من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)
ابن المغربي الحسين بن علي بن الحسين المصري
الوَزِيْرُ، الأَدِيْبُ، البَلَيْغُ، أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْنُ ابْنُ الوَزِيْرِ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدٍ المِصْرِيُّ، المَعْرُوفُ: بِابْنِ المَغْرِبِيِّ.
قَتَلَ الحَاكِمُ أَبَاهُ وَعَمَّه وَإِخْوَتَهُ، فَهَرَبَ هَذَا وَنَجَا، فَأَجَارَهُ أَمِيْرُ العَرَبِ حَسَّانُ بنُ مُفَرِّج الطَّائِيُّ، فَامْتَدَحَهُ، وَأَخَذَ صِلاَتِهِ.
رَوَى عَنِ: الوَزِيْر جَعْفَر بن حِنْزَابه.
وَعَنْهُ: وَلَدُهُ عَبْدُ الحَمِيْدِ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ الطَّيِّب الفَارِقِي.
وَوَزَرَ لِصَاحِب مَيَّافَارِقِيْن أَحْمَدَ بنِ مَرْوَانَ.
وَلَهُ نَظْمٌ فِي الذّروَة، وَرَأْيٌ وَدهَاءٌ وَشهرَةٌ وَجلاَلَةٌ، وَكَانَ جَدُّهُم يُلَقَّبُ بِالمَغْرِبِيّ لِكَوْنِهِ خدم كَاتِباً عَلَى دِيْوَان المَغْرِبِ، وَأَصْلُهُ بَصْرِيٌّ.
وَقَدْ قَصَدَ أَبُو القَاسِمِ الوَزِيْر فَخْرَ المُلك، وَتَوَصَّلَ إِلَى أَنْ وَلِيَ الوزَارَةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَع مائَة.
وَلَهُ ترسُّلٌ فَائِقٌ وَذَكَاءٌ وَقَّاد.
وَقَالَ مِهْيَارٌ الشَّاعِر:وَزر ابْنُ المَغْرِبِيّ بِبَغْدَادَ، وَتَعَظَّمَ وَتَكَبَّرَ، وَرهِبَهُ النَّاسُ، فَانقبضتُ عَنْ لقَائِه، ثُمَّ عَمِلْتُ فِيْهِ قَصِيْدَتِي البَائِيَّة، وَدَخَلْتُ فَأَنْشَدتُهُ، فَرَفَعَ طَرْفَه إِليَّ، وَقَالَ: اجلسْ أَيُّهَا الشَّيْخ! فَلَمَّا بَلَغْتُ:
جَاءَ بِكَ اللهُ عَلَى فَتْرَةٍبآيَةٍ مَنْ يَرَهَا يَعْجَبِ
لَمْ تَأْلَفِ الأَبْصَارُ مِنْ قَبْلِهَاأَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ
فَقَالَ: أَحْسَنْتَ يَا سَيِّدِي.
وَأَعْطَانِي مائَتَي دِيْنَار.
وَمن نظم الوَزِيْر:
وَكُلُّ امرِئٍ يَدْرِي مَوَاقِعَ رُشْدِهِوَلَكِنَّهُ أَعْمَى أَسِيْرُ هَوَاهُ
هَوَى نَفْسِهِ يُعْمِيهِ عَنْ قُبْحِ عَيْبِهِوَيَنْظُرُ، عَنْ حِذْقٍ عُيُوبَ سِوَاهُ
وَقَدْ وَصل القَاضِي ابْنُ خَلِّكَان نسب الوَزِيْر ببَهْرَام جُور، وَقَالَ لَهُ: دِيْوَانُ شِعْر، وَ (مُخْتَصر إِصْلاَح الْمنطق)، وَكِتَاب (الإِينَاس)، وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، وَحَفِظَ كتباً فِي اللُّغَة وَالنَّحْو، وَتَحَفَّظَ مِنَ الشِّعْر نَحْو خَمْسَةَ عَشَرَ أَلف بَيْت، وَبَرَعَ فِي الحسَاب، وَلَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ القَائِلُ:
أَرَى النَّاسَ فِي الدُّنْيَا كَرَاعٍ تَنَكَّرتْ ... مَرَاعِيهِ حَتَّى لَيْسَ فِيْهِنَّ مَرْتَعُ فَمَاءٌ بِلاَ مَرْعَىً وَمَرْعَىً بِغَيْرِ مَا ... وَحَيْثُ يُرَى مَاءٌ وَمَرْعَىً فَمَسْبَعُ
وَكَانَ مِنْ دُهَاةِ العَالَم، هَرَبَ مِنَ الحَاكِمِ، فَأَفْسَدَ نيَّاتِ صَاحِبِ الرَّمْلَة أَقَاربه، وَسَارَ إِلَى الحِجَازِ، فَطَمَّعَ صَاحِبَ مَكَّة فِي الخِلاَفَة، وَأَخْذِ مِصْر، فَانزعج الحَاكِمُ، وَقَلِقَ.
وَهُوَ القَائِلُ وَكَتَبَ إِلَى الحَاكِم:
وَأَنْتَ وَحَسْبِي أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِيلِسَاناً أَمَامَ المَجْدِ يَبْنِي وَيَهْدِمُ
وَلَيْسَ حَلِيْماً مَنْ تُقَبَّلُ كَفُّهُفَيْرْضَى وَلَكِنْ مَنْ تُعَضُّ فَيَحْلُمُ
قَالَ: وَمَاتَ بَمَيَّافَارِقِيْن سَنَة ثَمَان عَشْرَةَ وَأَرْبَع مائَة، فَحُمِلَ تَابُوْتُهُ إِلَى الكُوْفَةِ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ، فَدُفِنَ بقُرْبِ المَشْهَد.
وَكَانَ شِيْعِيّاً.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع