضر فقال: إني سرت إليك شهرين أخوض فيهما المتالف، ألبس لك أردية الليل مرة وأخوض لجج السراب أخرى، موقراً من حسن الظن بك، وهارباً من دهر قطم، ودين لزم، بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين. فقال عتبة: إن الدهر أعاركم غنى وخلطكم بنا، ثم استرد ما أمكنه أخذه وقد بقي لكم منا ما لا ضيعة معه، وأنا أرفع يدي ويدك بيد الله، فأعطاه ستين ألفاً كما أعطاه معاوية.
قال الأصمعي: مررت ببعض أحياء العرب وكنت أروي أشعارهم وأطرف أخبارهم، فخرجت من الحي وكأنني لم أدخله، فرماني الدهر إلى بعض الأفاريق، فاستسقيت من أهل الفريق ماء فلم أسق، فخرجت من الحي فانتهيت إلى بيت مفرد فاستسقيت أهله ماء فخرجت إلي جارية وبيدها قعب من لبن، وفي الأخرى وعاء فيه ماء. فقالت: يا هناه، هذا ماء وهذا لبن، فأيهما شئت فابدأ، وإن أردت الطعام فهو لك معد فعجبت من سخائها عند بخل قومها ومبيتي بينهم، ثم شكوت إليها بخل قومها فقالت: اسمع مني ثم طفقت تقول:
خذ من الناس ما تيسرودع من الناس ما تعسر
فإنما الناس من زجاجإن لم ترفق به تكسر
فانصرفت بالبيتين، ولهما أحب إلي من مائتي دينار، ثم رأيت نشزاً عالياً عليه بيت مفرد فقلت: ما هذا البيت الذي أرى إلا الذي كرم، ولعلي أجد فيه عالماً فأممته، فلما دنوت منه إذا رجل قائم على الباب، فلما رآني ولج البيت فولجت في أثره فخرج من كسر البيت فخرجت في أثره، فتبعته فنظر إلي ثم وقف فبكى بكاءً عالياً، وأنشأ يقول:
وقفت وقوف الشك ثم استمر بييقين بأن الموت خير من الفقر
وقائلة تخشى علي من الردىوللموت خير من حياة على عسر
سأسكب مالاً أو أموت ببلدةيقل بها فيض الدموع على قبري
فقلت: هذا كلام أديب، وشعر لبيب، فزدني من كلامك، زادك الله من كل خير، فقال:
رزقت لباً ولم أرزق مروءتهوما المروءة إلا كثرة المال
إذا أردت مساماة تقاعدنيعما ينوه باسمي رقة الحال
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع