تجاوز إلى المحتوى

من «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)

باب ما جاء في بقاء الخضر بعد النبي ﷺ ومن نقل عنه أنه رآه وكلمه

الصفحة ١ من ٢

قال الفاكهيّ في «كتاب مكّة»: حدّثنا الزبير بن بكّار، حدثني جمرة بن عتبة، حدثني محمد بن عمران. عن جعفر بن محمد بن علي هو الصادق بن الباقر، قال: كنت مع أبي بمكة في ليالي العشر وأبي قائم يصلّي في الحجر، فدخل عليه رجل أبيض الرأس واللحية شئن الآراب، فجلس إلى جنب أبي فخفّف، فقال: إني جئتك يرحمك اللَّه تخبرني عن أول خلق هذا البيت. قال: ومن أنت؟ قال: أنا رجل من أهل هذا المغرب. قال: إنّ أول خلق هذا البيت أن اللَّه لما ردّ عليه الملائكة حيث قالوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة:

] غضب، فطافوا بعرشه، فاعتذروا فرضي عنهم، وقال: اجعلوا لي في الأرض بيتا يطوف به من عبادي من غضبت عليه، فأرضى عنه كما رضيت عنكم.

فقال له الرجل: إي يرحمك اللَّه، ما بقي من أهل زمانك أعلم منك. ثم ولّى فقال لي أبي: أدرك الرجل فردّه علي، قال: فخرجت وأنا انظر إليه. فلما بلغ باب الصّفا مثل فكأنه لم يك شيئا. فأخبرت أبي. فقال: تدري من هذا؟ قلت: لا. قال: هذا الخضر.

وهكذا ذكره الزّبير في «كتاب النّسب» بهذا السّند، وفي روايته: أبيض الرأس واللحية جليل العظام. بعيد ما بين المنكبين. عريض الصدر عليه ثوبان غليظان في هيئة المحرم.

فجلس إلى جنبه فعلم أنه يريد أن يخفّف. فخفف الصلاة فسلم ثم أقبل عليه. فقال له الرجل: يا أبا جعفر.

وأخرج ابن عساكر من طريق إبراهيم بن عبد اللَّه بن المغيرة، عن أبيه: حدّثني أبي أنّ قوّام المسجد قالوا للوليد بن عبد الملك: إنّ الخضر كلّ ليلة يصلّي في المسجد.

وقال إسحاق بن إبراهيم الجبليّ في كتاب «الدّيباج» له: حدثنا عثمان بن سعيد الأنطاكيّ، حدّثنا علي بن الهيثم المصّيصي، عن عبد الحميد بن بحر، عن سلام الطويل، عن داود بن يحيى مولى عون الطّفاوي، عن رجل كان مرابطا في بيت المقدس وبعسقلان، قال: بينا أنا أسير في وادي الأردنّ إذا أنا برجل في ناحية الوادي قائم يصلي، فإذا سحابة تظلّه من الشمس، فوقع في قلبي أنه إلياس النبي، فأتيته فسلمت عليه، فانفتل من صلاته فردّ عليّ السلام، فقلت له من أنت يرحمك اللَّه؟ فلم يرد عليّ شيئا، فأعدت عليه القول مرّتين.

فقال: أنا إلياس النبيّ فأخذتني رعدة شديدة خشيت على عقلي أن يذهب. فقلت له:

إن رأيت يرحمك اللَّه أن تدعو لي أن يذهب اللَّه عني ما أجد حتى أفهم حديثك. قال: فدعا لي بثمان دعوات. فقال: يا برّ يا رحيم، يا حيّ يا قيّوم، يا حنّان يا منّان. «يا هيا شر» آهيا، فذهب عني ما كنت أجد فقلت له: إلى من بعثت؟ قال: إلى أهل بعلبكّ قلت: فهل يوحى إليك اليوم؟ فقال: أما بعد بعث محمد خاتم النبيّين فلا. قلت: فكم من الأنبياء في الحياة؟ قال: أربعة، أنا والخضر في الأرض وإدريس وعيسى في السماء. قلت: فهل تلتقي أنت والخضر؟ قال: نعم في كل عام بعرفات. قلت: فما حديثكما؟ قال: يأخذ من شعري وآخذ من شعره، قلت: فكم الأبدال؟ قال: هم ستون رجلا: خمسون ما بين عريش مصر إلى شاطئ الفرات، ورجلان بالمصيصة، ورجل بأنطاكيّة، وسبعة في سائر الأمصار

بهم تسقون الغيث، وبهم تنصرون على العدوّ، وبهم يقيم اللَّه أمر الدنيا حتى إذا أراد أن يهلك الدنيا أماتهم جميعا.

وفي إسناده جهالة ومتروكون.

وقال ابن أبي حاتم في التفسير: حدثنا أبي، أخبرنا عبد العزيز الأوسي، حدثنا عليّ بن أبي عليّ الهاشمي، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، أنّ عليّ بن أبي طالب قال لما توفي النبي ﷺ وجاءت التعزية، فجاءهم آت يسمعون حسّه ولا يرون شخصه، فقال: السّلام عليكم أهل البيت ورحمة اللَّه وبركاته، كلّ نفس ذائقة الموت، وإنما توفّون أجوركم يوم القيامة، إن في اللَّه عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات، فباللَّه فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.

قال جعفر: أخبرني أبي أنّ عليّ بن أبي طالب قال: تدرون من هذا؟ هذا الخضر.

ورواه محمد بن منصور الجزار، عن محمد بن جعفر بن محمد، وعبد اللَّه بن ميمون القدّاح جميعا، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين: سمعت أبي يقول: لما قبض رسول اللَّه ﷺ: جاءت التعزية يسمعون حسّه ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة اللَّه أهل البيت. إنّ في اللَّه عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كلّ ما فات، فباللَّه فثقوا، وإياه فارجوا، فإنّ المحروم من حرم الثواب. فقال علي: تدرون من هذا؟ هو الخضر.

قال ابن الجوزيّ: تابعه محمد بن صالح، عن محمد بن جعفر، ومحمد بن صالح ضعيف.

قلت: ورواه الواقديّ، وهو كذّاب، قال: ورواه محمد بن أبي عمر، عن محمد بن جعفر وابن أبي عمر مجهول.

قلت: وهذا الإطلاق ضعيف، فإنّ ابن أبي عمر أشهر من أن يقال فيه هذا، هو شيخ مسلم وغيره من الأئمة، وهو ثقة حافظ، صاحب مسند مشهور مرويّ، وهذا الحديث فيه

أخبرني به شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن الحسين ﵀. قال: أخبرني أبو محمد بن القيم، أخبرنا أبو الحسن بن البخاري عن محمد بن معمر، أخبرنا سعيد بن أبي الرجاء،

أخبرنا أحمد بن محمد بن النعمان، أخبرنا أبو بكر بن المقري، أخبرنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد، قال: كان أبي- هو جعفر بن محمد الصّادق- يذكر عن أبيه عن جده عن عليّ بن أبي طالب أنه دخل عليهم نفر من قريش فقال: ألا أحدّثكم عن أبي قاسم؟ قالوا: بلى، فذكر الحديث بطوله في وفاة النبي ﷺ: وفي آخره: فقال جبرائيل: يا أحمد، عليك السّلام، هذا آخر وطئي الأرض، إنّما كنت أنت حاجتي من الدّنيا».

فلما قبض رسول اللَّه ﷺ وجاءت التعزية جاء آت يسمعون حسّه ولا يرون شخصه، فقال: السّلام عليكم أهل البيت ورحمة اللَّه، إنّ في اللَّه عزاء عن كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركا من كلّ فائت، فباللَّه فثقوا، وإيّاه فارجوا، فإنّ المحروم من حرم الثّواب، وإن المصاب من حرم الثّواب. والسّلام عليكم.

فقال عليّ: هل تدرون من هذا؟ هذا الخضر.

انتهى.

ومحمد بن جعفر هذا هو أخو موسى الكاظم حدّث عن أبيه وغيره.

وروى عنه إبراهيم بن المنذر وغيره، وكان قد دعا لنفسه بالمدينة ومكة، وحجّ بالنّاس سنة مائتين، وبايعوه بالخلافة، فحجّ المعتصم فظفر به، فحمله إلى أخيه المأمون بخراسان، فمات بجرجان سنة ثلاث ومائتين.

وذكر الخطيب في ترجمته أنه لما ظفر به صعد المنبر فقال: أيّها الناس، إني قد كنت حدّثتكم بأحاديث زوّرتها، فشقّ الناس الكتب التي سمعوها منه، وعاش سبعين سنة.

قال البخاريّ: أخوه إسحاق أوثق منه. وأخرج له الحاكم حديثا: قال الذهبي: إنه ظاهر النكارة في ذكر سليمان بن داود ﵉.

وأخرج البيهقيّ في «الدّلائل»، قال: حدّثنا أبو عبد اللَّه الحافظ، حدثنا أبو جعفر البغدادي، حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الصّنعاني. حدثنا أبو الوليد المخزومي، حدثنا أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: لما توفّي رسول اللَّه ﷺ عزّتهم الملائكة يسمعون الحسّ ولا يرون الشّخص. فقال: السّلام عليكم ورحمة اللَّه

وبركاته، إن في اللَّه عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كل فائت، فباللَّه فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثّواب.

والسّلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

وقال البيهقيّ أيضا: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن عمرو الأحمسي، حدثنا الحسن بن حميد بن الربيع اللخمي، حدثنا عبد اللَّه بن أبي زياد، حدثنا سيار بن أبي حاتم، حدثنا عبد الواحد بن سليمان الحارثي، حدثنا الحسن بن علي، عن محمد بن علي- هو ابن الحسين بن عليّ، قال: لما كان قبل وفاة رسول اللَّه ﷺ هبط إليه جبرائيل. فذكر قصّة الوفاة مطوّلة، وفيه: فأتاهم آت يسمعون حسّه ولا يرون شخصه، فقال: السّلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ... فذكر مثله في التعزية.

وأخرج سيف بن عمر التّميميّ في كتاب الردّة له عن سعيد بن عبد اللَّه عن ابن عمر قال: لما توفّي رسول اللَّه ﷺ جاء أبو بكر حتى دخل عليه، فلما رآه مسجى قال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم صلّى عليه، فرفع أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلّى، فلما سكن ما بهم سمعوا تسليم رجل على الباب صيّت جليد، يقول: السّلام عليكم يا أهل البيت، كلّ نفس ذائقة الموت، وإنّما توفون أجوركم يوم القيامة، ألا وإنّ في اللَّه خلفا من كلّ أحد، ونجاة من كل مخافة، واللَّه فارجوا، وبه فثقوا، فإنّ المصاب من حرم الثواب.

فاستمعوا له وقطعوا البكاء، ثم اطلعوا فلم يروا أحدا، فعادوا لبكائهم فناداهم مناد آخر: يا أهل البيت، اذكروا اللَّه واحمدوه على كل حال تكونوا من المخلصين، إن في اللَّه عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل هلكة، فباللَّه فثقوا، وإياه فأطيعوا. فإن المصاب من حرم الثواب.

فقال أبو بكر: هذا الخضر وإلياس قد حضرا وفاة رسول اللَّه ﷺ.

وسنده فيه مقال. وشيخه لا يعرف.

وقال ابن أبي الدّنيا: حدثنا كامل بن طلحة، حدثنا عباد بن عبد الصّمد، عن أنس بن مالك، قال: لما قبض رسول اللَّه ﷺ اجتمع أصحابه حوله يبكون، فدخل عليهم رجل أشعر

طويل المنكبين في إزار ورداء، يتخطّى أصحاب رسول اللَّه ﷺ حتى أخذ بعضادتي باب البيت، فبكى ثم أقبل على أصحابه، فقال: إن في اللَّه عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل ما فات، وخلفا من كل هالك، فإلى اللَّه فأنيبوا، وبنظره إليكم في البلاء فانظروا، فإنما المصاب من لم يجز الثّواب، ثم ذهب الرجل.

فقال أبو بكر: عليّ بالرجل، فنظروا يمينا وشمالا فلم يروا أحدا فقال أبو بكر: لعل هذا الخضر، أخو نبينا جاء يعزّينا عليه ﷺ.

وعباد ضعّفه البخاريّ والعقيليّ.

وقد أخرجه الطّبرانيّ في «الأوسط»، عن موسى بن أبي هارون، عن كامل، وقال:

تفرد به عباد عن أنس.

وقال الزّبير بن بكّار في كتاب «النّسب»: حدّثني حمزة بن عتبة اللهبي، حدثنا محمد بن عمران عن جعفر بن محمد- هو الصادق، قال: كنت مع أبي محمد بن علي بمكة في ليالي العشر قبل التّروية بيوم أو يومين وأبي قائم يصلّي في الحجر وأنا جالس وراءه، فجاءه رجل أبيض الرأس واللحية، جليل العظام، بعيد ما بين المنكبين، عريض الصدر عليه ثوبان غليظان في هيئة المحرم، فجلس إلى جنبه، فعلم أبي أنه يريد أن يخفف، فخفّف الصلاة، فسلم ثم أقبل عليه، فقال له الرجل: يا أبا جعفر، أخبرني عن بدء خلق هذا البيت كيف كان؟ فقال له أبو جعفر: فمن أنت يرحمك اللَّه؟ قال: رجل من أهل الشام. فقال: بدء خلق هذا البيت أنّ اللَّه ﵎ قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ... الآية وغضب عليهم، فعاذوا بالعرش، فطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربّهم فرضي عنهم وقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتا يتعوّذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطاف حوله كما طفتم بعرشي فأرضى عنهم. فبنوا له هذا البيت.

فقال له الرجل: يا أبا جعفر، فما يدخل هذا الركن؟ فذكر القصّة.

قال جعفر: فقام الرجل. فذهب، فأمرني أبي أن أردّه عليه، فخرجت في أثره وأنا أرى أنّ الزّحام يحول بيني وبينه حتى دخل نحو الصّفا فتبصرته على الصّفا فلم أره، ثم

ذهبت إلى المروة فلم أره عليها، فجئت إلى أبي فأخبرته فقال لي أبي: لم تكن لتجده، ذلك الخضر.

وقال ابن شاهين في كتاب الجنائز له: حدّثنا ابن أبي داود، حدّثنا أحمد بن عمرو بن السراج، حدثنا ابن وهب عمّن حدثه، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن المنكدر، قال:

بينما عمر بن الخطاب يصلي على جنازة إذا هاتف يهتف من خلفه: ألا لا تسبقنا بالصلاة يرحمك اللَّه. فانتظره حتى لحق بالصفّ فكبر، فقال: إن تعذّبه فقد عصاك، وإن تغفر له فإنه فقير إلى رحمتك. فنظر عمر وأصحابه إلى الرجل، فلما دفن الميت سوّى الرجل عليه من تراب القبر، ثم قال: طوبى لك يا صاحب القبر إن لم تكن عريفا أو خائنا أو خازنا أو كاتبا أو شرطيّا.

فقال عمر: خذوا لي هذا الرجل نسأله عن صلاته وعن كلامه، فتولى الرجل عنهم، فإذا أثر قدمه ذراع، فقال عمر: هذا هو واللَّه الخضر الّذي حدثنا عنه النبي ﷺ.

قال ابن الجوزيّ: فيه مجهول وانقطاع بين ابن المنكدر وعمر.

وقال ابن أبي الدّنيا: حدّثنا أبي، حدثنا علي بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا عمر بن محمد بن المنكدر، قال: بينما رجل يمشي يبيع شيئا ويحلف قام عليه شيخ فقال:

يا هذا، بع ولا تحلف، فعاد يحلف فقال: بع ولا تحلف، فقال: أقبل على ما يعنيك، قال:

هذا ما يعنيني، ثم قال: آثر الصدق على ما يضرك على الكذب فيما ينفعك، وتكلّم فإذا انقطع علمك فاسكت، واتّهم الكاذب فيما يحدثك به غيرك فقال: أكتبني هذا الكلام.

فقال: إن يقدر شيء يكن، ثم لم يره، فكانوا يرون أنه الخضر.

قال ابن الجوزيّ: فكأن هذا أصل الحديث. وقد رواه أبو عمرو بن السّماك في فوائده، عن يحيى بن أبي طالب، عن علي بن عاصم، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه، قال: كان ابن عمر قاعدا ورجل قد أقام سلعته يريد بيعها، فجعل يكرر الأيمان، إذ مرّ به رجل، فقال:

اتّق اللَّه ولا تحلف به كاذبا، عليك بالصّدق فيما يضرّك، وإياك والكذب فيما ينفعك، ولا تزيدنّ في حديث غيرك. فقال ابن عمر لرجل: اتبعه فقل له: أكتبني هذه الكلمات، فتبعه، فقال: ما يقضى من شيء يكن، ثم فقده. فرجع فأخبر ابن عمر، فقال ابن عمر: ذاك الخضر.

قال ابن الجوزي: علي بن عاصم ضعيف سيّئ الحفظ، ولعله أراد أن يقول عمر بن محمد بن المنكدر فقال ابن عمر، قال: وقد رواه أحمد بن محمد بن مصعب أحد الوضّاعين

عن جماعة مجاهيل، عن عطاء، عن ابن عطاء، عن ابن عمر.

قلت: وجدت له طريقا جيدة غير هذه عن ابن عمر، قال البيهقيّ في دلائل النبوّة:

أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدّثنا أحمد بن سليمان الفقيه، حدّثنا الحسن بن مكرم، حدّثنا عبد اللَّه بن بكر- هو السّهميّ، حدّثنا الحجاج بن فرافصة أن رجلين كانا يتبايعان عند عبد اللَّه بن عمر، فكان أحدهما يكثر الحلف، فبينما هو كذلك إذ سمعهما رجل، فقام عليهما فقال للذي يكثر الحلف: يا عبد اللَّه، اتّق اللَّه ولا تكثر الحلف، فإنه لا يزيد في رزقك إن حلفت، ولا ينقص من رزقك إن لم تحلف. قال: امض لما يعنيك. قال إن هذا مما يعنيني- قالها ثلاث مرات، وردّ عليه قوله فلما أراد أن ينصرف عنهما قال: اعلم أن من الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك، ولا يكن في قولك فضل على فعلك، ثم انصرف.

فقال عبد اللَّه بن عمر: الحقه فاستكتبه هؤلاء الكلمات. فقال: يا عبد اللَّه، أكتبني هذه الكلمات يرحمك اللَّه، فقال الرجل: ما يقدّر اللَّه يكن، وأعادهنّ عليه حتى حفظهن، ثم مشى حتى وضع إحدى رجليه في المسجد، فما أدري أرض تحته أم سماء. قال: كأنهم كانوا يرون أنه الخضر أو إلياس.

وقال ابن أبي الدّنيا: حدثنا يعقوب بن يوسف. حدثنا مالك بن إسماعيل، حدّثنا صالح بن أبي الأسود، عن محفوظ بن عبد اللَّه، عن شيخ من حضر موت، عن محمد بن يحيى، قال: قال علي بن أبي طالب: بينما أنا أطوف بالبيت إذا أنا برجل معلّق بالأستار وهو يقول: يا من لا يشغله شيء عن سمع، يا من لا يغلظه السّائلون، يا من لا يتبرم بإلحاح الملحّين، أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك.

قال: قلت: دعاؤك هذا عافاك اللَّه أعده. قال: وقد سمعته؟ قلت: نعم، قال: فادع به دبر كلّ صلاة.

فو الّذي نفس الخضر بيده لو أن عليك من الذنوب عدد نجوم السماء وحصى الأرض لغفر اللَّه لك أسرع من طرفة عين.

وأخرجه الدينَوَريّ في المجالسة من هذا الوجه.

وقد روى أحمد بن حرب النيسابوريّ، عن محمد بن معاذ الهروي، عن سفيان الثوريّ، عن عبد اللَّه بن محرر، عن يزيد بن الأصمّ، عن علي بن أبي طالب، فذكر نحوه، لكن قال: فقلت: يا عبد اللَّه، أعد الكلام، قال: وسمعته؟ قلت: نعم.

قال: والّذي نفس الخضر بيده- وكان الخضر يقولهنّ عند دبر الصّلاة المكتوبة- لا

يقولها أحد دبر الصّلاة المكتوبة إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج، وعدد القطر، وورق الشّجر.

ورواه محمد بن معاذ الهروي، عن أبي عبيد اللَّه المخزومي، عن عبد اللَّه بن الوليد، عن محمد بن حميد عن سفيان الثوري نحوه.

وروى سيف في «الفتوح» أن جماعة كانوا مع سعد بن أبي وقاص فرأوا أبا محجن وهو يقاتل، فذكر قصّة أبي محجن بطولها، وأنهم قالوا- وهم لا يعرفونه: ما هو إلا الخضر.

وهذا يقتضي أنهم كانوا جازمين بوجود الخضر في ذلك الوقت.

وقال أبو عبد اللَّه بن بطّة العكبريّ الحنبلي: حدثنا شعيب بن أحمد، حدثنا أحمد بن أبي العوّام، حدثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عبد الحميد الواسطي، حدّثنا أبين بن سفيان، عن غالب بن عبد اللَّه العقيلي، عن الحسن البصري، قال: اختلف رجل من أهل السنّة وغيلان القدري في شيء من القدر، فتراضيا بينهما على أول رجل يطلع عليهما من ناحية ذكراها، فطلع عليهما أعرابيّ قد طوى عباءته فجعلها على كتفه، فقالا له: رضيناك حكما فيما بيننا، فطوى كساءه ثم جلس عليه ثم قال: اجلسا، فجلسا بين يديه، فحكم على غيلان، قال الحسن: ذاك الخضر.

في إسناده أبين بن سفيان متروك الحديث.

وقال حمّاد بن عمر النّصيبي أحد المتروكين: حدّثنا السّري بن خالد، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين، أنّ مولى لهم ركب في البحر فكسر به، فبينما هو يسير على ساحله إذ نظر إلى رجل على شاطئ البحر ونظر إلى مائدة نزلت من السّماء، فوضعت بين يديه، فأكل منها، ثم رفعت، فقال له: بالذي وفقك لما أرى، أيّ عباد اللَّه أنت؟ قال: الخضر الّذي تسمع به، قال: بماذا جاءك هذا الطّعام والشّراب؟ فقال: بأسماء اللَّه العظام.

وأخرج أحمد في كتاب الزّهد له، عن حماد بن أسامة، حدّثنا مسعر، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: بينما رجل في بستان بمصر في فتنة ابن الزبير مهموما مكبّا ينكث في الأرض بشيء إذ رفع رأسه فإذا بفتى صاحب مسحاة قد سنح له قائما بين يديه، فرفع رأسه، فكأنه ازدراه، فقال له: ما لي أراك مهموما؟ قال: لا شيء، قال: أما الدنيا فإنّ الدّنيا عرض حاضر يأكل منه البرّ والفاجر، وإنّ

الآخرة أجل صادق يحكم فيه ملك قادر، حتى ذكر أنّ لها مفصلا كمفاصل اللحم، من أخطأ شيئا منها أخطأ الحق.

قال: فلما سمع ذلك منه أعجبه. فقال: اهتمامي بما فيه المسلمون، قال: فإن اللَّه سينجيك بشفقتك على المسلمين، وسأل من ذا الّذي سأل اللَّه فلم يعطه، أو دعاه فلم يجبه، أو توكّل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه قال: فطفقت أقول: اللَّهمّ سلّمني وسلّم منّي.

قال: فتجلّت ولم يصب فيها بشيء.

قال مسعر: يرون أنه الخضر.

وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» في ترجمة عون بن عبد اللَّه، من طريق أبي أسامة، وهو حماد بن أسامة، وقال بعده ورواه ابن عيينة عن أبي مسعر.

وقال إبراهيم بن محمّد بن سفيان الراويّ عن مسلم عقب روايته عن مسلم لحديث أبي سعيد فيه قصته الّذي يقتله الدجّال. يقال إن هذا الرجل الخضر.

وقال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبي سعيد، في قصة الدجال الحديث بطوله، وفيه قصة الّذي يقتله، وفي آخره: قال معمر:

بلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة من نحاس، وبلغني أنه الخضر، وهذا عزاه النوويّ لمسند معمر، فأوهم أنّ له فيه سندا، وإنما هو قول معمر.

وقال أبو نعيم في «الحلية»: فيما أنبأنا إبراهيم بن داود شفاها: أخبرنا إبراهيم بن علي بن سنان، أخبرنا أبو الفرج الحراني، عن أبي المكارم التيميّ، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم في الحلية، حدثنا عبد اللَّه بن محمد- هو أبو الشّيخ، حدثنا محمد بن يحيى- هو ابن مندة، حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا أحمد بن حميد، قال: قال سفيان بن عيينة: بينما أنا أطوف بالبيت إذا أنا برجل مشرف على الناس حسن الشيبة، فقلنا بعضنا لبعض: ما أشبه هذا الرجل أن يكون من أهل العلم. فاتبعناه حتى قضى طوافه فسار إلى المقام فصلّى ركعتين، فلما سلّم أقبل على القبلة فدعا بدعوات، ثم التفت إلينا فقال:

هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا: وماذا قال ربّنا؟ قال: ربكم: أنا الملك أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا. ثم أقبل على القبلة فدعا بدعوات، ثم التفت إلينا، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا له: وماذا قال ربنا؟ حدثنا يرحمك اللَّه، قال: قال ربكم: أنا الحيّ الّذي لا يموت، أدعوكم إلى أن تكونوا أحياء لا تموتون. ثم أقبل على القبلة فدعا بدعوات، ثم التفت إلينا فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم: قلنا: ماذا قال ربنا؟ حدّثنا يرحمك اللَّه قال:

قال ربكم: أنا الّذي إذا أردت شيئا كان، أدعوكم إلى أن تكونوا بحال إذا أردتم شيئا كان لكم.

قال ابن عيينة: ثم ذهب فلم نره، قال: فلقيت سفيان الثوريّ، فأخبرته بذلك: فقال:

ما أشبه أن يكون هذا الخضر أو بعض هؤلاء الأبدال، تابعه محرز بن أبي جدعة عن سفيان، ورواها زياد بن أبي الأصبغ، عن سفيان أيضا، وروى محمد بن الحسن بن الأزهر، عن العباس بن يزيد عن سفيان نحوها.

وروى أبو سعيد؟ في «شرف المصطفى»، من طريق أحمد بن أبي برزة، حدّثنا محمد بن الفرات، عن ميسرة بن سعيد، عن أبيه: بينما الحسن في مجلس والناس حوله إذا أقبل رجل مخضرة عيناه، فقال له الحسن: أهكذا ولدتك أمك أم هي بلية؟ قال: أو ما تعرفني يا أبا سعيد؟ قال: من أنت؟ فانتسب له فلم يبق في المجلس أحد إلا عرفه. فقال: يا هذا، ما قصّتك؟ قال: يا أبا سعيد، عمدت إلى جميع مالي فألقيته في مركب فخرجت أريد الصّين، فعصفت علينا ريح فغرقت، فخرجت إلى بعض السّواحل على لوح فأقمت أتردّد نحوا من أربعة أشهر آكل ما أصيب من الشّجر والعشب، وأشرب من ماء العيون، ثم قلت لأمضينّ على وجهي إما أن أهلك وإما أن ألحق الجواء، فسرت فرفع لي قصر كأنه بناء فضة، فدفعت مصراعه، فإذا داخله أروقة في كل طاق منها صندوق من لؤلؤ وعليها أقفال مفاتيحها رأي العين، ففتحت بعضها فخرجت من جوفه رائحة طيبة، وإذا فيه رجال مدرجون في ألوان الحرير، فحرّكت بعضهم، فإذا هو ميت في صفة حيّ، فأطبقت الصّندوق وخرجت، وأغلقت باب القصر ومضيت فإذا أنا بفارسين لم أر مثلهما جمالا على فرسين أغرّين محجّلين، فسألاني عن قصتي فأخبرتهما، فقالا: تقدّم أمامك، فإنك تصل إلى شجرة تحتها روضة، هنالك شيخ حسن الهيئة على دكّان يصلّي فأخبره خبرك، فإنه سيرشدك إلى الطريق.

فمضيت فإذا أنا بالشّيخ، فسلّمت فردّ علي وسألني عن قصتي، فأخبرته بخبري كله، ففزع لما أخبرته بخبر القصر، ثم قال: ما صنعت؟ قلت: أطبقت الصناديق، وأغلقت الأبواب: فسكن، وقال: اجلس. فمرّت به سحابة، فقالت: السّلام عليك يا وليّ اللَّه.

فقال: أين تريدين؟ قالت: أريد بلد كذا وكذا. فلم تزل تمرّ به سحابة بعد سحابة حتى أقبلت سحابة فقال: أين تريدين؟ قالت: البصرة. قال: انزلي، فنزلت فصارت بين يديه.

فقال: احملي هذا حتى تردّيه إلى منزله سالما.

فلما صرت على متن السّحابة قلت: أسألك بالذي أكرمك إلّا أخبرتني عن القصر وعن

الفارسين وعنك قال: أما القصر فقد أكرم اللَّه به شهداء البحر، ووكل بهم ملائكة يلقطونهم من البحر فيصيرونهم في تلك الصّناديق مدرجين في أكفان الحرير. والفارسان ملكان يغدوان ويروحان عليهم بالسّلام من اللَّه، وأما أنا فالخضر، وقد سألت ربّي أن يحشرني مع أمّة نبيكم.

قال الرّجل: فلما صرت على السّحابة أصابني من الفزع هول حتى صرت إلى ما ترى، فقال الحسن: لقد عاينت عظيما.

وروى الطّبراني في كتاب الدعاء له قال: حدّثنا يحيى بن محمد الحنائي، حدثنا المعلى بن حرمي، عن محمد بن المهاجر البصريّ، حدّثني أبو عبد اللَّه بن التوأم الرقاشيّ أنّ سليمان بن عبد الملك أخاف رجلا وطلبه ليقتله، فهرب الرجل، فجعلت رسله تختلف إلى منزل ذلك الرجل يطلبونه فلم يظفروا به، فجعل الرجل لا يأتي بلدة إلا قيل له: قد كنت تطلب ها هنا، فلما طال عليه الأمر عزم أن يأتي بلدة لا حكم لسليمان عليها. فذكر قصّة طويلة فيها: فبينا هو في صحراء ليس فيها شجر ولا ماء إذ هو برجل يصلّي، قال: فخفته، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: واللَّه ما معي راحلة ولا دابة، قال: فقصدت نحوه فركع وسجد، ثم التفت إليّ فقال: لعل هذا الطّاغي أخافك؟ قلت: أجل. قال: فما يمنعك من السّبع؟ قلت: يرحمك اللَّه، وما السّبع؟ قال: قل سبحان [الواحد] الّذي ليس غيره إله، سبحان القديم الّذي لا بادئ له، سبحان الدائم الّذي لا نفاد له، سبحان الّذي كلّ يوم هو في شأن، سبحان الّذي يحيي ويميت، سبحان الّذي خلق ما نرى وما لا نرى، سبحان الّذي علم كل شيء بغير تعليم، ثم قال: قلها فقلتها وحفظتها والتفتّ فلم أر الرجل.

قال: وألقى اللَّه في قلبي الأمن، ورجعت راجعا من طريقي أريد أهلي، فقلت: لآتين باب سليمان بن عبد الملك، فأتيت بابه فإذا هو يوم إذنه وهو يأذن للنّاس، فدخلت وإنه لعلى فراشه، فما عدا أن رآني فاستوى على فراشه، ثم أومأ إليّ، فما زال يدنيني حتى قعدت معه على الفراش، ثم قال: سحرتني. وساحر أيضا ما بلغني عنك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أنا بساحر، ولا أعرف السّحر ولا سحرتك. قال: فكيف؟ فما ظننت أن يتمّ ملكي إلا بقتلك. فلما رأيتك لم أستقرّ حتى دعوتك. فأقعدتك معي على فراشي، ثم قال:

أصدقني أمرك، فأخبرته.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع