من «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)
النجاشي (٢)
ماذا روى «الإصابة في تمييز الصحابة» عن النجاشي الحارثي؟
الشاعر الحارثي، اسمه قيس بن عمرو بن مالك بن معاوية بن خديج بن حماس بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب، يكنى أبا الحارث، وأبا مخاشن.
له إدراك، وكان في عسكر عليّ- ﵁ بصفين، ووفد على عمر بن الخطاب، ولازم عليّ بن أبي طالب، وكان يمدحه فجلده في الخمر، ففرّ إلى معاوية. ومما يدلّ على أنه عمّر طويلا أنّ معاوية سأله: من أعزّ العرب؟ قال: رجل مررت به يقسم الغنائم على باب بيته بين الحليفين أسد وغطفان. قال: من هو؟ قال: حصين بن حذيفة بن بدر. انتهى.
وحصين هو والد عيينة الّذي كان رئيس غطفان يوم الأحزاب. ومات أبوه قبل البعثة أبو بعدها بيسير. وقيل اسم النّجاشي سمعان، وترجمه ابن العديم في تاريخ حلب في حرف النّون، فقال: نجاشي بن الحارث بن كعب الحارثي. ذكر أبو أحمد العسكري في ربيع الآداب أنّ النّجاشي الشاعر مرّ بأبي سماك الأسدي في رمضان، فدعاه إلى الشّرب فأجابه، فبلغ عليّا فهرب أبو سماك وأخذ النّجاشي فجلده عليّ، فطرح عليه هند بن عاصم نفسه، ورمى عليه جماعة من وجوه الكوفة أربعين مطرفا، وجعل بعضهم يقول: هذا من قدر اللَّه.
فقال النّجاشيّ: ضربوني، ثم قالوا: قدر اللَّه، لهم شر القدر، ثم هرب إلى الشّام.
وقال المرزبانيّ: النّجاشي قدم على عهد عمر في جماعة من قومه، وكان مع علي في حروبه يناضل عنه أهل الشّام.
وذكر أن عليا جلده ثمانين، ثم زاده عشرين، فقال له: ما هذه العلاوة؟ فقال:
لجرأتك على اللَّه في شهر رمضان وصبياننا صيّام، فهرب إلى معاوية وهجا عليا، وكان هاجي تميم بن مقبل في عهد عمر، فاستعدى عليه، وهو القائل في المغيرة يصفه بالقصر:
وأقسم لو خرّت من استك بيضةلما انكسرت من قرب بعضك من بعض
وذكر سيف له قصة في اليمامة، وأنشد له في ذلك شعرا.
وذكر أحمد بن مروان الدينَوَريّ في الجزء السّابع من المجالسة، من طريق سماك، قال: هجا النجاشيّ، واسمه قيس بن عمرو بن مالك- بني العجلان، فاستعدوا عليه عمر، فقال: ما قال فيكم؟ فأنشدوه:
إذا اللَّه جازى أهل لؤم بذمّةفجازى بني العجلان رهط ابن مقبل
فقال: إن كان مظلوما استجيب له، فقالوا:
قبيلته لا يغدرون بذمّةولا يظلمون النّاس حبّة خردل
فقال: ليت آل الخطاب كانوا كذلك.
فذكر القصّة ورويناها في أمالي ثعلب، قال: قال أصحابنا: استعدى تميم بن مقبل عمر على النّجاشي ... فذكر نحوه.
وقد تقدم في ترجمة تميم بن مقبل، وذكر الحسن بن بشر الآمديّ أنّ النجاشيّ المذكور لما مات رثاه أخوه خديج:
من كان يبكي هالكا فعلى فتىثوى بلوى لحج وآبت رواحله
قلت: ولحج- بفتح اللّام وسكون المهملة بعدها جيم: بلد معروف باليمن، ففيه دلالة على أنه كان توجّه إلى اليمن فمات بلحج.
[وقال ابن قتيبة في «المعارف»: كان النّجاشي رقيق الدين، فذكر القصّة في شرب الخمر في رمضان، وإنما قيل له النجاشي، لأنه كان يشبه لون الحبشة.
وحكى ابن الكلبيّ أنّ جماعة من بني الحارث وفدوا على رسول اللَّه ﵌ فقال: «من هؤلاء الّذين كأنّهم من الهند»
].
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع