تجاوز إلى المحتوى

من «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠هـ)

عمر بن عبد العزيز

الصفحة ١ من ٢

ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب بن نفيل من بني عدي بن كعب ويكنى أبا حفص. فولد عمر بن عبد العزيز عبد الله وبكرا وأم عمار وأمهم لميس بنت علي بن الحارث بن عبد الله بن الحصين ذي الغصة بن يزيد بن شداد بن قنان الحارثي، وإبراهيم بن عمر وأمه أم عثمان بنت شعيب بن زبان بن الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب، وإسحاق بن عمر ويعقوب وموسى درجوا وأمهم فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وعبد الملك بن عمر والوليد وعاصما ويزيد وعبد الله وعبد العزيز وزبانا وأمه وأم عبد الله وأمهم أم ولد.

قالوا: ولد عمر سنة ثلاث وستين وهي السنة التي ماتت فيها ميمونة زوج النبي، ﷺ.

أخبرنا عبيد الله بن محمد بن عائشة القرشي ثم التيمي قال: حدثنا محمد بن عمر بن أبي شميلة عن جويرية بن أسماء عن نافع قال: قال عمر بن الخطاب ليت شعري من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا.

قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: حدثنا أبو المليح عن خصيف قال: رأيت في المنام رجلا قاعدا عن يمينه رجل وعن شماله رجل إذ أقبل عمر بن عبد العزيز فأراد أن يجلس بين الذي عن يمينه وبينه، قال فلصق بصاحبه فدار فأراد أن يجلس بينه وبين الذي عن يساره فلصق به، فجذبه الأوسط فأقعده في حجره، قال قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله وهذا أبو بكر وهذا عمر.

قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا المبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال: كنت أسمع بن عمر كثيرا يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا.

أخبرنا يزيد بن هارون عن الماجشون عن عبد الله بن دينار قال: قال بن عمر إنا كنا نتحدث أن هذا الأمر لا ينقضي حتى يلي هذه الأمة رجل من ولد عمر يسير فيها بسيرة عمر بوجهه شامة. قال فكنا نقول هو بلال بن عمر وكانت بوجهه شامة، قال حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.

قال يزيد: ضربته دابة من دواب أبيه فشجته، قال فجعل أبوه يمسح الدم ويقول: سعدت إن كنت أشج بني أمية.

قال: أخبرنا أحمد بن أبي إسحاق قال: حدثنا إبراهيم بن عياش قال: حدثني ضمرة عن بن أبي شوذب قال: لما أراد عبد العزيز بن مروان أن يتزوج أم عمر بن عبد العزيز قال لقيمه: اجمع لي أربعمائة دينار من طيب مالي فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح. قال فتزوج أم عمر بن عبد العزيز.

أخبرنا محمد بن عمر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: ولي عمر بن عبد العزيز المدينة في شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وهو بن خمس وعشرين سنة، ولاها إياه الوليد بن عبد الملك حين استخلف فولى عمر على قضاء المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الصمد بن محمد السعدي قال: أخبرني حفص بن عمر بن أبي طلحة الأنصاري قال: لما أراد عمر بن عبد العزيز أن يحج من المدينة وهو واليها في خلافة الوليد بن عبد الملك دخل عليه أنس بن مالك وهو يومئذ بالمدينة فقال: يا أبا حمزة ألا تخبرنا

عن خطب النبي، ﷺ؟ فقال: خطب رسول الله بمكة قبل التروية بيوم، وخطب بعرفة يوم عرفة، وخطب بمنى الغد من يوم النحر والغد من يوم النفر.

قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن يحيى بن سعيد أو عن شريك بن أبي نمر، لا يدري أيهما حدثه، عن أنس بن مالك قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله، ﷺ، من هذا الفتى، يعني عمر بن العزيز.

قال الضحاك: فكنت أصلي وراءه فيطيل الأولتين من الظهر ويخفف الآخرتين ويخف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل.

قال محمد بن عمر: سمعت الضحاك يحدث به عن شريك بن أبي نمر ولم يشك فيه.

قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن الضحاك قال: رأيت عمر بن عبد العزيز ذهب به الكلام وهو على المنبر ثم رجع فقال: أستغفر الله أستغفر الله!

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا عبد المبارك قال: حدثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يمشي إلى العيد.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا أبو إسرائيل وذكر عمر بن عبد العزيز قال: حدثني علي بن بذيمة قال: رأيته بالمدينة وهو أحسن الناس لباسا ومن أطيب الناس ريحا ومن أخيل الناس في مشيه، ثم رأيته بعد يمشي مشية الرهبان، فمن حدثك أن المشي سجية فلا تصدقه بعد عمر.

قال: أخبرنا روح بن عبادة قال: أخبرنا أسامة بن زيد قال: قال

عمر بن عبد العزيز لقاضيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: ما وجدت من أمر هو ألذ عندي من حق وافق هوى.

أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد قال: حدثنا يحيى أن عمر بن عبد العزيز كان يصوم الإثنين والخميس.

قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال: أخبرنا عبد الجبار بن أبي معن قال: سمعت سعيد بن المسيب وسأله رجل فقال له: يا أبا محمد من المهدي؟ فقال له سعيد: أدخلت دار مروان؟ قال: لا، قال: فادخل دار مروان تر المهدي. قال فأذن عمر بن عبد العزيز للناس فانطلق الرجل حتى دخل دار مروان فرأى الأمير والناس مجتمعين، ثم رجع إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا محمد دخلت دار مروان فلم أر أحدا أقول هذا المهدي. فقال له سعيد بن المسيب وأنا أسمع: هل رأيت الأشج عمر بن عبد العزيز القاعد على السرير؟ قال: نعم، قال: فهو المهدي.

أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدثني مسلمة أبو سعيد قال: سمعت العرزمي يقول: سمعت محمد بن علي يقول: النبي منا والمهدي من بني عبد شمس ولا نعلمه إلا عمر بن عبد العزيز. قال وهذا في خلافة عمر بن عبد العزيز.

أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثني أبو بكر بن الفضل بن المؤتمر العتكي قال: حدثني أبو يعفور عن مولى لهند بنت أسماء قال: قلت لمحمد بن علي: إن الناس يزعمون أن فيكم مهديا، فقال: إن ذاك كذاك ولكنه من بني عبد شمس. قال كأنه عنى عمر بن عبد العزيز.

قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل قال: حدثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت فاطمة بنت علي بن أبي طالب ذكرت عمر بن عبد العزيز فأكثرت الترحم عليه وقالت: دخلت عليه وهو أمير المدينة يومئذ فأخرج عني كل خصى وحرسى حتى لم يبق في البيت أحد غيري وغيره، ثم قال: يا ابنة

علي والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إلي منكم ولأنتم أحب إلي من أهل بيتي.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليا عليها كتب حاجبه الناس ثم دخلوا فسلموا عليه، فلما صلى الظهر دعا عشرة نفر من فقهاء البلد: عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعبد الله بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عامر بن ربيعة وخارجة بن زيد بن ثابت. فحمد الله وأثنى عليه بمت هو أهله ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأحرج بالله على أحد بلغه ذلك إلا أبلغني. فجزوه خيرا وافترقوا.

أخبرنا علي بن محمد عن فضل بن السراج عن حجاج الصواف قال: أمرني عمر بن عبد العزيز وهو وال على المدينة أن أشتري له ثيابا فاشتريت له ثيابا فكان فيها ثوب باربعمائة، فقطعه قميصا ثم لمسه بيده فقال: ما أخشنه وأغلظه! ثم أمر بشراء ثوب له وهو خليفة فاشتروه بأربعة عشر درهما فلمسه بيده فقال: سبحان الله ما ألينه وأدقه!

قال: أخبرنا علي بن محمد عن طعمة بن غيلان ومحمد بن خالد قالا: كان عمر بن عبد العزيز من أعطر قريش وألبسها، فلما استخلف كان من أخسهم ثوبا وأجشبهم عيشا وقدم الفضول.

أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرني إبراهيم بن محمد بن عمار بن سعد القرظ عن أبيه قال: كنا نؤذن عمر بن عبد العزيز في داره للصلاة فنقول: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح

الصلاة رحمك الله. وفي الناس الفقهاء لا ينكرون ذلك.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا إبراهيم بن محمد عن أبيه قال: قال عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة: إذا أذنت للظهر أو العتمة فصل ركعتين ثم اقعد قدر ما تظن أن قد سمعك رجل من أقصى المدينة فقضى حاجته وتوضأ ولبس ثيابه ومشى مشيا رفيقا حتى يأتي المسجد فيصلي فيه أربع ركعات ثم قعد، فأقم بقدر ذلك.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: سمعت عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة يقول: كان عمر بن عبد العزيز يؤمنا بالمدينة فلا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.

أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا معاذ بن محمد عن عمران بن أبي أنس عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يسلم واحدة وجاه القبلة: السلام عليكم.

أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا داود بن خالد أبو سليمان عن سهيل بن أبي سهيل قال: سمعت رجاء بن حيوة يقول: لما كان يوم الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثيابا خضرا من خز ونظر في المرآة فقال: أنا والله الملك الشاب. فخرج إلى الصلاة يصلي بالناس الجمعة فلم يرجع حتى وعك فلما ثقل كتب كتابا عهده إلى ابنه أيوب، وهو غلام لم يبلغ، فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين، إنه مما يحفظ به الخليفة في قبره أن يستخلف الرجل الصالح. وقال سليمان: كتاب أستخير الله فيه وأنظر ولم أعزم عليه. فمكث يوما أو يومين ثم خرقه ثم دعاني فقال: ما ترى في داود بن سليمان؟ فقلت: هو غائب بقسطنطينية وأنت لا تدري أحي هو أم ميت. قال: يا رجاء فمن ترى؟ قال فقلت: رأيك يا أمير المؤمنين، وأنا أريد أن أنظر من يذكر. فقال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه والله فاضلا خيارا مسلما. فقال: هو على ذلك، والله لئن

وليته ولم أول أحدا من ولد عبد الملك لتكونن فتنة ولا يتركونه أبدا يلي عليهم إلا أن أجعل أحدهم بعده. ويزيد بن عبد الملك يومئذ غائب على الموسم. قال: فيزيد بن عبد الملك أجعله بعده فإن ذلك مما يسكنهم ويرضون به. قلت: رأيك، قال فكتب بيده: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني وليته الخلافة بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم. وختم الكتاب فأرسل إلى كعب بن حامز صاحب شرطه أن مر أهل بيتي فليجتمعوا. فأرسل إليهم كعب فجمعهم ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي هذا إليهم فأخبرهم أنه كتابي، ومرهم أن يبايعوا من وليت. قال ففعل رجاء، فلما قال لهم ذلك رجاء قالوا: سمعنا وأطعنا لمن فيه، وقالوا: ندخل فنسلم على أمير المؤمنين، قال: نعم. فدخلوا فقال لهم سليمان: هذا الكتاب، وهو يشير لهم وهم ينظرون إليه في يد رجاء بن حيوة، هذا عهدي فاسمعوا وأطيعوا وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب. قال فبايعوه رجلا رجلا. قال ثم خرج بالكتاب مختوما في يد رجاء.

قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبا المقدام إن سليمان كانت لي به حرمة ومودة وكان بي برا ملطفا فأنا أخشى أن يكون قد أسند إلي من هذا الأمر شيئا فأنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر الساعة. فقال رجاء: لا والله ما أنا بمخبرك حرفا واحدا. قال فذهب عمر غضبان.

قال رجاء: ولقيني هشام بن عبد الملك، فقال: يا رجاء إن لي بك حرمة ومودة قديمة وعندي شكر، فأعلمني أهذا الأمر إلي؟ فإن كان إلي علمت وإن كان إلى غيري تكلمت، فليس مثلي قصر به ولا نُحي

عنه هذا الأمر، فأعلمني فلك الله إلا أذكر اسمك أبدا.

قال رجاء: فأبيت وقلت لا والله لا أخبرك حرفا واحدا مما أسر إلي. فانصرف هشام وهو موءس وهو يضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو يقول: فإلى من إذا نحيت عني؟ أتخرج من بني عبد الملك؟ فوالله إني لعين بني عبد الملك.

قال رجاء: ودخلت على سليمان بن عبد الملك فإذا هو يموت. قال فجعلت إذا أخذته سكرة من سكرات الموت حرفته إلى القبلة فجعل يقول وهو يفأق: لم يأن لذلك بعد يا رجاء. حتى فعلت ذلك مرتين. فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال فحرفته ومات فلما أغمضته سجيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب وأرسلت إلي زوجته تنظر إليه كيف أصبح فقلت: نام وقد تغطى. فنظر الرسول إليه مغطى بالقطيفة فرجع فأخبرها فقبلت ذلك وظنت أنه نائم.

قال رجاء: وأجلست على الباب من أثق به وأوصيته أن لا يريم حتى آتيه ولا يدخل على الخليفة أحدا. قال فخرجت فأرسلت إلى كعب بن حامز العنسي فجمع أهل بيت أمير المؤمنين فاجتمعوا في مسجد دابق فقلت: بايعوا، قالوا: قد بايعنا مرة ونبايع أخرى! قلت: هذا أمر أمير المؤمنين، بايعوا على ما أمر به ومن سمي في هذا الكتاب المختوم. فبايعوا الثانية رجلا رجلا.

قال رجاء: فلما بايعوا بعد موت سليمان رأيت أني قد أحكمت الأمر، قلت قوموا إلى صاحبكم فقد مات. قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقرأت عليهم الكتاب، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشام: لا نبايعه أبدا. قال قلت: أضرب والله عنقك، قم فبايع. فقام يجرّ رجليه.

قال رجاء: وأخذت بضبعي عمر فأجلسته على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه وهشام يسترجع لما أخطأه. فلما انتهى هشام إلى عمر قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. أي حين صار هذا الأمر إليك على ولد عبد الملك. قال فقال عمر: نعم فإنا لله وإنا إليه راجعون، حين صار إلي لكراهتي له. قال وغسل سليمان وكفن وصلى عليه عمر بن عبد العزيز.

قال رجاء: فلما فرغ من دفنه أتي بمراكب الخلافة البراذين والخيل والبغال ولكل دابة سائس فقال: ما هذا؟ فقالوا: مراكب الخلافة، فقال عمر: دابتي أوفق لي. فركب بغلته وصرفت تلك الدواب ثم أقبل فقيل: تنزل منزل الخلافة، فقال: فيه عيال أبي أيوب وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا. فأقام في منزله حتى فرغوه بعد.

قال رجاء: فلما كان مسي ذلك اليوم قال: يا رجاء ادع لي كاتبا. فدعوته وقد رأيت منه كل ما يسرني، صنع في المراكب ما صنع وفي منزل سليمان، فقلت فكيف يصنع الآن في الكتاب؟ أيضع نسخا أم ماذا؟ قال فلما جلس الكاتب أملى عليه كتابا واحدا من فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة، فأملى أحسن إملاء وأبلغه وأوجزه ثم أمر بذلك الكتاب فنسخ إلى كل بلد. وبلغ عبد العزيز بن الوليد، وكان غائبا، موت سليمان بن عبد الملك ولم يعلم بمبايعة الناس عمر وعهد سليمان إليه فبايع من معه لنفسه ثم أقبل يريد دمشق يأخذها فبلغه أن عمر بن عبد العزيز قد بايعوا له بعد سليمان بعهد من سليمان، فأقبل حتى دخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر بن عبد العزيز: قد بلغني أنك كنت بايعت من قبلك وأردت دخول دمشق. فقال: قد كان ذلك. وذلك أنه لم يبلغني أن الخليفة كان عقد لأحد، ففرقت على الأموال أن تنهب. فقال عمر: والله لو بويعت وقمت بالأمر ما نازعتك ذلك ولقعدت في بيتي. فقال عبد العزيز: ما أحب أنه ولي هذه الأمر غيرك. وبايع عمر بن عبد العزيز.

قال: أخبرنا علي بن محمد عن جرير بن حازم عن هزان بن سعد قال: حدثني رجاء بن حيوة قال: لما ثقل سليمان بن عبد الملك رآني عمر في الدار أخرج وأدخل وأتردد فدعاني فقال لي: يا رجاء أذكرك الله والإسلام أن تذكرني لأمير المؤمنين أو تشير بي عليه إن إستشارك، فوالله ما أقوى على هذا الأمر، فأنشدك الله إلا صرفت أمير المؤمنين عني. فانتهرته وقلت: إنك لحريص على الخلافة لتطمع أن أشير عليه بك. فاستحيا ودخلت، فقال لي سليمان: يا رجاء من ترى لهذا الأمر وإلى من ترى أن أعهد؟ قلت: يا أمير المؤمنين اتق الله فإنك قادم على الله وسائلك عن هذا الأمر وما صنعت فيه. قال: فمن ترى؟ فقلت: عمر بن عبد العزيز. قال: كيف أصنع بعهد أمير المؤمنين عبد الملك إلى الوليد وإلي في ابني عاتكة أيهما بقي؟ قلت: تجعلهما من بعده. قال: أصبت ووفقت، جئني بصحيفة. فأتيته بصحيفة فكتب عهد عمر ويزيد من بعده وختمها، ثم دعوت رجالا فدخلوا عليه فقال لهم: إني قد عهدت عهدي في هذه الصحيفة ودفعتها إلى رجاء وأمرته أمري وهو في الصحيفة، اشهدوا واختموا الصحيفة. فختموا عليها وخرجوا فلم يلبث سليمان أن مات فكففت النساء عن الصياح وخرجت إلى الناس فقالوا: يا رجاء كيف أمير المؤمنين؟ قلت: تعلمون منذ اشتكى أسكن منه الساعة. قالوا: لله الحمد! فقلت: ألستم تعلمون أن هذا عهد أمير المؤمنين وتشهدون عليه؟ قالوا: بلى، قلت: افترضون به؟ قال هشام: إن كان فيه رجل من ولد عبد الملك وإلا فلا. قلت: فإن فيه رجل من ولد عبد الملك؟ قال: فنعم إذا. قال فدخلت فمكثت ساعة ثم قلت للنساء اصرخن، وخرجت فقرأت الكتاب والناس مجتمعون وعمر في ناحية الرواق.

قال: أخبرنا علي بن محمد عن يعقوب بن داود الثقفي عن أشياخ من ثقيف قال: قرئ عهد عمر بعد وفاة سليمان بالخلافة وعمر ناحية

وهو بدابق. فقام رجل من ثقيف يقال له سالم من أخوال عمر. فأخذ بضبعه فأقامه فقال عمر: أما والله ما الله أردت بهذا ولن تصيب بها مني دنيا.

قال: أخبرنا علي بن محمد عن خالد بن بشر عن أبيه قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز خطب الناس وفرش له فنزل وترك الفرش وجلس ناحية، فقيل: لو تحولت إلى حجرة سليمان، فتمثل:

فلولا التقى ثم النهى خشية الردىلعاصيت في حب الصبي كل زاجر

قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى … له صبوة أخرى الليالي الغوابر قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن يونس الثقفي عن سيار أبي الحكم قال: كان أول ما أنكر من عمر بن عبد العزيز أنه لما دفن سليمان بن عبد الملك أتي بدابة سليمان التي كان يركب فلم يركبها وركب دابته التي جاء عليها، فدخل القصر وقد مهدت له فرش سليمان التي كان يجلس عليها فلم يجلس عليها، ثم خرج إلى المسجد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه ليس بعد نبيكم نبي ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، ألا إن ما أحل الله حلال إلى يوم القيامة وما حرم الله حرام إلى يوم القيامة، ألا إني لست بقاض ولكني منفذ، إلا أني لست بمبتدع ولكني متبع، ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله، ألا إني لست بخيركم ولكني رجل منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملا. ثم ذكر حاجته.

قال: أخبرنا محمد بن معن الغفاري مديني قال: أخبرني إسماعيل بن إبراهيم كاتب كان لزياد بن عبيد الله عن أبيه قال: لما انصرف عمر عن قبر سليمان قال: إذا دواب سليمان قد عرضت له، قال فكشر ثم أشار إلى بغيلة شهباء فأتي بها فركبها، قال فانصرف فإذا فرش سليمان في منزله، قال فقال: لقد عجلتم. قال ثم تناول وسادة أرمنية فطرحها

بينه وبين الأرض، قال ثم قال: أما والله لولا أني في حوائج المسلمين ما جلست عليك.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني بن أبي سبرة عن المنذر بن عبيد قال: ولي عمر بن عبد العزيز بعد صلاة الجمعة فأنكرت حاله في العصر.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان سليمان بن عبد الملك قد ولى أبا بكر بن محمد بن حزم المدينة فلما توفي سليمان وولي عمر بن عبد العزيز الخلافة أمره على المدينة، فاستقضى أبا طوالة، وولى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وضم إليه أبا الزناد كاتبا فكان على حربها وخراجها حتى توفي عمر، واستقضى عامرا الشعبي، وولى البصرة عدي بن أرطأة فاستقضى الحسن بن أبي الحسن ثم استعفاه فأعفاه، وولى اليمن عروة بن محمد بن عطية السعدي، وولى الجزيرة عدي بن عدي الكندي، وولى أفريقية إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر حتى توفي وهو عليها، وولى دمشق محمد بن سويد الفهري، وولى خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى قال: ما زال عمر بن عبد العزيز يرد المظالم منذ يوم استخلف إلى يوم مات.

أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرني بن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل قال: رأيت عمر بن عبد العزيز بدأ بأهل بيته فرد ما كان بأيديهم من المظالم، ثم فعل بالناس بعد. قال يقول عمر بن الوليد جئتم برجل من ولد عمر بن الخطاب فوليتموه عليكم ففعل هذا بكم.

قال محمد بن عمر: قال أبو بكر بن أبي سبرة: لما رد عمر بن عبد العزيز المظالم قال: إنه لينبغي أن لا أبدأ بأول من نفسي. فنظر إلى ما في

يديه من أرض أو متاع فخرج منه حتى نظر إلى فص خاتم فقال: هذا مما كان الوليد بن عبد الملك أعطانيه مما جاءه من أرض المغرب. فخرج منه.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الملك بن شبيب عن إسحاق بن عبد الله قال: ما زال عمر بن عبد العزيز يرد المظالم من لدن معاوية إلى أن استخلف. أخرج من أيدي ورثة معاوية ويزيد بن معاوية حقوقا.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني مالك بن أنس عن أيوب السختياني أن عمر بن عبد العزيز رد مظالم في بيوت الأموال فرد ما كان في بيت المال وأمر أن يزكى لما غاب عن أهله من السنين، ثم عقب بكتاب آخر: إني نظرت فإذا هو ضمار لا يزكى إلا لسنة واحدة.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز بالعراق في رد المظالم إلى أهلها فرددناها حتى أنفدنا ما في بيت مال العراق، وحتى حمل إلينا عمر المال من الشام.

قال أبو الزناد: وكان عمر يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، كان يكتفي بأيسر ذلك، إذا عرف وجها من مظلمة الرجل ردها عليه ولم يكلفه تحقيق البينة لما كان يعرف من غشم الولاة.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: ما كان يقدم على أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كتاب من عمر إلا فيه رد مظلمة أو إحياء سنة أو إطفاء بدعة أو قسم أو تقدير عطاء أو خير، حتى خرج من الدنيا.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يحيى بن خالد بن دينار عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز أن استبرئ الدواوين فانظر إلى كل جور جاره من قبلي من حق مسلم

أو معاهد فرده عليه، فإن كان أهل تلك المظلمة قد ماتوا فادفعه إلى ورثتهم.

أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن عبيدة قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: وإياك والجلوس في بيتك، اخرج للناس فآس بينهم في المجلس والمنظر ولا يكن أحد من الناس آثر عندك من أحد، ولا تقولن هؤلاء من أهل بيت أمير المؤمنين فإن أهل بيت أمير المؤمنين وغيرهم عندي اليوم سواء بل أنا أحرى أن أظن بأهل بيت أمير المؤمنين أنهم يقهرون من نازعهم، وإذا أشكل عليك شيء فاكتب إلي فيه.

قال: أخبرنا سعيد بن عامر عن حزم بن أبي حزم قال: قال عمر بن عبد العزيز في كلام له: فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيرا.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين وأحمد بن عبد الله بن يونس عن محمد بن طلحة عن حماد بن أبي سليمان أن عمر بن عبد العزيز قام في مسجد دمشق ثم نادى بأعلى صوته: لا طاعة لنا في معصية الله.

أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن يونس عن سيار قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول للناس: الحقوا ببلادكم فإني أذكركم أمصاركم وأنساكم عندي إلا من ظلمه عامل فليس عليه مني إذن فليأتني.

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن واقد قال: إن آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس الحقوا ببلادكم فإني أذكركم في بلادكم وأنساكم عندي، الا وإني قد استعملت عليكم رجالا لا أقول هم خياركم ولكنهم خير ممن هو شر منهم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي، والله لئن منعت هذا المال نفسي وأهلي ثم

بخلت به عليكم إني إذا لضنين، والله لولا أن أنعش سنة أو أسير بحق ما أحببت أن أعيش فواقا.

أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثني جويرية بن أسماء عن إسماعيل بن أبي حكيم قال: أتى عمر بن عبد العزيز كتاب من بعض بني مروان فأغضبه، فاستشاط غضبا ثم قال: إن لله في بني مروان ذبحا، وأيم الله لئن كان ذاك الذبح على يدي. قال فلما بلغهم ذلك كفوا وكانوا يعلمون صرامته وأنه وقع في أمر مضى فيه.

أخبرنا علي بن محمد عن أبي عمرو الباهلي قال: جاء بنو مروان إلى عمر فقالوا: إنك قصرت بنا عما كان يصنعه بنا من قبلك. وعاتبوه فقال: لئن عدتم لمثل هذا المجلس لأشدن ركابي ثم لأقدمن المدينة ولأجعلنها أو أصيرها شورى، أما إني أعرف صاحبها الأعيمش، يعني القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أفلح بن حميد قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: اليوم ينطق كل من كان لا ينطق، وإنا لنرجو لسليمان بتوليته لعمر بن عبد العزيز. قال وقال عمر بن عبد العزيز عند الموت: لو كان لي من الأمر شيء ما عدوت بها القاسم بن محمد. قال فبلغت القاسم بن محمد فرحم عليه وقال: إن القاسم ليضعف عن أهليه فكيف يقوم بأمر أمة محمد!

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٦٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع