تجاوز إلى المحتوى

من «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠هـ)

الهرمزان

الصفحة ٢ من ٢

أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني عبد الله بن نافع عن أبيه قال: لم يدفع بن الزبير تلك العشية إلا بدفعة بن عمر، فلما أبطأ بن الزبير، وقد مضى بن الحنفية ونجدة وبنو أمية، قال بن عمر: أينتظر بن الزبير أمر الجاهلية؟ ثم دفع فدفع بن الزبير على أثره.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان قال: سمعت بن الحنفية يقول: دفعت من عرفة حين وجبت الشمس وتلك السنة فبلغني أن بن الزبير يقول: عجل محمد عجل محمد، فعن من أخذ بن الزبير الأغساق؟

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني هشام بن عمارة عن سعيد بن محمد بن جبير عن أبيه قال: أقام الحج تلك السنة بن الزبير وحج عامئذ محمد بن الحنفية في الخشبية معه، وهم أربعة آلاف نزلوا في الشعب الأيسر من منى.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسرائيل عن ثوير قال: رأيت بن الحنفية في الشعب الأيسر من منى في أصحابه.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني هشام بن عمارة عن سعيد بن

محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: خفت الفتنة فمشيت إليهم جميعا فجئت محمد بن علي في الشعب فقلت: يا أبا القاسم اتق الله فإنا في مشعر حرام وبلد حرام، والناس وفد الله إلى هذا البيت، فلا تفسد عليهم حجهم. فقال: والله ما أريد ذلك وما أحول بين أحد وبين هذا البيت، ولا يؤتى أحد من الحاج من قبلي ولكني رجل أدفع عن نفسي من بن الزبير وما يريد مني، وما أطلب هذا الأمر إلا أن لا يختلف علي فيه اثنان، ولكن ائت بن الزبير فكلمه وعليك بنجدة فكلمه.

قال محمد بن جبير: فجئت بن الزبير فكلمته بنحو مما كلمت به بن الحنفية فقال: أنا رجل قد اجتمع علي وبايعني الناس، وهؤلاء أهل خلاف. فقلت: إن خيرا لك الكف، فقال: أفعل. ثم جئت نجدة الحروري فأجده في أصحابه وأجد عكرمة غلام بن عباس عنده، فقلت: استأذن لي على صاحبك، قال فدخل فلم ينشب أن أذن لي فدخلت فعظمت عليه وكلمته بما كلمت به الرجلين فقال: أما أن أبتديء أحدا بقتال فلا ولكن من بدأنا بقتال قاتلناه. قلت: فإني رأيت الرجلين لا يريدان قتالك. ثم جئت شيعة بني أمية فكلمتهم بنحو مما كلمت به القوم فقالوا: نحن على لوائنا لا نقاتل أحدا إلا أن يقاتلنا. فلم أر في تلك الألوية أسكن ولا أسلم دفعة من أصحاب بن الحنفية.

قال محمد بن جبير: وقفت تلك العشية إلى جنب محمد بن الحنفية، فلما غابت الشمس التفت إلي فقال: يا أبا سعيد ادفع، فدفع ودفعت معه فكان أول من دفع.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: رأيت أصحاب بن الحنفية يلبون بعرفة ورمقت بن الزبير وأصحابه فإذا هم يلبون حتى زاغت الشمس، ثم قطع وكذلك فعلت بنو أمية. وأما نجدة فلبى حتى رمى جمرة العقبة.

أخبرنا المعلى بن أسد قال حدثنا عبد العزيز بن المختار قال: حدثنا خالد قال: حدثني أبو العريان المجاشعي قال: بعثنا المختار في ألفي فارس إلى محمد بن الحنفية، قال فكنا عنده، قال فكان بن عباس يذكر المختار فيقول: أدرك ثأرنا وقضى ديوننا وأنفق علينا. قال وكان محمد بن الحنفية لا يقول فيه خيرا ولا شرا، قال فبلغ محمدا أنهم يقولون إن عندهم شيئا، أي من العلم، قال فقام فينا فقال: إنا والله ما ورثنا من رسول الله إلا ما بين هذين اللوحين. ثم قال: اللهم حلا وهذه الصحيفة في ذؤابة سيفي. قال فسألت: وما كان في الصحيفة؟ قال: من أحدث حدثا أو آوى محدثا.

أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن برقان قال: حدثني الوليد الرماح قال: بلغنا أن محمد بن علي أخرج من مكة فنزل شعب علي فخرجنا من الكوفة لنأتيه فلقينا بن عباس، وكان بن عباس معه في الشعب فقال لنا: احصوا سلاحكم ولبوا بعمرة، ثم ادخلوا البيت وطوفوا به وبين الصفا والمروة.

أخبرنا هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف عن ميمون عن وردان قال: كنت في العصابة الذين انتدبوا إلى محمد بن علي، قال: وكان بن الزبير قد منعه أن يدخل مكة حتى يبايعه فأبى أن يبايعه، قال فانتهينا إليه فأراد أهل الشام فمنعه عبد الملك أن يدخلها حتى يبايعه فأبى عليه، قال فسرنا معه ما سرنا ولو أمرنا بالقتال لقاتلنا معه، فجمعنا يوما فقسم فينا شيئا وهو يسير، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: الحقوا برحالكم واتقوا الله عليكم بما تعرفون ودعوا ما تنكرون وعليكم بخاصة أنفسكم ودعوا أمر العامة واستقروا عن أمرنا كما استقرت السماء والأرض، فإن أمرنا إذا جاء كان كالشمس الضاحية.

قالوا: وقتل المختار بن أبي عبيد في سنة ثمان وستين، فلما دخلت

سنة تسع وستين أرسل عبد الله بن الزبير عروة بن الزبير إلى محمد بن الحنفية: إن أمير المؤمنين يقول لك إني غير تاركك أبدا حتى تبايعني أو أعيدك في الحبس وقد قتل الله الكذاب الذي كنت تدعي نصرته، وأجمع علي أهل العراقين، فبايع لي وإلا فهي الحرب بيني وبينك إن امتنعت. فقال بن الحنفية لعروة: ما أسرع أخاك إلى قطع الرحم والاستخفاف بالحق، وأغفله عن تعجيل عقوبة الله، ما يشك أخوك في الخلود وإلا فقد كان أحمد للمختار ولهديه مني، والله ما بعثت المختار داعيا ولا ناصرا، وللمختار كان إليه أشد انقطاعا منه إلينا، فإن كان كذابا فطال ما قربه على كذبه، وإن كان على غير ذلك فهو أعلم به، وما عندي خلاف، ولو كان خلاف ما أقمت في جواره ولخرجت إلى من يدعوني فأبيت ذلك عليه، ولكن هاهنا والله لأخيك قرينا يطلب مثل ما يطلب أخوك، كلاهما يقاتلان على الدنيا: عبد الملك بن مروان. والله لكأنك بجيوشه قد أحاطت برقبة أخيك وإني لأحسب أن جوار عبد الملك خير لي من جوار أخيك، ولقد كتب إلي يعرض علي ما قبله ويدعوني إليه. قال عروة: فما يمنعك من ذلك؟ قال أستخير: الله وذلك أحب إلى صاحبك. قال: أذكر ذلك له. فقال بعض أصحاب محمد بن الحنفية: والله لو أطعتنا لضربنا عنقه. فقال بن الحنفية: وعلى م أضرب عنقه؟ جاءنا برسالة من أخيه وجاورنا فجرى بيننا وبينه كلام فرددناه إلى أخيه. والذي قلتم غدر وليس في الغدر خير، لو فعلت الذي تقولون لكان القتال بمكة وأنتم تعلمون أن رأيي لو اجتمع الناس علي كلهم إلا إنسان واحد لما قاتلته. فانصرف عروة فأخبر بن الزبير بما قال له محمد بن الحنفية، قال والله ما أرى أن تعرض له، دعه فليخرج عنك ويغيب وجهه فعبد الملك أمامه لا يتركه يحل بالشام حتى يبايعه، وابن الحنفية لا يبايعه أبدا حتى يجتمع الناس عليه، فإن صار إليه كفاكه إما حبسه وإما قتله فتكون أنت قد برئت من ذلك. فأفثأ بن الزبير عنه.

فقال أبو الطفيل: وجاء كتاب من عبدالملك بن مروان ورسول حتى دخل الشعب فقرأ محمد بن الحنفية الكتاب فقرأ كتابا لو كتب به عبد الملك إلى بعض إخوته أو ولده ما زاد على ألطافه، وكان فيه: إنه قد بلغني أن بن الزبير قد ضيق عليك وقطع رحمك واستخف بحقك حتى تبايعه فقد نظرت لنفسك ودينك وأنت أعرف به حيث فعلت ما فعلت، وهذا الشام فانزل منه حيث شئت فنحن مكرموك وواصلوا رحمك وعافوا حقك. فقال بن الحنفية لأصحابه: هذا وجه نخرج إليه: قال فخرج وخرجنا معه ومعه كثير عزة ينشد شعراه هذا وجه نخرج إليه قال فخرج وخرجنا معه ومعه كثير عزة ينشد شعرا:

أنت إمام الحق لسنا نمتريأنت الذي نرضى به ونرتجي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أنت إمام الحق لسنا نمتري»

أنت بن خير الناس من بعد النبي … يا بن علي سر ومن مثل علي حتى تحل أرض كلب وبلي … قال أبو الطفيل: فسرنا حتى نزلنا أيلة فجاورونا بأحسن جوار وجاورناهم بأحسن ذلك وأحبوا أبا القاسم حبا شديدا وعظموه وأصحابه، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ولا يظلم أحد من الناس قربنا ولا بحضرتنا. فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فشق ذلك عليه وذكره لقبيصة بن ذؤيب وروح بن زنباع وكانا خاصته فقالا: ما نرى أن ندعه يقيم في قربه منك وسيرته سيرته حتى يبايع لك أو تصرفه إلى الحجاز. فكتب إليه عبد الملك: إنك قدمت بلادي فنزلت في طرف منها، وهذه الحرب بيني وبين بن الزبير كما تعلم، وأنت لك ذكر ومكان، وقد رأيت أن لا تقيم في سلطاني إلا أن تبايع لي، فإن بايعتني فخذ السفن التي قدمت علينا من القلزم وهي مائة مركب فهي لك وما فيها، ولك ألفا ألف درهم أعجل لك منها خمسمائة ألف وألف ألف وخمسمائة ألف آتيتك مع ما أردت من فريضة لك ولولدك ولقرابتك ومواليك ومن معك، وإن أبيت فتحول عن بلدي إلى موضع

لا يكون لي فيه سلطان. قال فكتب إليه محمد بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي إلى عبد الملك بن مروان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فقد عرفت رأيي في هذا الأمر قديما، وإني لست أسفهه على أحد، والله لو اجتمعت هذه الأمة علي إلا أهل الزرقاء ما قاتلتهم أبدا ولا اعتزلتهم حتى يجتمعوا. نزلت مكة فرارا مما كان بالمدينة فجاورت بن الزبير فأساء جواري وأراد مني أن أبايعه فأبيت ذلك حتى يجتمع الناس عليك أو عليه، ثم أدخل فيما دخل فيه الناس فأكون كرجل منهم، ثم كتبت إلي تدعوني إلى ما قبلك فأقبلت سائرا فنزلت في طرف من أطرافك، والله ما عندي خلاف ومعي أصحابي فقلنا بلاد رخيصة الأسعار وندنو من جوارك ونتعرض صلتك. فكتبت بما كتبت به ونحن منصرفون عنك إن شاء الله.

أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي حمزة قال: كنت مع محمد بن علي فسرنا من الطائف إلى أيلة بعد موت بن عباس بزيادة على أربعين ليلة. قال وكان عبد الملك قد كتب لمحمد عهدا على أن يدخل في أرضه هو وأصحابه حتى يصطلح الناس على رجل، فإذا اصطلحوا على رجل بعهد من الله وميثاق كتبه عبد الملك. فلما قدم محمد الشام بعث إليه عبد الملك: إما أن تبايعني وإما أن تخرج من أرضي. ونحن يومئذ معه سبعة آلاف. فبعث إليه محمد بن علي: على أن تؤمن أصحابي، ففعل، فقام محمد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الله ولي الأمور كله وحاكمها، ما شاء الله كان وما لا يشاء لم يكن، كل ما هو آت قريب، عجلتم بالأمر قبل نزوله، والذي نفسي بيده إن في أصلابكم لمن يقاتل مع آل محمد ما يخفى على أهل الشرك أمر آل محمد وأمر آل محمد مستأخر. والذي نفس محمد بيده ليعودن فيكم كما بدأ. الحمد لله الذي حقن دماءكم وأحرز دينكم! من أحب منكم أن يأتي مأمنه إلى بلده آمنا محفوظا فليفعل. فبقي

معه تسعمائة رجل فأحرم بعمرة وقلد هديا فعمدنا إلى البيت فلما أردنا أن ندخل الحرم تلقتنا خيل بن الزبير فمنعتنا أن ندخل، فأرسل إليه محمد: لقد خرجت وما أريد أن أقاتلك ورجعت وما أريد أن أقاتلك، دعنا فلندخل ولنقض نسكنا ثم لنخرج عنك. فأبى، ومعنا البدن قد قلدناها، فرجعنا إلى المدينة فكنا بها حتى قدم الحجاج فقتل بن الزبير ثم سار إلى البصرة والكوفة، فلما سار مضينا فقضينا نسكنا، وقد رأيت القمل يتناثر من محمد بن علي. فلما قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة فمكث ثلاثة أشهر ثم توفي.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسماعيل بن مسلم الطائي عن أبيه قال: كتب عبد الملك بن مروان: من عبد الملك أمير المؤمنين إلى محمد بن علي. فلما نظر إلى عنوان الصحيفة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، الطلقاء ولعناء رسول الله، ﷺ، على منابر الناس، والذي نفسي بيده إنها لأمور لم يقر قرارها.

قال أبو الطفيل: فانصرفنا راجعين فأذن للموالي ولمن كان معه من أهل الكوفة والبصرة فرجعوا من مدين، ومضينا إلى مكة حتى نزلنا معه الشعب بمنى، فما مكثنا إلا ليلتين أو ثلاثا حتى أرسل إليه بن الزبير أن اشخص من هذا المنزل ولا تجاورنا فيه. قال بن الحنفية: اصبر وما صبرك إلا بالله وما هو بعظيم من لا يصبر على ما لا يجد من الصبر عليه بدا حتى يجعل الله له منه مخرجا، والله ما أردت السيف ولو كنت أريده ما تعبث بي بن الزبير ولو كنت أنا وحدي ومعه جموعه التي معه، ولكن والله ما أردت هذا وأرى بن الزبير غير مقصر عن سوء جواري فسأتحول عنه. ثم خرج إلى الطائف فلم يزل بها مقيما حتى قدم الحجاج لقتال بن الزبير لهلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، فحاصر بن الزبير حتى قتله يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادي الآخرة. وحج بن الحنفية تلك السنة من الطائف ثم رجع إلى شعبة فنزله.

أخبرنا محمد بن عمر عن عبد الرحمن بن أبي الموال عن الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية عن أبيه قال: لما صار محمد بن علي إلى الشعب سنة اثنتين وسبعين وابن الزبير لم يقتل والحجاج محاصره أرسل إليه أن يبايع لعبد الملك، فقال بن الحنفية: قد عرفت مقامي بمكة وشخوصي إلى الطائف وإلى الشام، كل هذا إباء مني أن أبايع بن الزبير أو عبد الملك حتى يجتمع الناس على أحدهما، وأنا رجل ليس عندي خلاف، لما رأيت الناس اختلفوا اعتزلتهم حتى يجتمعوا، فأويت إلى أعظم بلاد الله حرمة يأمن فيه الطير فأساء بن الزبير جواري، فتحولت إلى الشام فكره عبد الملك قربي، فتحولت إلى الحرم فإن يقتل بن الزبير ويجتمع الناس على عبد الملك أبايعك. فأبى الحجاج أن يرضى بذلك منه حتى يبايع لعبد الملك، فأبى ذلك بن الحنفية وأبى الحجاج أن يقره على ذلك. فلم يزل محمد يدافعه حتى قتل ابن الزبير.

أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدثني سهل بن عبيد بن عمرو الحارثي قال: لما بعث عبد الملك الحجاج إلى مكة والمدينة قال له: إنه ليس لك على محمد بن الحنفية سلطان. قال فلما قدم الحجاج أرسل إليه الحجاج يتوعده ثم قال: إني لأرجو أن يمكن الله منك يوما من الدهر ويجعل لي عليك سلطانا فأفعل وأفعل. قال: كذبت يا عدو نفسه! ألأشعرت أن لله في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة أو نفخة؟ فأرجو أن يرزقني الله بعض لحظاته أو نفحاته فلا يجعل لك علي سلطانا. قال فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك فكتب بها عبد الملك إلى صاحب الروم فكتب إليه صاحب الروم: إن هذه والله ما هي من كنزك ولا كنز أهل بيتك ولكنها من كنز أهل بيت نبوة.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن صالح بن كيسان عن الحسن بن محمد بن علي قال: لم يبايع أبي الحجاج، لما قتل بن الزبير بعث الحجاج إليه فجاء فقال: قد قتل الله عدو الله، فقال ابن

الحنفية: إذا بايع الناس بايعت. قال: والله لأقتلنك! قال: أو لا تدري أن لله في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة في كل لحظة ثلاثمائة وستون قضية؟ فلعله يكفيناك في قضية من قضاياه.

قال فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك فأتاه كتابه فأعجبه، وكتب به إلى صاحب الروم وذلك أن صاحب الروم، كتب إليه يهدده أنه قد جمع له جموعا كثيرة، فكتب عبد الملك بذلك الكلام إلى صاحب الروم، وكتب: قد عرفنا أن محمدا ليس عنده خلاف وهو يأتيك ويبايعك فأرفق به. فملا اجتمع الناس على عبد الملك وبايع بن عمر قال بن عمر لابن الحنفية: ما بقي شيء فبايع. فكتب بن الحنفية إلى عبد الملك: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من محمد بن علي، أما بعد فإني لما رأيت الأمة قد اختلفت اعتزلتهم، فلما أفضى هذا الأمر إليك وبايعك الناس كنت كرجل منهم أدخل في صالح ما دخلوا فيه، فقد بايعتك وبايعت الحجاج لك وبعثت إليك ببيعتي، ورأيت الناس قد اجتمعوا عليك، ونحن نحب أن تؤمننا وتعطينا ميثاقا على الوفاء فإن الغدر لا خير فيه، فإن أبيت فإن أرض الله واسعة. فلما قرأ عبد الملك الكتاب قال قبيصة بن ذؤيب وروح بن زنباع: ما لك عليه سبيل، ولو أراد فتقا لقدر عليه، ولقد سلم وبايع فنرى أن تكتب إليه بالعهد والميثاق بالأمان له والعهد لأصحابه. ففعل فكتب إليه عبد الملك: إنك عندنا محمود، أنت أحب وأقرب بنا رحما من بن الزبير، فلك العهد والميثاق وذمة الله وذمة رسوله أن لا تهاج ولا أحد من أصحابك بشيء تكرهه، ارجع إلى بلدك واذهب حيث شئت، ولست أدع صلتك وعونك ما حييت. وكتب إلى الحجاج يأمره بحسن جواره وإكرامه، فرجع بن الحنفية إلى المدينة.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: لما صار محمد بن علي إلى المدينة وبنى داره بالبقيع

كتب إلى عبد الملك يستأذنه في الوفود عليه، فكتب إليه عبد الملك يأذن له في أن يقدم عليه، فوفد عليه سنة ثمان وسبعين وهي السنة التي مات فيها جابر بن عبد الله، فقدم على عبد الملك بدمشق فاستأذن عليه فأذن له وأمر له بمنزل قريب منه، وأمر أن يجرى عليه نزل يكفيه ويكفي من معه. وكان يدخل على عبد الملك في إذن العامة، إذا أذن عبد الملك بدأ بأهل بيته ثم أذن له فسلم، فمرة يجلس ومرة ينصرف. فلما مضى من ذلك شهر أو قريب منه كلم عبد الملك خاليا فذكر قرابته ورحمه وأمره أن يرفع حوائجه. فرفع محمد دينه وحوائجه وفرائض لولده ولغيرهم من حامته ومواليه فأجابه عبد الملك إلى ذلك كله وتعسر عليه في الموالي لأن يفرض لهم وألح عليه محمد ففرض لهم فقصر بهم فكلمه فرفع في فرائضهم، فلم يبق له حاجة إلا قضاها، واستأذنه في الانصراف فأذن له.

أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال بن الحنفية: وفدت على عبد الملك فقضى حوائجي وودعته، فلما كدت أن أتوارى من عينيه ناداني: أبا القاسم أبا القاسم! فكررت فقال لي: أما تعلم أن الله يعلم أنك يوم تصنع بالشيخ ما تصنع ظالم له؟ يعني حين أخذ بن الحنفية مروان بن الحكم يوم الدار فدعثه بردائه قال عبد الملك: وأنا أنظر إليه ولي يومئذ ذؤابة.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن عبيدة عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: قال وفدت مع أبان بن عثمان على عبد الملك بن مروان وعنده بن الحنفية، فدعا عبد الملك بسيف النبي، ﷺ، فأتي به ودعا بصقيل فنظر إليه فقال: ما رأيت حديدة قط أجود منها. قال عبد الملك: ولا والله ما أرى الناس مثل صاحبها. يا محمد هب لي هذا السيف فقال محمد: أينا رأيت أحق به فليأخذه. قال عبد الملك:

إن كان لك قرابة فلكل قرابة وحق. قال: فأعطاه محمد عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين إن هذا، يعني الحجاج وهو عنده، قد آذاني واستخف بحقي، ولو كانت خمسة دراهم أرسل إلي فيها. فقال عبد الملك: لا إمرة لك عليه. فلما ولي محمد قال عبد الملك للحجاج: أدركه فسل سخيمته. فأدركه فقال: إن أمير المؤمنين أرسلني إليك لأسل سخيمتك ولا مرحبا بشء ساءك. فقال محمد: ويحك يا حجاج اتق الله واحذر الله، ما من صباح يصبحه العباد إلا لله في كل عبد من عباده ثلاثمائة وستون لحظة إن أخذ أخذ بمقدرة وإن عفا عفا بحلم، فاحذر الله. فقال له الحجاج: لا تسألني شيئا إلا أعطيتكه. فقال له محمد: وتفعل؟ قال له الحجاج: نعم. قال: فإني أسألك صرم الدهر. قال فذكر الحجاج ذلك لعبد الملك. فأرسل عبد الملك إلى رأس الجالوت فذكر له الذي قال محمد وقال: إن رجلا منا ذكر حديثا ما سمعناه إلا منه. وأخبره بقول محمد، فقال رأس الجالوت: ما خرجت هذه الكلمة إلا من بيت نبوة.

أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أن الحجاج أراد أن يضع رجله على المقام فزجره بن الحنفية ونهاه.

أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجعد قال: رأيت محمد بن الحنفية دخل الكعبة فصلى في كل زاوية ركعتين، ثماني ركعات.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا سفيان قال: قال محمد بن الحنفية: لا تذهب الدنيا حتى تكون خصومات الناس في ربهم.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا أبو معاوية الضرير عن أبي مالك قال: رأيت بن الحنفية يرمي الجمار على برذون أشهب.

قال: أخبرنا محمد بن عبيد قال: حدثني سفيان التمار قال: رأيت محمد بن الحنفية موسعا رأسه بالحناء والكتم يوم التروية وهو محرم.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسرائيل قال: حدثني ثوير قال: رأيت محمد بن الحنفية يخضب بالحناء والكتم.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني مروان بن معاوية عن سفيان التمار قال: رأيت بن الحنفية أشعر بدنه في الشق الأيمن.

أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: حدثنا سفيان عن سليمان الشيباني قال: رأيت على محمد بن الحنفية مطرف خز أصفر بعرفة.

أخبرنا أبو معاوية الضرير عن أبي إسحاق الشيباني قال: رأيت على بن الحنفية مطرف خز بعرفات.

أخبرنا سعيد بن محمد الثقفي عن رشدين قال: رأيت محمد بن الحنفية يعمم بعمامة سوداء حرقانية ويرخيها شبرا أو أقل من شبر.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيت على محمد بن الحنفية عمامة سوداء.

أخبرنا القاسم بن مالك المزني عن نصر بن أوس قال: رأيت على محمد بن علي بن الحنفية ملحفة صفراء وسخة.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال: قال لي محمد بن الحنفية: ما منعك أن تلبس الخز فإنه لا بأس به؟ قلت: إنه يجعل فيه الحرير.

أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين قالا: حدثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال: رأيت بن الحنفية يخضب بالحناء والكتم فقلت له: أكان علي يخضب؟ قال: لا، قلت: فما لك؟ قال: أتشبب به للنساء.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا أبو نعيم الخزاز قال: سمعت صالح بن ميسم قال: رأيت في يد محمد بن علي بن الحنفية أثر الحناء

فقلت له: ما هذا؟ فقال: كنت أخضب أمي.

أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا: حدثنا سفيان عن سالم بن أبي حفصة عن أبي يعلى عن محمد بن الحنفية أنه كان يذوب أمه ويمشطها.

أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيت محمد بن الحنفية مخضوبا بالحناء، ورأيته مكحول العينين، ورأيت عليه عمامة سوداء.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال: أرسلني أبي إلى محمد بن الحنفية فدخلت عليه وهو مكحول العينين مصبوغ اللحية بحمرة فرجعت إلى أبي فقلت: أرسلتني إلى شيخ مخنث! فقال يا بن اللخناء ذاك محمد بن علي.

أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا فطر بن خليفة عن منذر الثوري عن بن الحنفية أنه كان يشرب نبيذ الدن.

أخبرنا محمد بن الصلت قال: حدثنا الربيع بن المنذر عن أبيه قال: كنا مع بن الحنفية فأراد أن يتوضأ وعليه خفان فنزع خفيه ومسح على قدميه.

أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي عن إسماعيل الأزرق عن أبي عمر أن بن الحنفية كان يغتسل في العيدين وفي الجمعة وفي الشعب. قال وكان يغسل أثر المحاجم.

أخبرنا يعلى بن عبيد قال: أخبرنا رشدين بن كريب قال: رأيت بن الحنفية يتختم في يساره.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا علي بن عمر بن علي بن حسين عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سمعت بن الحنفية سنة حدى وثمانين يقول: هذه لي خمس وستون سنة قد جاوزت سن أبي، توفي وهو ابن

ثلاث وستين سنة. ومات ابن الحنفية في تلك السنة، سنة إحدى وثمانين.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا زيد بن السائب قال: سألت أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية: أين دفن أبوك؟ فقال: بالبقيع. قلت: أي سنة؟ قال: سنة إحدى وثمانين في أولها، وهو يومئذ ابن خمس وستين سنة لا يستكملها.

قال محمد بن سعد: ولا نعلمه روى عن عمر شيئا.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني زيد بن السائب قال: سمعت أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية يقول وأشار إلى ناحية من البقيع فقال: هذا قبر أبي القاسم، يعني أباه، مات في المحرم في سنة إحدى وثمانين، وهي سنة الجحاف، سيل أصاب أهل مكة جحف الحاج. قال فلما وضعناه في البقيع جاء أبان بن عثمان بن عفان وهو الوالي يومئذ على المدينة لعبد الملك بن مروان ليصلي عليه فقال: أخي ما ترى؟ فقلت: لا يصلي عليه أبان إلا أن يطلب ذلك إلينا. فقال أبان: أنتم أولى بجنازتكم، من شئتم فقدموا من يصلي عليه. فقلنا: تقدم فصل. فتقدم فصلى عليه.

قال محمد بن عمر: فحدثت زيد بن السائب فقلت إن عبد الملك بن وهب أخبرني عن سليمان بن عبد الله عن عويمر الأسلمي أن أبا هاشم قال يومئذ: نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذلك ما قدمناك.

فقال زيد بن السائب: هكذا سمعت أبا هاشم يقول، فتقدم فصلى عليه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٦٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الطبقة الأولى من أهل المدينة من التابعين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.