من «بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس» لابن عميرة الضبي (ت ٥٩٩هـ)
أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد أبو عامر
أشجعي النسب من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك يوم المرح وهذا الوضاح هو جد بني وضاح من أهل مرسية وإليه ينتسبون، فبنو وضاح من أشجع، وأشجع من قيس عيلان بن مضر.
وأسر الوضاح بن رزاح في يوم المرج، ومن عليه مروان بن الحكم، ذكر ذلك الرشاطي.
وأبو عامر هذا من العلماء بالأدب ومعاني الشعر وأقسام البلاغة وله حظ في ذلك بسبق فيه، ولم ير لنفسه في البلاغة أحداً يجاريه، وله كتاب "حانوت عطار" في نحو من ذلك، وسائر رسائله وكتبه نافعة الجد كثيرة الهزل، وشعره كثير مشهور وقد ذكره أبو محمد بن علي بن أحمد مفتخراً به فقال: ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن
شهيد، وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار ينطق فيه بلسان مركب من لسان عمرو وسهل ومن أبياته المختارة قوله:
وما ألان قناتي غمز حادثةولا استخف بحلمي قط إنسان
أمضى على الهول قدماً لا ينهنهنيوانثنى لسفيهي وهو حردان
ولا أقارض جهالاً بجهلهموالأمر أمري والأعوان أعواني
أهيب بالصبر والشحناء ثارةوأكظم الغيظ والأحقاد نيران
وما لساني عند القوم ذو ملقولا مقالي إذا ما قلت أدهان
ولا أفوه بغير الحق خوف أخيوإن تأخر عني وهو غضبان
ولا أميل على خلي فآكلهإذا غرثت بوعض الناس ذؤبان
إن الفتوة فاعلم حداً مطلبهاعرض نقي ونط فيه تبيان
بالعلم يفخر يوم الحفل حاملهوبالعفاف غداة الجمع يزدان
ود الفتى مهم لو مت من يدهوأنه منك ضخم الجوف ملآن
وقوله:
ألمت بالحب حتى لو دنا أجلىلما وجدت لطعم الموت من ألم
وزادني كرمي عما وليت بهويلي من الحب أو ويلي من الكرم
وقوله:
إن الكريم إذا نالته مخمصة[أبدى] إلى الناس شبعاً وهو طيان
يحني الضلوع على مثل اللظى حرقاًوالوجه غمر بماء البشر ملآن
وقوله:
كتبت لها أنني عاشقعلى مهرق الكتم بالناظر
فردت على جواب الهوىبأحور في مائة حائر
منعمة نطقت بالجفونفدلت على دقة الخاطِر
كأن فؤادي إذا أعرضتتعلق [في] مخلبي طائر
وقوله:
أقل كل قليل جد ذي أدببين الورى وأقل الناس إخوان
وما وجدت أخا في الدهر يذكرنيإذا سما وعلا يوما به الشان
قال أبو محمد علي بن أحمد: توفى أبو عامر بن شهيد ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة بقرطبة، ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة، وصلى عليه جهور بن محمد جهور أبو الحزم. وكان حين وفاته حامل لواء الشعر والبلاغة لم يخلف لنفسه نظيراً في هذين العلمين، جملة مولده سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ولم يعقب، وانقرض عقب الوزير ابنه بموته: وكان جواد لا يليق شيئاً، ولا يأسى على فئت، عزيز النفس مائلاً إلى الهزل، وكان له من علم الطب نصيب وافر، وكانت على أبي عامر ضيق النفس والنفخ، ومات في ذهنه وهو يدعو الله ﷿ وتيشهد شهادة التوحيد والإسلام، وكان أوصى أن يصلي عليه أبو عمر الحصار الرجل الصالح بتعيب إذ
دعى وأوصى أن يسوى عليه التراب دون لبن ولا خشب فاغفل ذلك.
النص من طبعة دار الكاتب العربي بالقاهرة (١٩٦٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع