تجاوز إلى المحتوى

من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)

ابن الخياط أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي

شَاعِرُ عَصْرِهِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بن يَحْيَى بنِ صَدَقَة التَّغْلِبِيّ، الدِّمَشْقِيّ، الكَاتِبُ، مِنْ كِبَارِ الأَدبَاء، وَنظمُهُ فِي الذِّرْوَةِ، وَ (دِيْوَانُهُ) شَائِع، عَاشَ سَبْعاً وَسِتِّيْنَ سَنَةً.

وَتُوُفِّيَ: سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة.

وَلَهُ:

أَوَ مَا تَرَى قَلَقَ الغَدِيْرِ كَأَنَّهُيَبْدُو لِعَيْنِكَ مِنْهُ حَلْيُ مَنَاطِقِ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «أو ما ترى قلق الغدير كأنما»
مُتَرَقْرِقٍ لَعِبَ الشُّعَاعُ بِمَائِهِفَارْتَجَّ يَخْفِقُ مِثْلَ ثَلْبِ العَاشِقِ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «أو ما ترى قلق الغدير كأنما»

فَابْن الخَيَّاط الدِّمَشْقِيّ، هُوَ أَحْمَد بن سنِي الدَّوْلَة أَبِي الكَتَائِب الكَاتِب ابْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ مِنْ طَرَابُلُس، وَكَتَبَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بحَمَاة لأَبِي الفوَارس بن مَانك، وَخدمه مُدَّةً، ثُمَّ اشْتُهِرَ بِالشّعر، وَمدحَ المُلُوْكَ وَالأُمَرَاءَ، وَاجتمع بِحَلَبَ بِالأَمِيْر أَبِي الفِتيَان بن حيُّوس، وَرَوَى عَنْهُ، وَعَنِ: السَّابِق مُحَمَّد بن الخَضِر بن أَبِي مَهْزُول المعرِي، وَحَسَّان بن الحُبَابِ، وَأَبِي نَصْرٍ بن الخيسِي، وَعَبْد اللهِ بن أَحْمَدَ بنِ الدويدَة.

رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الطُّليطُلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ القَيْسَرَانِيّ الشَّاعِر، وَتَخَرَّج بِهِ.

وَقَالَ السِّلَفِيّ: كَانَ ابْنُ الخَيَّاط شَاعِرَ الشَّام.

وَقَالَ لِي أَبُو الفوَارس نَجَاءُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ العُمَرِيّ بِدِمَشْقَ سَنَة عَشْرٍ - وَكَانَ شَاعِراً مُفلقاً -:ابْنُ الخَيَّاط فِي عصره أَشعرُ الشَّامِيّين بِلاَ خِلاَف.

قَالَ السِّلَفِيّ: وَقَدِ اخْترتُ مِنْ شِعْرِهِ (مجلدَة) لطيفَة، وَسَمِعتُهَا مِنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ الخَيَّاط: دَخَلتُ فِي الصِّبَا عَلَى الأَمِيْرِ ابْن حيُّوس بِحَلَبَ وَهُوَ مُسِنٌّ، فَأَنشدتُهُ لِي:

لَمْ يَبْقَ عِنْدِي مَا يُبَاعُ بِدِرْهَمٍوَكَفَاكَ عَيْنُ مَنْظَرِي عَنْ مَخْبَرِي
إِلاَّ صُبَابَةَ مَاءِ وَجْهٍ صُنْتُهَامِنْ أَنْ تُبَاعَ وَأَيْنَ أَيْنَ المُشْتَرِي ؟

فَقَالَ لَهُ ابْنُ حيوس: لَوْ قُلْتُ: وَأَنْتَ نِعْمَ المُشْتَرِي، لَكَانَ أَحْسَنَ.

ثُمَّ قَالَ: كَرُمْتَ عِنْدِي، وَنعيتَ إِلَيَّ نَفْسِي، فَإِنَّ الشَّام لاَ يَخلو مِنْ شَاعِر مُجيد، فَأَنْت وَارثي، فَاقصِدْ بنِي عَمَّار بِطَرَابُلُس، فَإِنَّهُم يُحبُّوْنَ هَذَا الفنَّ، ثُمَّ وَصَلَه بِثِيَابٍ، وَدَنَانِيْر، وَمَضَى إِلَى بنِي عَمَّار، فَوصلُوْهُ، وَمدحهُم.

قَالَ العمَادُ الكَاتِب: ابْنُ حيُّوس أَصْنَعُ مِنِ ابْنِ الخَيَّاط، لَكِن لِشعر ابْنِ الخَيَّاط طَلاَوَةٌ لَيْسَتْ لَهُ، وَمَنْ كَانَ يَنظر إِلَى ابْنِ الخَيَّاط، يَعتقِدُه جَمَّالاً أَوْ حَمَّالاً، لِبزَّته وَشكله وَعرضه.

فَمَنْ قَوْله فِي عضد الدَّوْلَة أبق بن عَبْدِ الرَّزَّاقِ الأَمِيْر بِدِمَشْقَ قَصِيدَته المَشْهُوْرَة الفَائِقَة، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِيْنَ بَيْتاً، أَوَّلُهَا:

خُذَا مِنْ صَبَا نَجْدٍ أَمَاناً لِقَلْبِهِفَقَدْ كَانَ رَيَّاهَا يَطِيْرُ بِلُبِّهِ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «خذا من صبا نجد أمانا لقلبه»

وَمدح القَاضِي فَخر الْملك أَبَا عَلِيٍّ بن مُحَمَّدِ بنِ عَمَّارٍ بِطَرَابُلس بِهَذِهِ:

هَبُوا طَيْفَكُمْ أَعْدَى عَلَى النَّاسِ مَسْرَاهُفَمَنْ لِمُشَوِّقٍ إِنْ تَهَوَّمَ جَفْنَاهُ

وَهِيَ طَوِيْلَة.

وَلَهُ فِي الرَّئِيْس وَجيهِ المُلْكِ أَبِي الذّوَاد مُفَرَج بن الحَسَنِ الصُّوْفِيّ:

لَوْ كُنْتَ شَاهِدَ عَبْرَتِي يَوْمَ النَّقَالَمَنَعْتَ قَلْبَكَ بَعْدَهَا أَنْ يَعْشَقَا
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «لو كنت شاهد عبرتي يوم النقا»
وَعَذَرْتَ فِي أَنْ لاَ أُطِيْقَ تَجَلُّداًوَعَجِبْتَ مِنْ أَنْ لاَ أَذُوْبَ تَحَرُّقَا
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «لو كنت شاهد عبرتي يوم النقا»
إِنَّ الظِّبَاءَ غَدَاةَ رَامَةَ لَمْ تَدَعْإِلاَّ حَشَىً قَلِقاً وَقَلْباً شَيِّقَا
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «لو كنت شاهد عبرتي يوم النقا»
سَنَحَتْ وَمَا مَنَحَتْ وَكَمْ مِنْ عَارِضٍقَدْ مَرَّ مُجْتَازاً عَلَيْكَ وَمَا سَقَى
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «لو كنت شاهد عبرتي يوم النقا»

وَهِيَ طَوِيْلَة.

وَلَهُ فِي أَبق الأَمِيْرِ المَذْكُور قصيدتُهُ المَشْهُوْرَة:

سَلُوْا سَيْفَ أَلْحَاظِهِ المُمْتَشَقْأَعِنْدَ القُلُوْبِ دَمٌ لِلْحَدَقْ؟
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «سلوا سيف ألحاظه الممتشق»
أَمَا مِنْ مُعِيْنٍ وَلاَ عَاذِرٍإِذَا عَنَّفَ الشَّوْقُ يَوْماً رَفَقْ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «سلوا سيف ألحاظه الممتشق»
تَجَلَّى لَنَا صَارِمُ المُقْلَتَيْــنِ مَاضِي المُوَشَّحِ وَالمُنْتَطَقْ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «سلوا سيف ألحاظه الممتشق»
مِنَ التُّرْكِ مَا سَهْمُهُ إِذْ رَمَىبِأَفْتَكَ مِنْ طَرْفِهِ إِذْ رَمَقْ
وَليْلَةَ وَافَيْتُهُ زَائِراًسَمِيْرَ السُّهَادِ ضَجِيْعَ القَلَقْ
وَقَدْ رَاضَتِ الكَأْسُ أَخْلاَقَهُوَوَقَّرَ بِالسُّكْرِ مِنْهُ النَّزَقْ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «سلوا سيف ألحاظه الممتشق»
وَخَفَّ العِنَاقُ فَقَبَّلْتُهُشَهِيَّ المُقبَّلِ وَالمُعْتَنَقْ
وَبِتُّ أُخَالِجُ شَكِّي بِهِأَزَوْرٌ طَرَا أَمْ خَيَالٌ طَرَقْ؟
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «سلوا سيف ألحاظه الممتشق»
أُفَكِّرُ فِي الهَجْرِ كَيْفَ انْقَضَىوَأَعْجَبُ لِلوَصْلِ كَيْفَ اتَّفَقْ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «سلوا سيف ألحاظه الممتشق»
فَلِلْحُبِّ مَا عَزَّ مِنِّي وَهَانوَلِلْحُسْنِ مَا جَلَّ مِنْهُ وَدَقْ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «سلوا سيف ألحاظه الممتشق»
لَقَدْ أَبَقَ الدَّمْعُ مِنْ رَاحَتَــيَّ لَمَّا أَحَسَّ بِنُعْمَى أَبَقْ
تَطَاوَحَ يَهْرُبُ مِنْ جُوْدِهِوَمَنْ أَمَّهُ السَّيْلُ خَافَ الغَرَقْ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «سلوا سيف ألحاظه الممتشق»

وَلَهُ فِي أَبِي النّجم هِبَة اللهِ بن بَدِيع الأَصْبَهَانِيّ وَزِيْر الْملك تُتُش، مِنْهَا:

وَخَيْلٍ تَمَطَّتْ بِي وَلَيْلٍ كَأَنَّهُتَرَادُفُ وَفْدِ الهَمِّ أَوْ زَاخِرُ اليَمِّ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «أيا بين ما سلطت إلا على ظلمي»
شَقَقْتُ دُجَاهُ وَالنُّجُوْمُ كَأَنَّهَاقلاَئِدُ نَظْمِي أَوْ مَسَاعِي أَبِي النَّجْمِ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «أيا بين ما سلطت إلا على ظلمي»

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ الطُّليطلِي: كَانَ ابْنُ الخَيَّاط أَوّل مَا دَخَلَ طَرَابُلُس وَهُوَ شَابّ يغشَانِي فِي حَلقتِي، وَيُنشدنِي مَا أَسْتكثرُهُ لَهُ، فَأَتَّهِمُهُ لأَنَّنِي كُنْتُ إِذَا سَأَلتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَدب، لاَ يَقومُ بِهِ، فَوبَّختُهُ يَوْماً عَلَى قِطعَة عملهَا، وَقُلْتُ: أَنْتَ لاَ تَقُوْم بنَحْو وَلاَ لُغَة، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الشِّعر؟

فَقَامَ إِلَى زَاويَة، فَفَكَّر، ثُمَّ قَالَ: اسَمِع:

وَفَاضِلٍ قَالَ إِذْ أَنْشَدْتُهُ نُخَباًمِنْ بَعْضِ شِعْرِي وَشِعْرِي كُلُّهُ نُخَبُ:
لاَ شَيْءَ عِنْدَكَ مِمَّا يَسْتَعِيْنُ بِهِمَنْ شَأْنُهُ مُعْجِزَاتُ النَّظْمِ وَالخُطَبُ
فَلاَ عَرُوْضٌ وَلاَ نَحْوٌ وَلاَ لُغَةٌقُلْ لِي: فَمِنْ أَيْنَ هَذَا الفَضْلُ وَالأَدَبُ؟
فَقُلْتُ قَوْلَ امْرِئٍ صَحَّتْ قَرِيْحَتُهُ:إِنَّ القَرِيحَةَ عِلْمٌ لَيْسَ يُكْتَسَبُ
ذَوْقِي عَرُوضِي وَلَفْظِي جُلُّهُ لُغَتِيوَالنَّحْو طَبْعِي فَهَلْ يَعْتَاقُنِي سَبَبُ ؟

فَقُلْتُ: حسبُك، وَاللهِ لاَ اسْتَعظمتُ لَكَ بَعْدَهَا عَظِيْماً، وَلزَمَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَفَاد مِنَ الأَدب مَا اسْتَقلَّ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ القَيْسَرَانِيّ: وَقَّعَ هِبَةُ اللهِ بن بَدِيع أَبُو النّجم لابْنِ الخَيَّاط بِأَلفِ دِيْنَار، وَهُوَ آخِرُ شَاعِر فِي زَمَانِنَا وَقَّعَ بِأَلف دِيْنَار.

وَلَهُ فِي سديدِ المُلْكِ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ مُقَلِّد بن نَصْرِ بن مُنْقِذ بِشَيْزَرَ:

يَقينِي يَقينِي حَادِثَاتِ النَّوَائِبوَحزمِي حَزْمِي فِي ظُهُوْرِ النَّجَائِبِ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «يقيني يقيني حادثات النوائب»
سَيُنْجِدُنِي جَيْشٌ مِنَ العَزْمِ طَالَمَاغَلَبْتُ بِهِ الخَطْبَ الَّذِي هُوَ غَالِبِي
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «يقيني يقيني حادثات النوائب»
وَمَنْ كَانَ حَرْبَ الدَّهْرِ عَوَّدَ نَفْسَهُقِرَاعَ اللَّيَالِي لاَ قِرَاعَ الكَتَائِبِ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «يقيني يقيني حادثات النوائب»
وَمَا كُلُّ دَانٍ مِنْ مَرَامٍ بِظَافِرٍوَلاَ كُلُّ نَاءٍ عَنْ رَجَاءٍ بِخَائِبِ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «يقيني يقيني حادثات النوائب»
وَإِنَّ الغِنَى مِنِّي لأَدْنَى مَسَافَةًوَأَقْرَبُ مِمَّا بَيْنَ عَيْنِي وَحَاجِبِي
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «يقيني يقيني حادثات النوائب»
سَأَصحَبُ آمَالِي إِلَى ابْنِ مُقَلَّدٍفَتُنْجِحُ مَا أَلوَى الزَّمَانُ بِصَاحِبِ
للشاعر ابن الخياط، من قصيدة «يقيني يقيني حادثات النوائب»

فِي أَبيَات.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الطَّبَقَةُ السَّابِعَةُ وَالعِشرُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.