تجاوز إلى المحتوى

من «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس» لابن بشكوال (ت ٥٧٨هـ)

عثمان بن أبي بكر بن حمود بن أحمد الصدفي

يكنى: أبا عمرو. ويعرف: بالسفاقسي وأصله منها. ويعرف أيضا: بابن الضابط.

قدم الأندلس وأسمع الناس بها بعد أن تجول بالمشرق وأخذ عن علمائها ومحدثيها؛ روى عن أبي نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ وهو أجل من لقيه من شيوخه وقال: صحبته بأصبهان وكتبت عنه نحو مائة ألف حديث بخطي، وقال لم ألق مثله في العلم

والعمل، وعن أبي عبد الله محمد بن علي الحافظ الفسوي، وعن أبي الفضل مبارك بن علي الهراس، وعن أبي الحسن محمد بن علي بن صخر، وعن أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن والصابوني، وأبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، وأبي الحسين عبد الملك بن سياوش الكازروني، وأبي بكر المفيد، وأبي ذر الهروي، وكريمة بنت أحمد السرخسية وجماعة كثيرة يطول ذكرهم سمع منهم وكتب الحديث عنهم.

وقدم الأندلس سنة ستٍّ وثلاثين ودخل قرطبة في هذا التاريخ، وأسمع الناس بها، وحدث عنه مشيختها وعلماؤها، وتطوف بسائر بلاد الأندلس نحو العامين، وقدم أيضا قرطبة مرة ثانية سنة ثمان وثلاثين فسمع منه أيضا.

وكان حافظا للحديث وطرقه، وأسماء رجاله ورواته، منسوبا إلى معرفته وفهمه. وكان يملي الحديث من حفظه، ويتكلم على أسانيده ومعانيه، وكان عارفا باللغة والإعراب، ذاكرا للغريب والآداب ممن عني بالرواية، وشهر بالفهم والدراية. يجمع إلى ذلك حسن الخلق وأدب النفس، وحلاوة الكلام، ورقة الطبع وصفه بهذا غير واحدٍ ممن لقيه وجالسه.

وذكره أبو عمر بن الحذاء في كتاب رجاله الذين لقيهم فقال: قدم علينا طليطلة وسنه يومئذ نحو الخمسين، وكانت له روايةٌ واسعة ومعه كتب كثيرة من روايته بالعراق والشام، والحجاز، ومصر. وكانت عنده غرائب، تجول بالأندلس نحو عامين، ثم انصرف إلى القيروان فوجهه الصنهاجي صاحب القيروان رسولا إلى القسطنطينية ثم انصرف عنها.

وكان لي صديقا وتكررت كتبه إلي من القيروان، ثم صرفه الصنهاجي إلى القسطنطينية فمات في طريقها إما واردا وإما صادرا ﵀.

وذكره الحميدي فقال: كان فاضلا، عاقلا. قرأت عليه كثيرا وكتبت عنه وأنشدني:

إذا ما عدوك يوما سماإلى حالةٍ لم تطق نقضها
فقبل ولا تأنفن كفهإذا أنت لم تستطع عضها

وقرأت بخط القاضي أبي على الصدفي شيخنا ﵀ وقد ذكر أبا عمرو السفاقسي حكى عنه أنه قال: بعث إلي شعراء القيروان حين مقامي بها وهم: ابن رشيق، وابن شرف، وابن حجاج، وعبد الله العطار، يسألوني أن أرسل إليهم شعري. فقلت للرسول: أنه في مسوداته. فقال كما هو. فأخذته وكتبت عليه ارتجالا ثم بعثت به:

خطبت بناتي فأرسلتهن إليكعواطل من كل زينه
لتعلم أني ممن يجودبمحض الوداد ويشنا ضنينه
فقل كيف كان ثناء الجليسأضمخ بالمسك أم صب طينه

فأجابوني عن بطءٍ بهذه الأبيات:

أتتنا بناتك يرفلن في ثيابمن الوشي يفتن زينه
فلما سفرن فضحن الشموسوسرب الظباء وأخجلن عينه
فلما نطقن سحرن العقولوظل القرين ينادي قرينه
أفي بابل نحن أم في العراقوفوق البسيطة أم في سفينة
فدعني أرقب صحو الجميعلنسمع من كل مدحٍ عيونه

وقرأت على أبي محمد بن عتاب غير مرة قال: أخبرني أبو عمرو وكتبه لي بخطه قال أنشدني أبو نعيم الحافظ قال: أنشدني أبو محمد الجابري قال: أنشدني ابن المعتز لنفسه:

ما عابني إلا الحسود وتلك من خير المعائب
والخير والحساد مقرونان إن ذهبوا فذاهب
وإذا ملكت المجد لمتملك مذ مات الأقارب
وإذا فقدت الحاسدين فقدت في الدنيا الأطايب
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قد عضني صرف النوائب»

وذكر جماعة من علماء طليطلة أنهم سمعوا أبا عمرو السفاقسي يقول: رأيت محمد ابن إسماعيل البخاري ﵀ في النوم بسفاقس فقلت له: لم لم تخرج في كتابك عن حماد بن سلمة؟. فقال: فجعل يبتسم إلي. فقلت له: من أجل حديث عكرمة؟ فقال لي: وغيره.

قال أبو عمرو: وسمعت أبا نعيم الحافظ يقول: الإجازة على الإجازة قوية جائزة. وحدث عن أبي عمر علماء الأندلس قاطبة في كل بلد دخله من بلدانها. وهو أول من أدخل كتاب غريب الحديث للخطابي الأندلسي. وتوفي ﵀ بعد سنة أربعين وأربع مائة.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.