تجاوز إلى المحتوى

من «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠هـ)

الهرمزان

الصفحة ١ من ٢

وكان من أهل فارس، فلما انقضى أمر جلولاء خرج يزدجرد من حلوان إلى أصبهان ثم أتى إصطخر ووجه الهرمزان إلى تستر فضبطها وتحصن في القلعة ومعه الأساورة وجمع كثير من أهل تستر، وهي في أقصى المدينة مما يلي الجبل، والماء محيط بها، ومادة تأتيهم من أصبهان، فمكثوا كذلك ما شاء الله، وحاصرهم أبو موسى سنتين، ويقال ثمانية عشر شهرا، ثم نزل أهل القلعة على حكم عمر فبعث أبو موسى بالهرمزان إليه ومعه اثنا عشر أسيرا من العجم عليهم الديباج ومناطق الذهب وأسورة الذهب فقدموا بهم المدينة في زيهم ذلك، فجعل الناس يعجبون، فأتوا بهم منزل عمر فلم يصادفوه وجعلوا يطلبونه، فقال الهرمزان بالفارسية: قد ضل ملككم، فقيل لهم هو في المسجد، فدخلوا فوجدوه نائما متوسدا رداءه. فقال الهرمزان: هذا ملككم؟ قالوا: هذا الخليفة، قال: أما له حاجب ولا حارس؟ قالوا: الله حارسه حتى يأتي عليه أجله. فقال الهرمزان: هذا الملك الهنيء. ونظر عمر إلى الهرمزان فقال: أعوذ بالله من النار. ثم قال: الحمد لله الذي أذل هذا وشيعته بالإسلام. وقال عمر للوفد: تكلموا، وإياي وتشقيق الكلام والإكثار. فقال أنس بن مالك: الحمد لله الذي أنجز وعده وأعز دينه وخذل من حاده وأورثنا أرضهم وديارهم وأفاء علينا بأموالهم وأبنائهم وسلطنا عليهم نقتل من شئنا ونستحيي من شئنا. فبكى عمر ثم قال للهرمزان: ما مالك؟ قال: أما ميراثي عن آبائي فعندي، وأما ما كان في يدي من مال الملك وبيوت الأموال فأخذه عاملك. قال: يا هرمزان كيف رأيت الذي صنع الله بكم؟ فلم يجبه، قال: ما لك لا تكلم؟ قال: أكلام حي أكلمك أم كلام ميت؟ قال: أو لست حيا؟ فاستسقى الهرمزان ماء فقال عمر: لا نجمع عليك القتل والعطش.

فدعا له بماء فأتوه بماء في قدح خشب فأمسكه بيده، فقال عمر: اشرب لا بأس عليك، إني غير قاتلك حتى تشربه. فرمى الإناء من يده وقال: يا معشر العرب كنتم وأنتم على غير دين نتعبدكم ونقضيكم ونقتلكم وكنتم أسوأ الأمم عندنا حالا وأخسها منزلة، فلما كان الله معكم لم يكن لأحد بالله طاقة. فأمر عمر بقتله فقال: أو لم تؤمني؟ قال: وكيف؟ قال: قلت لي تكلم لا بأس عليك، وقلت اشرب لا بأس عليك لا أقتلك حتى تشربه. فقال الزبير بن العوام وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري: صدق. فقال عمر: قاتله الله! أخذ أمانا ولا أشعر. وأمر فنزع ما كان على الهرمزان من حلية وديباجه وقال لسراقة بن مالك بن جعثم، وكان نحيفا أسود دقيق الذراعين كأنهما محترقان: البس سواري الهرمزان. فلبسهما ولبس كسوته فقال عمر: الحمد لله الذي سلب كسرى وقومه حليهم وكسوتهم وألبسها سراقة بن مالك بن جعثم. ودعا عمر الهرمزان وأصحابه إلى الإسلام فأبوا، فقال علي: يا أمير المؤمنين فرق بينهم وبين إخوانهم. فحمل عمر الهرمزان وجفينة وغيرهما في البحر وقال: اللهم اكسر بهم. وأراد أن يسيرهم إلى الشام فكسر بهم ولم يغرقوا، فرجعوا فأسلموا، وفرض لهم عمر في ألفين ألفين وسمي الهرمزان عرفطة.

قال المسور بن مخرمة: رأيت الهرمزان بالروحاء مهلا بالحج مع عمر عليه حلة حبرة.

أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأغر المكي قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه بن عبد الرحمن قال: رأيت الهرمزان مهلا بالحج بالروحاء مع عمر بن الخطاب وعليه حلة حبرة. أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن علي بن زيد قال: قال أنس بن مالك: ما رأيت رجلا بطنا ولا أبعد أخمص ولا أبعد ما بين المنكبين من الهرمزان.

ومن هذه الطبقة ممن روى عن عثمان وعلي وعبد الرحمن

ابن عوف وطلحة والزبير وسعد وأبي بن كعب وسهل

ابن حنيف وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت

وغيرهم، ﵏، محمد بن الحنفية

وهو محمد الأكبر بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأمه الحنفية خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. ويقال بل كانت أمه من سبي اليمامة فصارت إلى علي بن أبي طالب، ﵀.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا الحسن بن صالح قال: سمعت عبد الله بن الحسن يذكر أن أبا بكر أعطى عليا أم محمد بن الحنفية.

أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء ابنة أبي بكر قالت: رأيت أم محمد بن الحنفية سندية سوداء وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم.

أخبرنا الفضل بن دكين وإسحاق بن يوسف الأزرق قالا: حدثنا فطر بن خليفة عن منذر الثوري قال: سمعت محمد بن الحنفية قال: كانت رخصة لعلي قال: يا رسول الله إن ولد لي ولد بعدك أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك، قال: نعم.

أخبرنا محمد بن الصلت وخالد بن مخلد قالا: حدثنا الربيع بن المنذر عن أبيه قال: وقع بين علي وطلحة كلام فقال له طلحة: لا كجرأتك على رسول الله، سميت باسمه وكنيت بكنيته وقد نهى رسول

الله أن يجمعهما أحد من أمته بعده. فقال علي: إن الجريء من إجترأ على الله وعلى رسوله، اذهب يا فلان فادع فلانا وفلانا، لنفر من قريش.

قال فجاؤوا فقال: بم تشهدون؟ قالوا: نشهد أن رسول الله، ﷺ، قال إنه سيولد لك بعدي غلام فقد نحلته اسمي وكنيتي ولا تحل لأحد من أمتي بعده.

أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إبراهيم بن عثمان قال: حدثنا أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد أن محمد بن علي كان يكنى أبا القاسم.

أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: كان محمد بن الحنفية يكنى أبا القاسم.

أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن عبد الأعلى أن محمد بن علي كان يكنى أبا القاسم، وكان كثير العلم ورعا. فولد محمد بن الحنفية عبد الله وهو أبو هاشم وحمزة وعليا وجعفرا الأكبر وأمهم أم ولد، والحسن بن محمد، وكان من ظرفاء بني هاشم وأهل العقل منهم وهو أول من تكلم في الإرجاء، ولا عقب له وأمه جمال ابنة قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وإبراهيم بن محمد وأمه مسرعة ابنة عباد بن شيبان بن جابر بن أهيب بن نسيب بن زيد بن مالك بن عوف بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر حليف بني هاشم، والقاسم بن محمد وعبد الرحمن لا بقية له، وأم أبيها وأمهم أم عبد الرحمن واسمها برة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، وجعفرا الأصغر وعونا وعبد الله الأصغر وأمهم أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، وعبد الله بن محمد ورقية وأمهما أم ولد. أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا فطر بن خليفة عن المنذر الثوري قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول، وذكر يوم الجمل قال: لما تصاففنا

أعطاني علي الراية فرأى مني نكوصا لما دنا الناس بعضهم إلى بعض فأخذها مني فقاتل بها. قال فحملت يومئذ على رجل من أهل البصرة، فلما غشيته قال: أنا على دين أبي طالب، فلما عرفت الذي أراد كففت عنه، فلما هزموا قال علي: لا تجهزوا على جريح ولا تتبعوا مدبرا. وقسم فيؤهم بينهم ما قوتل به من سلاح أو كراع، وأخذنا منهم ما أجلبوا به علينا من كراع أو سلاح.

أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الموال عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول: كان أبي يريد أن يغزو معاوية وأهل الشام فجعل يعقد لواءه ثم يحلف لا يحله حتى يسير، فيأبى عليه الناس وينتشر رأيهم ويجبنون فيحله ويكفر عن يمينه، حتى فعل ذلك أربع مرات. وكنت أرى حاله فأرى ما لا يسرني، فكلمت المسور بن مخرمة يومئذ وقلت له: ألا تكلمه أين يسير بقوم لا والله ما أرى عندهم طائلا؟ فقال المسور: يا أبا القاسم يسير لأمر قد حسم، قد كلمته فرأيته يأبى إلا المسير.

قال محمد بن الحنفية: فلما رأى منهم ما رأى قال: اللهم إني قد مللتهم وملوني وأبغضتهم وأبغضوني فأبدلني بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه عن محمد بن كعب القرظي قال: كان على رجالة علي يوم صفين عمار بن ياسر، وكان محمد بن الحنفية يحمل رايته.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أحمد بن خازم عن عمرو بن شراحيل عن حنش بن عبد الله الصنعاني عن عبد الله بن زرير الغافقي، وقد كان شهد صفين مع علي، قال: لقد رأيتنا يوما والتقينا نحن وأهل الشام فاقتتلنا حتى ظننت أنه لا يبقى أحد، فأسمع صائحا يصيح: يا معشر

المسلمين الله الله، من للنساء والولدان، من للروم، من للترك، من للديلم؟ الله الله والبقيا. فأسمع حركة من خلفي فالتفت فإذا علي يعدو بالراية يهرول بها حتى أقامها، ولحقه ابنه محمد فأسمعه يقول: يا بني الزم رايتك فإني متقدم في القوم. فأنظر إليه يضرب بالسيف حتى يفرج له ثم يرجع فيهم.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا فطر بن خليفة عن منذر الثوري قال: كنت عند محمد بن الحنفية فسمعته يقول، ما أشهد على أحد بالنجاة ولا أنه من أهل الجنة بعد رسول الله، ﷺ، ولا على أبي الذي ولدني. قال فنظر القوم إليه، قال: من كان في الناس مثل علي سبق له كذا سبق له كذا؟

أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن أبيه عن أبي يعلى عن محمد بن الحنفية أنه قال وهو في الشعب: لو أن أبي عليا أدرك هذا الأمر لكان هذا موضع رحله.

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا أبو شهاب عن ليث عن محمد الأزدي عن بن الحنفية قال: أهل بيتين من العرب يتخذهما الناس أندادا من دون الله، نحن وبنو عمنا هؤلاء، يعني بني أمية.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا عبثر أبو زييد عن سالم بن أبي حفصة عن منذر أبي يعلى عن محمد بن الحنفية قال: نحن أهل بيتين من قريش نتخذ من دون الله أندادا، نحن وبنو أمية.

حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي حمزة قال: كانوا يسلمون على محمد بن علي: سلام عليك يا مهدي. فقال: أجل أنا مهدي أهدي إلى الرشد والخير، اسمي اسم نبي الله وكنيتي كنية نبي الله فإذا سلم أحكم فليقل سلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أبا القاسم.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا أبو العلاء الخفاف عن المنهال بن عمرو قال: جاء رجل إلى بن الحنفية فسلم عليه فرد ﵇ فقال: كيف أنت؟ فحرك يده فقال: كيف أنتم، أما آن لكم أن تعرفوا كيف نحن؟ إنما مثلنا في هذه الأمة مثل بني إسرائيل في آل فرعون، كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، وإن هؤلاء يذبحون أبناءنا وينكحون نساءنا بغير أمرنا، فزعمت العرب أن لها فضلا على العجم فقالت العجم: وما ذاك؟ قالوا: كان محمدا عربيا، قالوا: صدقتم. قالوا: وزعمت قريش أن لها فضلا على العرب فقالت العرب: وبم ذا؟ قالوا: قد كان محمد قرشيا، فإن كان القوم صدقوا فلنا فضل على الناس.

قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي قال: أخبرنا عمر بن زياد الهذلي عن الأسود بن قيس حدثه قال: لقيت بخراسان رجلا من عزة، قال قلت للأسود: مااسمه؟ قال: لا أدري، قال: ألا عرض عليك خطبة بن الحنفية؟ قال قلت: بلى، قال: انتهيت إليه وهو في رهط يحدثهم فقلت: السلام عليك يا مهدي، قال: وعليك السلام. قال قلت: إن لي إليك حاجة، قال: أسر هي أم علانية؟ قال قلت: بل سر، قال: اجلس، فجلست وحدث القوم ساعة ثم قام فقمت معه، فلما أن دخل دخلت معه بيته، قال: قل بحاجتك، قال فحمدت الله وأثنيت عليه وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله ثم قلت: أما بعد فوالله ما كنتم أقرب قريش إلينا قرابة فنحبكم عبى قرابتكم ولكن كنتم أقرب قريش إلى نبينا قرابة فلذلك أحببناكم على قرابتكم من نبينا، فما زال بنا الشين في حبكم حتى ضربت عليه الأعناق وأبطلت الشهادات وشردنا في البلاد وأوذينا حتى لقد هممت أن أذهب في الأرض قفرا فأعبد الله حتى ألقاه لولا أن يخفى علي أمر آل محمد، وحتى هممت أن أخرج مع أقوام شهادتنا وشهادتهم واحدة على أمرائنا فيخرجون فيقاتلون ونقيم، فقال عمر: يعني

الخوارج، وقد كانت تبلغنا عنك أحاديث من وراء وراء فأحببت أن أشافهك للكلام فلا أسأل عنك أحدا وكنت أوثق الناس في نفسي وأحبه إلي أن أقتدي به، فأرى برأيك وكيف ترى المخرج، أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم. قال فحمد الله محمد بن علي وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أن محمد عبده ورسوله ثم قال: أما بعد فإياكم وهذه الأحاديث فإنها عيب عليكم، وعليكم بكتاب الله ﵎ فإنه به هدي أولكم وبه يهدى آخركم، ولعمري لئن أوذيتم لقد أوذي من كان خيرا منكم. أما قيلك لقد هممت أن أذهب في الأرض قفرا فأعبد الله حتى ألقاه وأجتنب أمور الناس لولا أن يخفى علي أمور آل محمد، فلا تفعل فإنك تلك البدعة الرهبانية، ولعمري لأمر آل محمد أبين من طلوع الشمس، وأما قيلك لقد هممت أن أخرج مع أقوام شهادتنا وشهادتهم واحدة على أمرائنا فيخرجون فيقاتلون ونقيم، فلا تفعل، لا تفارق الأمة، اتق هؤلاء القوم بتقيتهم، قال عمر: يعني بني أمية، ولا تقاتل معهم. قال قلت: وما تقيتهم؟ قال: تحضرهم وجهك عند دعوتهم فيدفع الله بذلك عنك عن دمك ودينك وتصيب من مال الله الذي أنت أحق به منهم. قال قلت: أرأيت إن أطاف بي قتال ليس لي منه بد؟ قال: تبايع بإحدى يديك الأخرى لله، وتقاتل لله، فإن الله سيدخل أقواما بسرائرهم الجنة وسيدخل أقواما بسرائرهم النار، وإني أذكرك الله أن تبلغ عني ما لم تسمع مني أو تقول علي ما لم أقل. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

أخبرنا علي بن عبد الله بن جعفر قال: حدثني سفيان، يعني بن عيينة، قال: حدثني الأسود بن قيس عن رجل عن محمد بن الحنفية قال: بايع بإحدى يديك على الأخرى وقاتل على نيتك.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا قيس عن سعيد بن مسروق عن منذر قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول: إن هذه لصاعقة لا يقوم

لها شيء.

أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل عن محمد بن الحنفية أنه قال له: الزم هذا المكان وكم حمامة من حمام الحرم حتى يأتي أمرنا فإن أمرنا إذا جاء فليس به خفاء كما ليس بالشمس إذا طلعت خفاء، وما يدريك إن قال لك الناس تأتي من المشرق ويأتي الله بها من المغرب، وما يدريك إن قال لك الناس تأتي من المغرب ويأتي الله بها من المشرق، وما يدريك لعلنا سنؤتى بها كما يؤتى بالعروس.

أخبرنا محمد بن الصلت قال: حدثنا الربيع بن المنذر الثوري عن أبيه قال: قال بن الحنفية: من أحبنا نفعه الله وإن كان في الديلم.

أخبرنا محمد بن الصلت قال: أخبرنا الربيع بن المنذر عن أبيه عن بن الحنفية قال: وددت لو فديت شيعتنا هؤلاء ولو ببعض دمي. قال ثم وضع يده اليمنى على اليسرى على المفصل والعروق ثم قال: لحديثهم الكذب وإذاعتهم الشر حتى إنها لو كانت أم أحدهم التي ولدته أغرى بها حتى تقتل.

أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن الحارث الأزدي قال: قال بن الحنفية رحم الله امرأ أغنى نفسه وكف يده وأمسك لسانه وجلس في بيته، له ما احتسب وهو مع من أحب، ألا إن أعمال بني أمية أسرع فيهم من سيوف المسلمين، ألا إن لأهل الحق دولة يأتي بها الله إذا شاء، فمن أدرك ذلك منكم ومنا كان عندنا في السنام الأعلى، ومن يمت فما عند الله خير وأبقى.

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا أبو شهاب عن الحسن بن عمرو عن أبي يعلى عن بن الحنفية قال: من أحب رجلا لله لعدل ظهر منه وهو في علم الله من أهل النار آجره الله على حبه إياه كما لو كان أحب رجلا من أهل الجنة، ومن أبغض رجلا لله لجور ظهر منه وهو في

علم الله من أهل الجنة آجره الله على بغضه إياه كما لو كان أبغض رجلا من أهل النار.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور قالت: كان المختار بن أبي عبيد مع عبد الله بن الزبير في حصره الأول أشد الناس معه ويريه أنه شيعة له، وابن الزبير معجب به ويحمل عليه فلا يسمع عليه كلاما. وكان المختار يختلف إلى محمد بن الحنفية، وكان محمد ليس فيه بحسن الرأي ولا يقبل كثيرا مما يأتي به، فقال المختار: أنا خارج إلى العراق. فقال له محمد: فاخرج وهذا عبد الله بن كامل الهمداني يخرج معك، وقال لعبد الله: تحرز منه واعلم أنه ليس له كبير أمانة. وجاء المختار إلى بن الزبير فقال: اعلم أن مكاني من العراق أنفع لك من مقامي هاهنا. فأذن له عبد الله بن الزبير فخرج هو وابن كامل، وابن الزبير لا يشك في مناصحته، وهو مصر على الغش لابن الزبير. فخرجا حتى لقيا لاقيا بالعذيب فقال المختار: أخبرنا عن الناس، فقال: تركت الناس كالسفينة تجول لا ملاح لها. فقال المختار: فأنا ملاحها الذي يقيمها.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما قدم المختار إلى العراق اختلف إلى عبد الله بن مطيع، وهو والي الكوفة يومئذ لعبد الله بن الزبير، وأظهر مناصحة بن الزبير وعابه في السر، ودعا إلى بن الحنفية وحرض الناس على بن مطيع، واتخذ شيعة، يركب في خيل عظيمة. فلما رأى ذلك بن مطيع خافه فهرب منه إلى عبد الله بن الزبير.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير عن عثمان بن عروة عن أبيه قال: وحدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة وغيرهما قالوا: كان المختار لما قدم الكوفة كان أشد الناس على بن الزبير وأعيبه

له، وجعل يلقي إلى الناس أن بن الزبير كان يطلب هذا الأمر لأبي القاسم، يعني بن الحنفية، ثم ظلمه إياه، وجعل يذكر بن الحنفية وحاله وورعه وأنه بعثه إلى الكوفة يدعو له، وأنه كتب له كتابا فهو لا يعدوه إلى غيره. ويقرأ ذلك الكتاب على من يثق به، وجعل يدعو الناس إلى البيعة لمحمد بن الحنفية فيبايعونه له سرا، فشك قوم ممن بايعه في أمره وقالوا: أعطينا هذا الرجل عهودنا أن زعم أنه رسول بن الحنفية، وابن الحنفية بمكة ليس منا ببعيد ولا مستتر، فلو شخص منا قوم إليه فسألوه عما جاء به هذا الرجل عنه، فإن كان صادقا نصرناه وأعناه على أمره. فشخص منهم قوم فلقوا بن الحنفية بمكة فأعلموه أمر المختار وما دعاهم إليه فقال: نحن حيث ترون محتسبون وما أحب أن لي سلطان الدنيا بقتل مؤمن بغير حق، ولوددت أن الله انتصر لنا بمن شاء من خلقه، فاحذروا الكذابين وانظروا لأنفسكم ودينكم. فانصرفوا على هذا. وكتب المختار كتابا على لسان محمد بن الحنفية إلى إبراهيم بن الأشتر، وجاء فاستأذن عليه، وقيل المختار أمين آل محمد ورسوله، فأذن له وحياه ورحب به وأجلسه معه على فراشه، فتكلم المختار، وكان مفوها، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي، ﷺ، ثم قال: إنكم أهل بيت قد أكرمكم الله بنصرة آل محمد، وقد ركب منهم ما قد علمت، وحرموا ومنعوا حقهم وصاروا إلى ما رأيت، وقد كتب إليك المهدي كتابا، وهؤلاء الشهود عليه. فقال يزيد بن أنس الأسدي وأحمر بن شميط البجلي وعبد الله بن كامل الشاكري وأبو عمرة كيسان مولى بجيلة: نشهد أن هذا كتابه قد شهدناه حين دفعه إليه. فقبضه إبراهيم وقرأه ثم قال: أنا أول من يجيب وقد أمرنا بطاعتك ومؤازرتك فقل ما بدا لك وادع إلى ما شئت. ثم كان إبراهيم يركب إليه في كل يوم فزرع ذلك في صدور الناس، وورد الخبر على بن الزبير فتنكر لمحمد بن الحنفية، وجعل أمر المختار يغلظ في كل

يوم ويكثر تبعه، وجعل يتتبع قتلة الحسين ومن أعان عليه فيقتلهم، ثم بعث إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفا إلى عبيد بن زياد فقتله وبعث برأسه إلى المختار فعمد إليه المختار فجعله في جونة، ثم بعث به إلى محمد بن الحنفية وعلي بن الحسين وسائر بني هاشم، فلما رأى علي بن حسين رأس عبيد الله ترحم على الحسين وقال: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين وهو يتغدى، وأتينا برأس عبيد الله ونحن نتغدى، ولو لم يبق من بني هاشم أحد إلا قام بخطبة في الثناء على المختار والدعاء له وجميل القول فيه، وكان بن الحنفية يكره أمر المختار وما يبلغه عنه ولا يحب كثيرا مما يأتي به، وكان بن عباس يقول: أصاب بثأرنا وأدرك وغمنا وآثرنا ووصلنا. فكان يظهر الجميل فيه للعامة. فلما اتسق الأمر للمختار كتب لمحمد بن علي المهدي: من المختار بن أبي عبيد الطالب بثأر آل محمد، أما بعد فإن الله ﵎ لم ينتقم من قوم حتى يعذر إليهم، وإن الله قد أهلك الفسقة وأشياع الفسقة وقد بقيت بقايا أرجو أن يلحق الله آخرهم بأولهم.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا ربيعة بن عثمان ومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير وإسحاق بن يحيى بن طلحة وهشام بن عمارة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم والحسين بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده وغيرهم أيضا قد حدثني قالوا: لما جاء نعي معاوية بن أبي سفيان إلى المدينة كان بها يومئذ الحسين بن علي ومحمد بن الحنفية وابن الزبير، وكان بن عباس بمكة. فخرج الحسين وابن الزبير إلى مكة، وأقام بن الحنفية بالمدينة حتى سمع بدنو جيش مسرف وأيام الحرة فرحل إلى مكة فأقام مع بن عباس، فلما جاء نعي يزيد بن معاوية وبايع بن الزبير لنفسه ودعا الناس إليه دعا بن عباس ومحمد بن الحنفية إلى البيعة له فأبيا يبايعان له وقالا: حتى يجتمع لك البلاد ويتسق لك الناس. فأقاما على ذلك ما أقاما، فمرة يكاشرهما ومرة يلين لهما ومرة يباديهما، ثم غلظ عليهما فوقع بينهم

كلام وشر، فلم يزل الأمر يغلظ حتى خافا منه خوفا شديدا ومعهما النساء والذرية، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم، وقصد لمحمد بن الحنفية فأظهر شتمه وعيبه وأمره وبني هاشم أن يلزموا شعبهم بمكة، وجعل عليهم الرقباء وقال لهم فيما يقول: والله لتبايعن أو لأحرقنكم بالنار. فخافوا على أنفسهم.

قال سليم أبو عامر: فرأيت محمد بن الحنفية محبوسا في زمزم والناس يمنعون من الدخول عليه فقلت: والله لأدخلن عليه، فدخلت فقلت: ما بالك وهذا الرجل؟ فقال: دعاني إلى البيعة فقلت إنما أنا من المسلمين فإذا اجتمعوا عليك فأنا كأحدهم، فلم يرض بهذا مني، فاذهب إلى بن عباس فأقرئه مني السلام وقل يقول لك بن عمك ما ترى؟

قال سليم: فدخلت على بن عباس وهو ذاهب البصر فقال: من أنت فقلت: أنصاري، فقال: رب أنصاري هو أشد علينا من عدونا. فقلت: لا تخف، فأنا ممن لك كله. قال: هات. فأخبرته بقول بن الحنفية فقال: قل له لا تطعه ولا نعمة عين إلا ما قلت، لا تزده عليه. فرجعت إلى بن الحنفية فأبلغته ما قال بن عباس، فهم بن الحنفية أن يقدم إلى الكوفة وبلغ ذلك إلى المختار فثقل عليه قدومه فقال: إن المهدي علامة يقدم بلدكم هذا فيضربه رجل في السوق بالسيف لا تضره ولا تحيك فيه. فبلغ ذلك بن الحنفية فأقام فقيل له: لو بعثت إلى شيعتك بالكوفة فأعلمتهم ما أنتم فيه. فبعث أبا طفيل عامر بن واثلة إلى شيعتهم بالكوفة، فقدم عليهم فقال: إنا لا نأمن بن الزبير على هؤلاء القوم. وأخبرهم بما هم فيه من الخوف، فقطع المختار بعثا إلى مكة فانتدب منهم أربعة آلاف، فعقد لأبي عبد الله الجدلي عليهم وقال له: سر فإن وجدت بني هاشم في الحياة فكن لهم أنت ومن معك عضدا وانفذ لما أمروك به، وإن وجدت بن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكة حتى تصل إلى بن الزبير ثم لا تدع

من آل الزبير شفرا ولا ظفرا. وقال: يا شرطة الله لقد أكرمكم الله بهذا المسير ولكم بهذا الوجه عشر حجج وعشر عمر. فسار القوم ومعهم السلاح حتى أشرفوا على مكة فجاء المستغيث: اعجلوا فما أراكم تدركونهم. فقال الناس: لو أن أهل القوة عجلوا. فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عطية بن سعد بن جنادة العوفي حتى دخلوا مكة فكبروا تكبيرة سمعها بن الزبير فانطلق هاربا حتى دخل دار الندوة، ويقال بل تعلق بأستار الكعبة وقال: أنا عائذ الله.

قال عطية: ثم ملنا إلى بن عباس وابن الحنفية وأصحابهما في دور قد جمع لهم الحطب فأحيط بهم حتى بلغ رؤوس الجدر لو أن نارا تقع فيه ما رئي منهم أحد حتى تقوم الساعة، فأخرناه عن الأبواب، وعجل علي بن عبد الله بن عباس، وهو يومئذ رجل، فأسرع في الحطب يريد الخروج فأدمى ساقيه، وأقبل أصحاب بن الزبير فكنا صفين نحن وهم في المسجد نهارنا ونهاره لا ننصرف إلا إلى صلاة حتى أصبحنا. وقدم أبو عبد الله الجدلي في الناس فقلنا لابن عباس وابن الحنفية: ذرونا نريح الناس من بن الزبير. فقالا: هذا بلد حرمه الله، ما أحله لأحد إلا للنبي، ﵇. ساعة ما أحله لأحد قبله ولا يحله لأحد بعده، فامنعونا وأجيرونا، قال فتحملوا وإن مناديا لينادي في الجبل: ما غنمت سرية بعد نبيها ما غنمت هذه السرية، إن السرايا تغنم الذهب والفضة وإنما غنمتم دماءنا. فخرجوا بهم حتى أنزلوهم منى فأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا ثم خرجوا إلى الطائف فأقاموا ما أقاموا. وتوفي عبد الله بن عباس بالطائف سنة ثمان وستين وصلى عليه محمد بن الحنفية، وبقينا مع بن الحنفية، فلما كان الحج وحج بن الزبير من مكة فوافى عرفة في أصحابه، ووافى محمد بن الحنفية من الطائف في أصحابه، فوقف بعرفة. ووافى نجدة بن عامر الحنفي تلك السنة في أصحابه من الخوارج فوقف ناحية. وحجت

بنو أمية على لواء فوقفوا بعرفة فيمن معهم.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: وقفت في هذه السنة أربعة ألوية بعرفة: محمد بن الحنفية في أصحابه على لواء قام عند حبل المشاة، وحج بن الزبير في أصحابه معه لواء فقام مقام الإمام اليوم، ثم تتقدم محمد بن الحنفية بأصحابه حتى وقف حذاء بن الزبير، ووافى نجدة الحروري في أصحابه ومعه لواء فوقف خلفهما، ووافت بنو أمية ومعهم لواء فوقفوا عن يسارهما. فكان أول لواء أنغض لواء محمد بن الحنفية، ثم تبعه نجدة، ثم لواء بني أمية، ثم لواء بن الزبير واتبعه الناس.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٦٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع