تجاوز إلى المحتوى

من «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)

لبيد بن ربيعة

بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن صعصعة الكلابي الجعفري، أبو عقيل الشاعر المشهور.

قال المرزبانيّ في «معجمه»: كان فارسا شجاعا شاعرا سخيا، قال الشعر في الجاهلية دهرا، ثم أسلم، ولما كتب عمر إلى عامله بالكوفة: سل لبيدا والأغلب العجليّ ما أحدثا من الشعر في الإسلام، فقال لبيد: أبدلني اللَّه بالشعر سورة البقرة وآل عمران، فزاد عمر في

عطائه، قال: ويقال: إنه ما قال في الإسلام إلا بيتا واحدا:

ما عاتب المرء اللّبيب كنفسهوالمرء يصلحه الجليس الصالح

ويقال: بل قوله:

الحمد للَّه إذ لم يأتني أجليحتّى لبست من الإسلام سربالا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «الحمد لله إذ لم يأتني أجلي»

ولما أسلم رجع إلى بلاد قومه، ثم نزل الكوفة حتى مات في سنة إحدى وأربعين لما دخل معاوية الكوفة، إذ صالح الحسن بن علي.

ونحوه قال العسكريّ. ودخل بنوه البادية، قال: وكان عمره مائة وخمسا وأربعين سنة منها خمس وخمسون في الإسلام وتسعون في الجاهلية.

قلت: المدة التي ذكرها في الإسلام وهم، والصواب ثلاثون وزيادة سنة أو سنتين إلا أن يكون ذلك مبنيّا على أن سنة وفاته كانت سنة نيف وستين، وهو أحد الأقوال. وقال أبو عمر: البيت الّذي أوله:

الحمد للَّه إذ لم يأتني أجلي

ليس للبيد، بل هو لقردة بن نفاثة، وهو القائل القصيدة المشهورة التي أولها:

ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل

وقد ثبت أن النبيّ ﵌ قال: «أصدق كلمة قالها الشّاعر كلمة لبيد»،

فذكر هذا الشطر قال أبو عمر: في هذه القصيدة ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وذلك قوله:

وكلّ امرئ يوما سيعلم سعيهإذا كشّفت عند الإله المحاصل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

قلت: ولم يتعين ما قال، بل فيه دلالة على أنه كان يؤمن بالبعث مثل غيره من عقلاء الجاهلية كقسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو، وكيف يخفى على أبي عمر أنه قالها قبل أن يسلم مع القصة المشهورة في السير لعثمان بن مظعون مع لبيد لما أنشد قريشا هذه القصيدة بعينها، فلما قال: ألا كلّ شيء ... قال له عثمان: صدقت، فلما قال: وكلّ نعيم لا محالة زائل- قال له عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فغضب لبيد، وكادت قريش تضرب سيفهم على وجهه، إنما كان هذا قبل أن يسلم لبيد.

نعم، ويحتمل أن يكون زاد هذا البيت بخصوصه بعد أن أسلم، ويكون مراد من قال:

إنه لم ينظم شعرا منذ أسلم، يريد شعرا كاملا لا تكميلا لقصيدة سبق نظمه لها. وباللَّه التوفيق.

وقال أبو حاتم السّجستاني في المعمرين. عن أشياخه، قالوا: عاش لبيد مائة وعشرين سنة، وأدرك الإسلام فأسلم، قال: وسمعت الأصمعي يقول: كتب معاوية إلى زياد أن أجعل أعطيات الناس في ألفين، وكان عطاء لبيد ألفين، وخمسمائة، فقال له زياد: أبا عقيل، هذان الخراجان، فما بال هذه العلاوة؟ قال: الحق الخراجين بالعلاوة، فإنك لا تلبث إلا قليلا حتى يصير لك الخراجان والعلاوة، قال: فأكملها له زياد ولم يكملها لغيره، فلما أخذ لبيد عطاء آخر حتى مات.

وحكى الرّياشيّ، وهو في ديوان شعره، من غير رواية أبي سعيد السكري، قال: لما اشتد الجدب على مضر بدعوة النبي ﵌ وفد عليه وفد قيس، وفيهم لبيد فأنشده:

أتيناك يا خير البريّة كلّهالترحمنا ممّا لقينا من الأزل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أتيناك يا خير البرية كلها»
أتيناك والعذراء تدمى لبانهاوقد ذهلت أمّ الصّبيّ عن الطّفل
فإن تدع بالسّقيا وبالعفو ترسلالسّماء والأمر يبقى على الأصل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أتيناك يا خير البرية كلها»
وألقى تكنّيه الشّجاع استكانةمن الجوع صمتا لا يمرّ ولا يحلي
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أتيناك يا خير البرية كلها»

وفي الصحيحين، عن أبي هريرة- مرفوعا: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:

ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل

ووقع في «معجم الشعراء» للمرزباني أنّ النبي ﵌ قالها على المنبر.

وقال المدائني، عن أبي معشر، عن يزيد بن رومان، وغيره، قالوا: وفد من بني كلاب على رسول اللَّه ﵌ ثلاثة عشر رجلا منهم لبيد بن ربيعة.

وقال ابن أبي خيثمة: أسلم لبيد وحسن إسلامه. وقال هشام بن الكلبيّ، وغيره:

عاش مائة وثلاثين سنة. وفي حكاية الشعبي مع عبد الملك بن مروان أنه عاش مائة وأربعين. وقال البخاريّ: قال الأويسي، عن مالك: عاش لبيد مائة وستين سنة. وأخرج ابن مندة وسعدان بن نصر في الثاني من فوائده، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- أنها قالت: رحم اللَّه لبيدا حيث يقول:

ذهب الّذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طرب الفؤاد وليته لم يطرب»

قالت عائشة: فكيف لو أدرك زماننا هذا.

قال عروة: رحم اللَّه عائشة كيف لو أدركت زماننا هذا. قال هشام: رحم اللَّه عروة، كيف لو أدرك زماننا. واتصلت السلسلة هكذا إلى سعدان وإلى ابن مندة.

وقال المبرّد: لما أسلم لبيد نذر ألّا تهبّ الصبا إلا أطعم، وكان امتنع من قول الشعر، فهبّت الصبا وهو مملق، فقال لابنته: قولي شعرا، وذلك في إمرة الوليد بن عقبة على الكوفة فقالت:

إذا هبّت رياح أبي عقيلدعونا عند هبّتها الوليدا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إذا هبت رياح أبي عقيل»

الأبيات والقصة.

ومما يستجاد من شعره قوله:

وأكذب النّفس إذا حدّثتهاإنّ صدق النّفس يزري بالأمل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

قال المرزبانيّ: سمع الفرزدق رجلا ينشد قول لبيد:

وجلا السّيول عن الطّلول كأنّهازبر تجدّ متونها أقلامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

فنزل عن بغلته وسجد، فقيل له: ما هذا، فقال: أنا أعرف سجدة الشعر كما يعرفون سجدة القرآن.

قلت: وعامر بن مالك جدّه إن كان هو أبو براء ملاعب الأسنة فليذكر لبيد فيمن صحب هو وأبوه وجدّه، فتقدم في حرف العين عامر بن مالك، وما قيل فيه، وتقدم في حرف الراء ربيعة بن عامر وما قيل فيه، إلا أنني لم أر من صرح بصحبة ربيعة، لكنه أدرك العصر النبوي وراسله حسان بن ثابت فاللَّه أعلم.

قال البخاريّ: قال الأويسي: حدثنا مالك، قال: عاش لبيد بن ربيعة مائة وستين سنة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من اللام بعدها الباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.