من «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)
صرمة
بن مالك الأنصاريّ.
ذكره ابن شاهين وابن قانع في «الصّحابة»، وأخرج من طريق هشيم بن حصين، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، أنّ رجلا من الأنصار يقال له صرمة بن مالك، وكان شيخا كبيرا، فجاء أهله عشاء وهو صائم، وكانوا إذا نام أحدهم قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، والمرأة
إذا نامت لم يكن لزوجها أن يأتيها حتى مثلها، فلما جاء صرمة إلى أهله دعا بعشائه فقالوا:
أمهل حتى نجعل لك سخنا تفطر عليه، فوضع الشّيخ رأسه فنام فجاءوا بطعامه، فقال: قد كنت نمت، فلم يطعم، فبات ليلته يتقلق بطنا لظهر، فلما أصبح أتى النّبيّ ﷺ فأخبره، فأنزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ... [البقرة]، فرخص لهم أن يأكلوا اللّيل كله من أوله إلى آخره، ثم ذكر قصّة عمر في نزول قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ. وهذا مرسل. صحيح الإسناد.
كذلك أخرجه عبد بن حميد في التفسير عن عمرو بن عوف، عن هشيم، وأخرجه الطّبرانيّ من حديث عبد اللَّه بن إدريس كذلك، وأخرجه ابن شاهين أيضا من طريق المسعوديّ عن عمرو بن مرة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: أحلّ صيام ثلاثة أحوال، فذكر الحديث، وفيه: وكانوا إذا صاموا فناموا قبل أن يفطروا لم يحل لهم الطّعام ولا النكاح، فجاء صرمة وقد عمل يومه في حائطه، وقد أعيا فضرب برأسه فنام قبل أن يفطر، فاستيقظ فلم يأكل ولم يشرب واستيقظ وهو ضعيف.
وأخرجه أبو داود في «السّنن» من هذا الوجه ولم يتصل سنده، فإن عبد الرّحمن لم يسمع من معاذ.
ويقال: إن القصّة وقعت لصرمة بن أنس المبدإ بذكره، أخرجه ذلك هشام بن عمار في فوائده، عن يحيى بن حمزة، عن إسحاق بن أبي فروة، عن الزّهري، عن القاسم بن محمد، قال: كان بدء الصوم أن يصوم من عشاء إلى عشاء، فإذا نام لم يصل أهله ولم يأكل ولم يشرب، فأمسى صرمة بن أنس صائما، فنام قبل أن يفطر ... الحديث. وإسحاق متروك.
وأخرج الطّبريّ من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبّان- أن صرمة بن أنس أتى أهله وهو صائم، وهو شيخ كبير ... فذكر نحو القصّة.
وأخرج الطّبريّ من طريق السّدّي في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة]، قال: كتب صيام رمضان على النّصارى وألّا يأكلوا ولا يشربوا، ولا يأتوا النّساء بعد النّوم في رمضان، فلم يزل المسلمون يصنعون ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة ... فذكر القصّة نحوه.
ووقع في صحيح البخاريّ أنّ الّذي وقع له ذلك قيس بن صرمة، أخرجه من طريق البراء بن عازب كما سأذكره في ترجمته في حرف القاف.
ووقع عند أبي داود من هذا الوجه صرمة بن قيس. وفي رواية النّسائي أبو قيس بن عمرو، فإن حمل في هذا الاختلاف على تعدد أسماء من وقع له ذلك، وإلا فيمكن الجمع بردّ جميع الرّوايات إلى واحد، فإنه قيل فيه: صرمة بن قيس، وصرمة بن مالك، وصرمة بن أنس. وقيل فيه: قيس بن صرمة، وأبو قيس بن صرمة، وأبو قيس بن عمرو، فيمكن أن يقال: إن كان اسمه صرمة بن قيس، فمن قال فيه قيس بن صرمة قلبه، وإنما اسمه صرمة وكنيته أبو قيس أو العكس، وأما أبوه فاسمه قيس أو صرمة على ما تقرر من القلب، وكنيته أبو أنس. ومن قال فيه أنس حذف أداة الكنية، ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جدّ له.
والعلم عند اللَّه تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع