تجاوز إلى المحتوى

من «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس» لابن بشكوال (ت ٥٧٨هـ)

مكي بن أبي طالب بن محمد بن مختار القيسي المقرئ؛ يكنى: أبا محمد وأصله

من القيروان. سكن قرطبة.

سمع: بمكة من أبي الحسن أحمد بن فراس العبقسي، وأبي الطاهر بن محمد بن محمد من جبريل العجيفي، وأبي القاسم السقطي، وأبي الحسن بن زريق البغدادي، وأبي بكر أحمد بن إبراهيم المروزي، وأبي العباس السوي. وسمع بمصر: من أبي الطيب ابن غلبون وقرأ عليه القرآن وعلى ابنه طاهر. وسمع بالقيروان من أبي محمد بن أبي زيد الفقيه وأبي الحسن القابسي وغيرهما.

قال صاحبه أبو عمر أحمد بن محمد بن مهدي المقرئ: كان نفعه الله من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، حسن الفهم والخلق، جيد الدين والعقل، كثير التأليف في علوم القرآن، محسنا لذلك، مجودا للقراءات السبع، عالما بمعانيها. ولد لتسع بقين من شعبان سنة خمس وخمسين وثلاث مائة. عند طلوع الشمس أو قبل طلوعها بقليل، وكان مولده بالقيروان. ثم أخبرني أنه سافر إلى مصر وهو من ثلاث عشرة سنة في سنة ثمان وستين وثلاث مائة. واختلف بمصر إلى المؤدبين في الحساب، ثم رجع إلى القيروان وكان إكماله لاستظهار القرآن بعد خروجه من الحساب وغيره من الآداب في سنة أربع وسبعين وثلاث مائة. وأكمل القراءات على غير أبي الطيب سنة ست وسبعين ثم نهض إلى مصر ثانية بعد إكماله القراءات بالقيروان في سنة سبع وسبعين وثلاث مائة.

حج تلك السنة حجة الفريضة عن نفسه ثم ابتدأ بالقراءات على أبي الطيب في أول سنة ثمان وسبعين فقرأ عليه بقية سنة ثمان وبعض سنة تسع.

ورجع إلى القيروان وقد بقي عليه بعض القراءات، ثم عاد إلى مصر ثالثة في سنة اثنتين وثمانين فاستكمل ما بقي عليه في سنة اثنتين وبعض سنة ثلاث. ثم عاد إلى القيروان في سنة ثلاث وثمانين وأقام بها يقرئ إلى سنة سبع وثمانين. ثم خرج إلى مكة فأقام بها إلى آخر سنة تسعين وحج أربعة حجج متوالية نوافل. ثم قدم من مكة سنة إحدى وتسعين إلى مصر ثم قدم من مصر إلى القيروان في سنة اثنتين، ثم قدم إلى الأندلس في رجب سنة ثلاث وتسعين، ثم جلس للإقراء بجامع قرطبة فانتفع على يديه جماعات، وجودوا القرآن، وعظم اسمه في البلدة وجل فيها قدره. انتهى ما نقلته من خط ابن مهدي المقرئ ﵀.

قلت نزل أبو محمد مكي بن أبي طالب المقرئ أول قدومه قرطبة في مسجد النخيلة في الرقاقين عند باب العطارين فأقرأ به، ثم نقله المظفر عبد الملك بن أبي عامر إلى جامع الزاهرة وأقرأ فيه حتى انصرمت دولة آل عامر. فنقله محمد بن هشام المهدي إلى المسجد الجامع بقرطبة وأقرأ فيه مدة الفتنة كلها إلى أن قلده أبو الحزم بن جهور الصلاة والخطبة بالمسجد الجامع بعد وفاة القاضي يونس بن عبد الله. وكان قبل ذلك يستخلفه القاضي يونس على الخطبة، وكان ضعيفا عليها على أدبه وفهمه. وبقي خطيبا إلى أن مات ﵀. وكان خيرا فاضلا، متواضعا، متدينا، مشهورا بالصلاح وإجابة الدعوة. من ذلك ما حكاه عنه أبو عبد الله الطرفي المقرئ قال: كان عندنا بقرطبة رجلٌ فيه بعض الحدة وكان له على الشيخ أبي محمد مكي المقرئ تسلط. كان يدنو منه إذا خطب فيغمزه، ويحصي عليه سقطاته. وكان الشيخ كثيرا ما يتلعثم ويتوقف. فجاء ذلك الرجل في بعض الجمع وجعل يحد النظر إلى الشيخ ويغمزه، فلما خرج

ونزل معنا في موضعه الذي كان يقرأ فيه قال لنا: أمنوا على دعائي. ثم رفع يديه وقال: اللهم اكفينه، اللهم اكفينه، اللهم اكفينه فأمنا. قال: فأقعد ذلك الرجل وما دخل الجامع بعد ذلك اليوم.

وتوفي ﵀ يوم السبت ودفن ضحى يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرم سنة سبع وثلاثين وأربع مائة. ودفن بالربض وصلى عليه ابنه أبو طالب محمد بن مكي. ذكر وفاته ابن حيان وغيره.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.