تجاوز إلى المحتوى

من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)

من اسمه سلمان

سليمان بن محمد بطال أبو أيوب البطليوسى، فقيه مقدم، وشاعر محسن كثير الشعر، كان قريباً من الأربع مائة؛ وله من قصيدة طويلة:

نار الصبابة في الضلوع تأججىوغمامة الدمع الوكيف تبعجى
فأرى خلال الغيم مبسم بارقكالزند يقدح أو ضرام العرفج
فكأنه من أضلعي متوقدفي الجو إلا أنه لم يوهج
وكأن محبوبي تبسم فوقهليزيد بالإيماض في شجو الشجى
بمنظم كالدر لاكن زانهفلج ونظم الدر غير مفلج
أشكو إليه بضيق حالي مثلهايشكو إلى الدايات ضيق الدملج
وأذوب إشفاقاً على خديه أنتغدو العيون عليهما فتضرج
لطمت لحر البين صفحة وجههافتعوضت من وردها ببنفسج
فلمستها ومزجت ريقة ثغرهابدموعها وودت أن لم أمزج

سليمان بن محمد المهري الصقلي من أهل العلم والأدب والشعر، قدم الأندلس بعد الأرعبين وأربع مائة، ومدح ملوكها، وتقدم عند كبرائها بفضل أدبه وحسن شعره.

أخبرني بعض أصحابنا عنه بالأندلس، قال: كان بسوسة إفريقية رجل أديب شاعر، وكان يهوى غلاماً جميلاً من غلمانها، وكان كلفاً به، وكان الغلام يتجنى عليه ويعرض عنه، قال: فبينما هو ذات ليلة منفرداً يشرب وحده على ما أخبر عن نفسه، وقد غلب عليه غالب من السكر، إذ خطر بباله أن يأخذ

قبس نار، ويحرق داره عليه لتجنيه عليه، فقام من حينه، وأخذ قبساً فجعله عند باب الغلام فاشغل ناراً، واتفق أن رآه بعض الجيران فبادروا النار بالإطفاء، فلما أصبحوا مضوا إلى القاضي فأعلموا فأحضره القاضي، وقال: لأي شئ أحرقت يا هذا؟ فأنشأ يقول:

لما تمادى على بعادىوأضرم النار في فؤادى
ولم أجد عمن هواه يداًولا معيناً على السهاد
حملت نفسي على وقوفيببابه حملة الجواد
فطار من بعض نار قلبيأقل في الوصف من زناد
فأحرق الباب دون علمىولم يكن ذاك عن مراد

قال: فاستطرفه القاضي، وتحمل عنه ما أفسد، وأخذ عليه ألا يعود، وخلى سبيله، أو كما قال: قال الحميدي رضى الله عنه: وكنت أظن أن هذا المعنى الذي ذكره هذا الشاعر في شعره مما تفرد به، حتى حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله النعماني بالفسطاط، قال: قال لنا القاضي أبو الحسن بن صخر، أخبرني بعض شيوخ أن أبا القاسم نصر بن أحمد الخبز أرزى، دخل على أبي الحسين بن المثنى في إثر حريق المربد فقال له: هل قلت في هذا شيئاً، فقال ما قلت شيئاً، فقال له: ويحسن بك وأنت شاعر البصرة والمربد أجل شوارعها؛ وسوق من أجل أسواقها، ولا تقول فيه شيئاً؟ فقال: ما قلت، ولكنى أقول، فارتجل هذه الأبيات وأنشأ يقول:

أتتكم شهود الهوى تشهدفما تستطيعون أن تجحدوا
للشاعر الخبز أرزي، اقرأ القصيدة
فيامربديون ناشدتكمعلى أنني منكم مجهد
جرى نفسي صعدا نحوكمفمن حره احترق المربد
وهاجت رياح حنيني بكمفظلت بها ناركم توقد
ولولا دموعي جرت لم يكنحريقكم أبداً يخمد

فجاء بذلك المعنى وزاد عليه. ومن شعر المهرى في قصيدة طويلة:

عجبت لمعشر عزوا وبزواولم يصلوا إلى الرتب السوامى
طلبت بهم من العدم انتصاراًفأشبهت ابن نوح في اعتصامى
تقلب دهرنا فالصقر فيهيطالب فضل أرزاق الحمام
على الدنيا العفاء فقد تناهىتسرعها إلى أيدي اللئام
وما النعمان للمفضول إلاكمثل الحلى للسيف الكهام
ذريني أجعل الترحال سلكاأنظم فيه ساحات الموامى
فإني كالزلال العذب يوذىصفاه وطعمه طول المقام

وأنشدت له في عذول قبيح:

رأى وجه من أهوى عذولى فقال ليأجلك عن وجه أراه كريها
فقلت له بل وجه حبي مرآةوأنت ترى تمثال وجهك فيها

سليمان بن أحمد الطنجي، أصله من طنجة مدينة بعدوة الأندلس مما يلي المجاز، له رحلة إلى المشرف، وتحقق بعلم القراآت وإسناد فيها، شارك أبا الطيب عبد المنعم ابن عبيد الله بن غلبون لمقرئ، وقرأ معه على عدة شيوخ، وقدم الأندلس فأقام بالمرية، وقرئ عليه وانتفع به دهراً طويلا، ومات بعا عن سن عالية، وأخبرت عنه أنه كان يقول زدت على المائة سنين ذكرها، وكانت وفاته قبل الأربعين وأربعمائة.

سليمان بن أيوب أبو أيوب روى عن أسلم بن عبد العزيز، ومحمد بن قاسم بن محمد، وهذه الطبقة، روى عنه أبو الوليد

عبد الله بن محمد بن يوسف المعروف بابن الفرضى.

أخبرني أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري، قال: حدثن أبو الوليد بن الفرضى بكتاب الرد على المقلدين لمالك تأليف قاسم بن محمد، عن أبي أيوب سليمان بن أيوب، عن محمد بن قاسم، عن أبيه.

سليمان بن جلجل، مذكور بالطب والأدب، له كتاب في أخبار الأطباء بالأندلس. ذكره أبو محمد على بن أحمد.

سليمان بن حامد، وقيل حماد، محدث أندلسي مذكور بزهد وفضل، سمع من ابن القزاز، ومحمد بن وضاح، مات سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.

سليمان بن سليمان، وقيل: ابن أبي سليمان المعافرى الما لقى من أهل مالقة. ذكره محمد بن حارث الخشنى.

سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الحميد بن عيسى بن يحيى بن يزيد مولى معاوية بن أبي سفيان، محدث أندلسى، روى عن محمد بن وضاح، ومحمد بن عبد السلام الخشنى، مات بالأندلس سنة خمس وعشرين وثلاث مائة.

سليمان بن عبد السلام أندلسي، سمع يحيى بن إبراهيم بن مزين، ومات بالأندلس سنة ثنتي عشرة وثلاث مائة.

سليمان بن مهران السرقسطى، أديب شاعر مشهور، له جلالة وقدر؛ ومن شعره ما أنشدنيه أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني محمد بن الحسن المذحجى، قال: أنشدني الأديب سليمان بن مهران في مجلس الوزير أبي الأصبغ عيسى بن سعيد وزير المظفر عبد الملك بن المنصور محمد بن أبي عامر:

خليلي ما للريح تأتي كأنهايخالطها عند الهبوب خلوق
للشاعر سليمان بن مهران السرقسطي، اقرأ القصيدة
أم الريح جاءت من بلاد أحبتيفأحسبها ريح الحبيب تسوق
للشاعر سليمان بن مهران السرقسطي، اقرأ القصيدة
سقى الله أرضاً حلها الأغيد الذيلتذكاره بين الضلوع حريق
للشاعر سليمان بن مهران السرقسطي، اقرأ القصيدة
أصار فؤادي فرقتين فعندهفريق وعندي في السياق فريق
للشاعر سليمان بن مهران السرقسطي، اقرأ القصيدة

سليمان نصر بن منصور بن حامل، أبو أيوب المرى مرة غطفان، محدث أندلسي، يروى عن يحيى، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب، وأبي مصعب وسحنون بن سعيد مات بالأندلس سنة ستين ومائتين، ذكره محمد بن حارث.

سليمان بن وانسوس البربرى الوزير مذكور بالأدب والعلم والعقل وعزة النفس كان في أيام الأمير عبد الله بن محمد صاحب الأندلس في بنى أمية أثيراً عنده، وله معه أخبر نيه أبو محمد على بن أحمد، قال: حدثني محمد بن عبد الأعلى بن هاشم القاضي، وعلى بن عبد الله الأديب، كلاهما قال لي: كان الوزير سليمان بن وانسوس رجلاً جليلاً. أديباً من رؤساء البربر، وكان أثيراً عند الأمير عبد الله بن محمد، فدخل عليه يوماً وكان عظيم اللحية، فلما رآه مقبلاً جعل الأمير ينشد:

معلوفة كأنها جوالق

نكداء لا بارك فيها الخالق

للقمل في حافاتها نقانق

قال أبو محمد: وزادني على بن عبد الله:

فيها لباغي المتكا مرافق

وفي احتدام الصيف ظل رائق

ثم اتفقا:

إن الذي يحملها لمائق

ثم قال: اجلس يا بريبري، فجلس وقد غضب، فقال: أيها الأمير إنما كان الناس يرغبون في هذه المنزلة ليدفعوا عن أنفسهم الضيم، أما إذا صارت جالبة للذل فلنا دور، تسعنا وتغنينا عنكم، فإن حلتم بيننا وبينها فلنا قبور تسعنا لا تقدرون على أن تحولوا بيننا وبينها، ثم وضع يديه في الأرض وقام من غير أن يسلم ونهض إلى منزله. قالا: فغضب الأمير وأمر بعزله، ورفع دسته الذي كان يجلس عليه، وبقى

كذلك مدة؛ ثم إن الأمير عبد الله وجد فقده لغنائه وأمانته ونصيحته، وفضل رأيه، فقال للوزراء: لقد وجدت لفقد سليمان تأثيراً، وإن أردت استرجاعه ابتداء منا كان ذلك غضاضة علينا، ولوددت أن يبتدئنا بالرغبة؛ فقال له الوزير محمد بن الوليد ابن غايم: إن أذنت لي في المصير إليه استتهضته إلى هذا، فأذن له فنهض ابن غانم إلى دار ابن وانسوس، فاستأذن، وكانت رتبة الوزارة بالأندلس أيام بني أمية: ألا يقوم الوزير إلا لوزير مثله، فإنه كان يتلقاه وينزله معه على مرتبته، ولا يحجبه أولاً لحظة، فأبطأ الإذن على ابن غانم حيناً، ثم أذن له فدخل عليه فوجده قاعداً، فلم يتزحزح له، ولا قام إليه، فقال له ابن غانم: ما هذا الكبر؟ عهدي بك وأنت وزير السلطان، وفي أبهة رضاه تتلقاني على قدم، وتتزحزح لي عن صدر مجلسك، وأنت الآن في موجدته بضد ذلك، فقال له: نعم! لأني كنت حينئذ عبداً مثلك، وأنا اليوم حر. قالا: فبئس ابن غانم منه، وخرج ولم يكلمه، ورجع إلى الأمير فأخبره وابتدأ الأمير بالإرسال إليه ورده إلى أفضل ما كان عليه.

سليمان بن هارون الرعيني أبو أيوب، محدث طليطلى مات بالأندلس سنة سبع وتسعين ومائتين.

النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.