من «بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس» لابن عميرة الضبي (ت ٥٩٩هـ)
يوسف بن هارون الكندي أبو عمر يعرف بالرمادي
قال الحميدي: أظن أحد أبائه كان من رمادة موضع بالمغرب، شاعر قرطبي كثير الشعر سريع القول مشهور عند العامة والخاصة هنالك لسلوكه في فنون الشعر بكنده وختم بكندة؛ يعنون امرئ القيس والمتنبي ويوسف بن هارون وكانا متعاصرين قال الحميدي: استدللنا على ذلك بمدحه أبا علي إسماعيل بن القاسم عند دخوله الأندلس بالقصيدة التي أنشدها عنه الحاكم أبو بكر مصعب بن عبد الله الأزدي وأولها:
من حاكم بيني وبين عذوليالشجو شجوى والعويل عويلي
وكان وصول أبي علي القالي إلى الأندلس سنة ثلاثين وثلاثمائة، أخبر أبو محمد بن حزم قال: أخبرني أبو بكر محمد بن إسحاق المهلبي، عن بعض إخوانه وأظنه أبا الوليد بن الفرضي عن أبي عمر يوسف بن هارون قال: خرجت يوماً إثر صلاة الجمعة فتجاوزت نهر قرطبة متفرجاً إلى رياض بني مروان، فإذا جارية لم أر أجمل منها، فسلمت عليها فردت ثم حادثتها، فرأيت أدباً فائقاً فأخذت بمجامع قلبي فقلت لها: سألتك بالله أحرة أم أمة؟ فقالت: بل أمة، فقلت: ما اسمك بالله فقالت: حلوة، فلما قرب وقت صلاة العصر انصرفت، فجعلت أقفوا أثرها، فلما بلغت رأس القنطرة قالت: إما أن تتأخر وإما أن تتقدم فلست والله أخطو خطوة وأنت معي، فقلت لها: أهذا آخر العهد بك؟ فقالت: لا، فقلت لها: فمتى اللقاء؟ قالت: كل يوم جمعة في هذا الوقت وفي هذا الموضع أو المكان، قلت لها: فما ثمنك إن باعك من أنت له؟ قالت: ثلاثمائة دينار، قال:
فخرجت جمعة أخرى، فوجدتها على العادة الأولى فزاد قلبي بها فرحت إلى عبد الرحمن بن محمد التجيبي صاحب سرقسطة ومدحته بالقصيدة الميمية المشهورة فيه وذكرت في تشبيهها حلوة وحدثته مع ذلك بحديثي فوصلني بثلاثمائة دينار ذهباً ثمنها، سوى ما زودني عن نفقة الطريق مقبلاً وراجعاً وعدت إلى قرطبة فلزمت الرياض جمعاً لا أرى لها أثراً وقد انطبقت سمائي على أرضي وضاق صدري إلى دعاني يوماً رجل من إخواني فدخلت إلى داره، وأجلسني في صدر مجلسه ثم قام لبعض شأنه فلم أشعر بالستارة المقبلة لي قد رفعت وإذا بها فقلت: حلوة، فقالت: نعم، قلت: ألأبي فلان أنت مملوكة؟ قالت: لا ولكني أخت، قالت: فكأن الله تعالى محا حبها من قلبي وقمت من فوري واعتذرت إلى صاحب المنزل بعارض طرقني وانصرفت وهذه القصيدة طويلة، قال أبو محمد: أنشدناها أبو بكر بن الفرضي، قال: أنشدناها يوسف بن هارون لنفسه في جملة سبع قصائد له أنشدنا إياها وأولها:
قفوا تشهدوا بثي وإنكار لائميعلى بكائي في الرسوم الطواسم
أيأمن [أن] يغدو حريق بنفسيوإلا غريقاً في الدموع السواجم
خذوا رأيه إن كان يتبع كلمن ينوح على ألافه بالملاوم
فهذا حمام الأيك يبكي هديلهبكائي فليفرغ للوم الحمائم
وما هي إلا فرقة تبعث الأسىإذا نزلت بالناس أو بالبهائم
خلا ناظري من نومه بعد خلوةمتى كان منى النوم ضربة لازم
ومن شعره:
قالوا اصطبر وهو شيء لست أعرفهمن ليس يعرف صبراً كيف يصطبر
أوصى الخلي بأن يغضي الملاحظ عنعن غر الوجوه ففي إهمالها غرر
وفاتن الحسن قتال الهوى نظرتغي إليه فكان الموت والنظر
ثم انتصرت بعيني وهي قاتلتيما تريد بقتلي حين تنتصر
بإشقة النفس واصلها بشقتهافإنما أنفس الأعداء تهتجر
ظلمتني ثم إني جئت معتذراًيكفيك أني مظلوم معتذر
ومن مستحسنه كثير ومنه قوله في قصيدته التي أولها:
خليلي عيني والدموع فعائناإلى أن يقتاد الفراق الظعائنا
فلم أر خلي من تبسم أعينغداة النوى عن لؤلؤ كان كامنا
وقوله:
لا تنكروا غرر الدموع فكلماينحل من جسمي يصير دموعا
والعبد قد يعصى وأحلف أننيما كنت إلا سامعاً ومطيعا
قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلمايمنن على برده مصدوعا
ومما أنشد له أبو العباس بن رشيق الكاتب:
بدر بدا يحمل شمساً بدتفحدها في الحسن من حده
تغرب في فيه ولكنهامن بعد ذا تطلع من خده
وله:
صد عني وليس يعلم أنيكنت في كربة ففرج عني
وتجنى على من غير ذنبفتجنى على كثير التجني
حسن ظني قضى علي بهذاحكم الله لي على حسن ظني
مدح أبو عمر الحكم المستنصر، وعمل في السجن كتاباً سماه كتاب "الطير" في أجزاء وكله من شعره، وصف فيه كل طير معروف وذكر خواصه وذيل كل قطعة بمدح ولي العهد هشام بن الحكم مستشفعاً به إلى أبيه في إطلاقه وهو كتاب مليح سبق إليه، قال الحميدي: وقد رأيت النسخة المرفوعة بخطه ونسخت منها، وكان قد اتهم هو وجماعة من الشعراء بشعر ظهر في ذم السلطان لم يبق في ذكرى منه إلى قوله:
يولى ويعزل من يومهفلا ذا يتم ولا ذا يتم
ثم مدح الملوك والرؤساء بعده وعاش إلى أيام الفتنة، ومات في بعض تلك الشدائد.
النص من طبعة دار الكاتب العربي بالقاهرة (١٩٦٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع