من «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس» لابن بشكوال (ت ٥٧٨هـ)
محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد بن إبراهيم المري، المعروف: بابن أبي
زمنين: من أهل إلبيرة؛ يكنى: أبا عبد الله. سكن قرطبة.
سمع ببجانة من سعيد فحلون. قرأ عليه مختصر ابن عبد الحكم وأحاديث يسيرة؛ وعامة رواية ابن فحلون عنده، عن أبيه عبد الله بن عيسى عنه، وسمع بقرطبة من محمد بن معاوية القرشي، وإسحاق بن إبراهيم، وأحمد بن مطرف، وأحمد بن الشامة وغيرهم جماعة كثيرة. قال أبو عمرو المقرئ: كان ذا حفظ للمسائل، حسن التصنيف للفقه، وله كتب كثيرة ألفها في الوثائق، والزهد، والمواعظ منها شيء كثير، وولع الناس بها وانتشرت في البلدان يقرض الشعر ويجود صوغه، وكان كثيرا ما يدخل أشعاره في تواليفه فيحسنها بها، وكان له حظٌ وافرٌ من علم العربية، مع حسن هدى واستقامة طريق وظهور نسك، وصدق لهجة، وطيب أخلاق، وترك للدنيا، وإقبال على العبادة، وعمل للآخرة، ومجانبة للسلطان.
وكان: من الورعين البكائيين، الخاشعين، سمعته يقول: أصلنا من تنس. وسئل لم قيل لكم بنوا زمنين؟ فقال: لا أدري. كنت أهاب أبي فلم أسأله عن ذلك. سكن قرطبة دهرا ثم انتقل إلى إلبيرة وسكنها إلى أن توفي بها سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة. وسمعته يقول: ولدت في المحرم سنة أربع وعشرين وثلاث مائة.
ذكره القاضي أبو عمر بن الحذاء وقال: لقيته بقرطبة سنة خمسٍ وتسعين وثلاث مائة، وأجاز لي جميع روايته وتواليفه، وكان ذا نية حسنة، وعلى هدى السلف الصالح. وكان إذا سمع القرآن وقرئ عليه ابتدرت دموعه على خديه.
وكان مولده في ذي الحجة سنة أربع وعشرين وثلاث مائة، وتوفي بالبيرة وطنه سنة تسع وتسعين وثلاث مائة.
وقول ابن الحداد في وفاة ابن أبي زمنين أصح لكثرة من قال به. وما ذكره أبو عمرو من ذلك وهمٌ والله أعلم. وقال ابن عتاب توفي في ربيعٍ الآخر سنة تسع وتسعين وثلاث مائة.
وذكره أبو عبد الله الخولاني وقال: كان رجلا، صالحا، زاهدا من أهل العلم، نافذا في المسائل، قائما بها له مختصر في المدونة: المقرب بسط مسائله وقربها، متقشفا واعظا، وله أشعارٌ حسان في الزهد، والحكم، وتواليف حسان منها حياة القلوب، وأنس المريد وشبه ذلك نفعه الله بها، وكان مع علمه وزهده من أهل السنة متبعا لها.
قال الحميدي: ولأبي زمنين من قوله ﵀:
الموت من كل حين ينشر الكفناونحن في غفلة عما يراد بنا
لا تطمئن إلى الدنيا وزخرفهاوإن توشحت من أثوابها الحسنا
أين الأحبة والجيران ما فعلواأين الذين همو كانوا لنا سكنا
سقاهم الدهر كأسا غير صافيةفصيرتهم لأطباق الثرى وهنا
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع