من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
من أخبار نافع بن الأزرق
ويروى عن أبي الجلد أنه نظر إلى نافع بن الأزرق الحنفي وإلى نظره وتوغله وتعمقه، فقال: إني لأجد لجهنم سبعة أبواب، وإن أشدها حراً للخوارج، فاحذر أن تكون منهم.
قال: وكان نافع بن الأزرق ينتجع عبد الله بن العباس فيسأله، فله عنه مسائل من القرآن وغيره، قد رجع إليه في تفسيرها، فقبله وانتحله، ثم غلبت عليه الشقوة، ونحن ذاكرون منها صدراً إن شاء الله.
حدث أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي النسابة، عن أسامة بن زيد، عن عكرمة، قال: رأيت عبد الله بن العباس وعنده نافع بن الأزرق وهو يسأله، ويطلب منه الإحتجاج باللغة، فسأله عن قول الله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾، فقال ابن عباس: وما جمع، فقال: أتعرف ذلك العرب? فقال ابن عباس: أما سمعت قول الراجز:
إن لنا قلائصاً حقائقامستوسقات لو يجدن سائقا
هذا قول ابن عباس: وهو الحق الذي لا يقدح فيه قادح، ويعرض القول فيحتاج المبتدئ إلى أن يزداد في التفسير.
قوله: "حقائقا" إنما بنى الحقة من الإبل - وهي التي قد استحقت أن يحمل عليها - على "فعلية" مثل "حقيقة" ولذلك جمعها على "حقائق" ويقال: "استوسق" القوم، إذا اجتمعوا.
وروى أبو عبيدة في هذا الإسناد - وروى ذلك غيره، وسمعناه من غير وجه - أنه سأله عن قوله ﷿: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ فقال ابن عباس: هو الجدول، فسأله عن الشواهد، فأنشده:
سلماً ترى الدالج منها أزوراإذا يعج في السري هرهرا
السلم: الدلو الذي له عروة واحدة، وهو دلو السقائين، وهو الذي ذكره طرفة فقال:
لها مرفقان أفتلان كأنماأمرا بسلمى دالج متشدد
والدالج: الذي يمشي بالدلو بين البئر والحوض، وأصحاب الحديث ينشدون: "تر الدالي منه أزورا" وهذا خطأ لا وجه له.
وروى أبو عبيدة وغيره: أن نافعاً سأل ابن عباس عن قوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾: ما الزنيم? قال: هو الدعي الملزق، أما سمعت قول حسان بن ثابت:
زنيم تداعاه الرجال زيادةكما زيد في عرض الأديم الأكارع
ويزعم أهل اللغة أن اشتقاق ذلك من الزنمة التي بحلق الشاة، كما يقولون لمن دخل في قوم ليس منهم: زعنفة، وللجمع زعانف، والزعنفة: الجناح من أجنحة السمك.
قال أبو الحسن الأخفش: كذا قال زعنفة، والناس كلهم يقولون: زعنفة بكسر الزاي، وهو الوجه.
ويروى عن غير أبي عبيدة أنه سأله عن قوله جل اسمه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، قال: الشدة بالشدة، فسأله عن الشاهد فأنشده:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضهاوإن شمرتعن ساقها الحرب شمرا
قال أبو العباس: وقرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير قصيدة جرير التي يهجو فيها آل المهلب بن أبي صفرة، ويمدح هلال بن أحوز المازني، ويذكر الوقعة التي كانت لهم عليهم بالسند في سلطان يزيد فن عبد الملك، بسبب خروج يزيد بن المهلب عليه:
أقول لها من ليلة ليس طولهاكطول الليالي ليت صبحك نورا
أخاف على نفس ابن أحوز إنهجلا حمماً فوق الوجوه فأسفرا
جعلت لقبر للخيار ومالكوقبر عدي في المقابر أقبرا
وأطفأت نيران المزون وأهلهاوقد حاولوها فتنة أن تسعرا
فلم تبق منهم راية يعرفونهاولم تبق من آل المهلب عسكرا
ألا رب سامي الطرف من آل مازنإذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا
فهذا نظير ذلك. والمزون: عمان. قال الكميت:
فأما الأزد أزد أبي سعيدفأكره أن أسميها المزونا
وقال آخر يعني الحرب:
فإن شمرت لك عن ساقهافويهاً حذيف ولا تسأم
ويروى عن أبي عبيدة من غير وجه أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: أرأيت نبي الله سليما ﷺ، مع اخوله الله وأعطاه، كيف عني بالهدهد على قلته وضؤولته? فقال له ابن عباس: إنه احتاج إلى الماء، والهدهد قناء، والأرض له كالزجاجة، يرى باطنها من ظاهرها، فسأل عنه لذلك، قال ابن الأزرق: قف يا وقاف، كيف يبصر ما تحت الأرض، والفخ يغطى له بمقدار إصبع من تراب فلا يبصره حتى يقع فيه! فقال ابن عباس: ويحك يا ابن الأزرق! أما علمت أنه إذا جاء القدر عشي البصر.
ومما سأله عنه: ﴿الم, ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فقال ابن عباس: تأويله: هذا القرآن.
هكذا جاء، ولا أحفظ عليه شاهداً عن ابن عباس، وأنا أحسبه أنه لم يقبله إلا بشاهد، وتقديره عند النحويين: إذا قال: "ذلك الكتاب" أنهم قد كانوا وعدوا كتاباً؛ هكذا التفسير، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾؛ ويعني بذلك اليهود، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، فمعناه: هذا الكتاب الذي كنتم تتوقعونه. وبيت خفاف بن ندبة على ذلك يصح معناه. وكان من خبره أنه غزا مع معاوية بن عمرو-أخي الخنساء- مرة وفزارة، فعمد ابنا حرملة: دريد وهاشم المريان عمد معاوية، فاستطرد له أحدهما، فحمل عليه
معاوية، فطعنه، وحمل الآخر على معاوية فطعنه متمكناً، وكان صميم الخيل، فلما تنادوا معاوية: قال خفاف بن ندبة - وهي أمه، وكانت حبشية، وأبوه عمير، وهو أحد بني سليم بن منصور -: قتلني الله إن رمت حتى أثأر به، فحمل على مالك بن حمار - وه سيد بن شمخ بن فزارة - فطعنه فقتله، فقال خفاف بن ندبة:
وإن تك خيلي قد أصيب صميمهافعمداً على عيني تيممت هالكا
وقفت له علوى وقد خام صحبتيلأبني مجداً أو لأثأر هالكا
أقول له والرمح يأطر متنهتأمل خفافاً إنني أنا ذلكا
يريد: أنا ذلك الذي سمعت به. هذا تأويل هذا.
وقوله: "يأطر متنه" أي يثني. يقال: أطرت القوس آطرها أطراً، وهي مأطورة. وعلوى: فرسه.
ومما سأله عنه قوله ﷿: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ "، فقال ابن عباس: غير مقطوع، فقال: هل تعرف ذلك العرب? فقال: قد عرفه أخو بني يشكر حيث يقول:
وترى خلفهن من سرعة الرجــع منيناً كأنه إهباء
قال أبو العباس: منين، يعني الغبار، وذلك أنها تقطعه قطعاً وراءها.
والمنين: الضعيف المؤذن بانقطاع، أنشدني التوزي عن أبي زيد:
يا ريها إن سلمت يمينيوسلم الساقي الذي يليني
ولم تخني عقد المنين
يريد الحبل الضعيف، فهذا هو المعروف. ويقال: منين وممنون، كقتيل ومقتول، وجريح ومجروح. وذكر التوزي في كتاب الأضداد أن المنين يكون القوي، فجعله "فعيلا" من "المنة"، والمعروف هو الأول.
وقال غير ابن عباس: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ لا يمن عليهم فيكدر عندهم.
ويروى من غير وجه أن ابن الأزرق أتى ابن عباس يوماً فجعل يسأله حتى أمله، فجعل ابن عباس يظهر الضجر، وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة على ابن عباس، وهو يومئذ غلام، فسلم وجلس، فقال له ابن عباس: ألا تنشدنا شيئاً من شعرك? فأنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر!
بحاجة نفس لم تقل في جوابهافتبلغ عذراً والمقالة تعذر
تهيم إلى نعم فلا الشمل جامعولا الحبل موصول ولا القلب مقصر
ولا قرب نعم إن دنت لك نافعولا نأيها يسلي ولا أنت تصبر
وأخرى أتت من دون نعم ومثلهاونهى ذا النهى لو يرعوي أو يفكر
إذا زرت نعماً لم يزل ذ قرابةلها كلما لاقيته يتنمر
عزيز عليه أن أمر ببابهامسر لي الشحناء والبغض مظهر
ألكني إليها بالسلام فإنهيشهر إلمامي بها وينكر
بآية ما قالت غداة لقيتهابمدفع أكنان أهذا المشهر!
قفي فانظري يا أسم هل تعرفينهأهذا المغيري الذي كان يذكر!
فقالت: نعم، لا شك غير لونهسرى الليل يحيي نصه والتهجر
لئن كان إياه لقد حل بعدناعن العهد، والإنسان قد يتغير
رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضتفيضحى وأما بالعشي فيخصر
حتى أتمها، وهي ثمانون بيتاً، فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس! أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهاً فتسمعه! فقال: تالله ما سمعت سفهاً، فال ابن الأزرق: أما أنشدك:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضتفيخزى وأما بالعشي فيخسر
فقال: ما هكذا قال، إنما قال "فيضحى وأما بالعشي فيخصر" قال: أو تحفظ الذي قال? قال: والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه، ولو شئت أن أردها لرددتها، قال: فارددها، فأنشده إياها كلها.
وروى الزبيريون أن نافعاً قال له: ما رأيت أروى منك قط. فقال له ابن عباس: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من علي.
وقوله: فيضحى يقول: يظهر للشمس، ويخصر، يقول: في البردن، فإذا ذكر العشي فقد دل على عقيب العشي، قال الله ﵎: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾، والضح: الشمس، وليس من: "ضحيت"، يقال: "جاء فلان بالضح والريح" يراد به الكثرة، قال علقمة:
أغر أبرزه للضح راقبهمقلد قضب الريحان مفغوم
له فغمة، أي رائحة طيبة، يعني إبريقاً فيه شراب؛ وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ لما توجه إلى تبوك جاء أبو خيثمة، وكانت له امرأتان، وقد أعدت كل واحدة منهما من طيب ثمر بستانه، ومهدت له في ظل، فقال: أظل ممدود، وثمرة طيبة، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله في الضح والريح! ما هذا بخير! فركب ناقته ومضى في أثره، وقد قيل لرسول الله في نفر تخلفوا، أبو خيثمة أحدهم، فجعل لا يذكر له أحد منهم إلا قال: "دعوه فإن يرد الله به خيراً يلحقه بكم"، فقيل ذات يوم: يا رسول الله، ترى رجلاً يرفعه الآل، فقال رسول الله ﷺ: "كن أبا خيثمة"، فكانه.
وإذا انبسطت الشمس فهو الضحى مقصور، فإذا امتد النهار وبينهما مقدار ساعة أو نحو ذلك فذلك الضحاء، ممدود مفتوح الأول.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع