من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)
ذكر الأحمدين (١٢)
الصفحة ١ من ٢
وَمُحَمّد بن أَحْمد بن عبد الْمُعْطِي وَأحمد بن سَالم بن ياقوت الْمَكِّيّ والعفيف النشاوري وَالْجمال الأميوطي وبالمدينة على الْبَدْر عبد الله بن فَرِحُونَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مكثر سَمَاعا وشيوخا وَكتب الطباق وَضبط الْأَسْمَاء وَسمع الْأَئِمَّة بقرَاءَته وَخرج لغير وَاحِد من شُيُوخه كالصدر بن الْمَنَاوِيّ وَعبد الْوَهَّاب الأخنائي الْمَالِكِي وَابْن الشيخة والبلقيني وَأبي البركات بن النظام القوصي وَلم يتهيأ لَهُ إِفْرَاد شُيُوخه ومسموعه لَعَلَّه لقُصُور الهمم خُصُوصا
فِي هَذَا النَّوْع، نعم عمل لنَفسِهِ فهرستا لطيفا وَكَذَا أورد ابْن مُوسَى فِي أوراق رحلته والتقي الفاسي فِي ذيله على التَّقْيِيد من مروياته نبذة وَشَيخنَا فِي مُعْجَمه يَسِيرا وتدرب بوالده فِي الحَدِيث وفنونه وَكَذَا فِي غَيره من فقه وأصل وعربية وعادت بركَة تَرْبِيَته عَلَيْهِ وَكَذَا تفقه بالأبناسي وَعظم انتفاعه بِهِ وَتوجه الشَّيْخ إِلَيْهِ بِحَيْثُ ساعده فِي تَحْصِيل وظائف لخصوصية كَانَت بَينه وَبَين وَالِده وبالسراج البُلْقِينِيّ بِحَيْثُ كَانَ معوله فِي الْفِقْه عَلَيْهِ وأفرد حَوَاشِيه على الرَّوْضَة وانتفع النَّاس بهَا خُصُوصا فِيمَا تجدّد من الْحَوَاشِي بعد جمع الْبَدْر الزَّرْكَشِيّ وطرز تصانيفه بِكَثِير من اختياراته ومباحثه مفتخرا بإيرادها وإضافتها إِلَيْهِ وبابن الملقن وَغَيرهم بل حضر دروس الْجمال الأسنائي بالناصرية مُدَّة وعلق عَنهُ وَسمع عَلَيْهِ التَّمْهِيد والكوكب وَقطعَة من أول الْمُهِمَّات وَغير ذَلِك من تصانيفه ومروياته بل قَرَأَ عَلَيْهِ بِنَفسِهِ المسلسل بالأولية وَأخذ أصُول الْفِقْه والمعاني وَالْبَيَان وَغَيرهمَا من الْفُنُون عَن الضياء عبيد الله العفيفي الْقزْوِينِي الشَّافِعِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ منهاج الْبَيْضَاوِيّ وغالب التَّلْخِيص مَعَ سَماع سائره إِلَى غَيره من كتب عديدة وفنون شَتَّى انْتفع بِهِ فِيهَا، والعربية عَن شيخ النُّحَاة أبي الْعَبَّاس بن عبد الرَّحِيم التّونسِيّ الْمَالِكِي وانتفع بِهِ فِيهَا وَلم يلبث أَن برع فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وأصوله والعربية والمعاني وَالْبَيَان وشارك فِي غَيرهَا من الْفَضَائِل، وَأذن لَهُ غير وَاحِد من شُيُوخه بالإفتاء والتدريس، وَاسْتمرّ يترقى لمزيد ذكائه حَتَّى سَاد وَأبْدى وَعَاد وَظَهَرت نجابته ونباهته واشتهر فَضله وبهر عقله مَعَ حسن خلقه وخلقه وَنور خطه ومتين ضَبطه وَشرف نَفسه وتواضعه وَشدَّة انجماعه وصيانته وديانته وأمانته وعفته وَطيب نغمته وضيق حَاله وَكثر عِيَاله، ودرس وَهُوَ شَاب فِي حَيَاة أَبِيه وشيوخه فِي عدَّة أَمَاكِن وَقَالَ أَبوهُ فِي دروسه قَدِيما:
دروس أَحْمد خير من دروس أبهوَذَاكَ عِنْد أَبِيه مُنْتَهى أربه
بل قَامَ بسد وظائف أَبِيه حِين توجه على قَضَاء الْمَدِينَة وخطابتها وَلَكِن وثب عَلَيْهِ شَيْخه)
السراج بن الملقن فَانْتزع دَار الحَدِيث الكاملية خَاصَّة مِنْهُ وتحرك صَاحب التَّرْجَمَة لمعارضته وتحدث فِي تَمْيِيز كفاءته فَحمل عَلَيْهِ كل من شَيْخه الأبناسي والبلقيني فَسكت وطار بِكُل ذَلِك ذكره وَسَار فِيهِ فخره ثمَّ أضيفت إِلَيْهِ جِهَات أَبِيه بعد مَوته فزادت رياسته وانتشرت فِي الْعُلُوم وجاهته، وَكَانَ من الْأَمَاكِن الَّتِي درس فِيهَا الحَدِيث الْمدرسَة الظَّاهِرَة البيبرسية والقانبيهية والقراسنقرية
وجامع طولون وَالْفِقْه الْفَاضِلِيَّةِ والجمالية الناصرية مَعَ مشيخة التصوف بهَا وَمَسْجِد علم دَار، وناب الْقَضَاء عَن الْعِمَاد أَحْمد بن عِيسَى الكركي فِي سنة نَيف وَتِسْعين فَمن بعده وأضيف إِلَيْهِ فِي بعض الْأَوْقَات قَضَاء منوف وعملها وَغير ذَلِك وَسَار فِيهِ سيرة حَسَنَة وَاسْتمرّ فِي النِّيَابَة نَحْو عشْرين سنة ثمَّ ترفع عَن ذَلِك وَفرغ نَفسه للإفتاء والتدريس والتصنيف وَكَذَا الْإِمْلَاء بعد موت وَالِده بالديار المصرية بل وبمكة حِين حج فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين فَإِنَّهُ أمْلى هُنَاكَ مَجْلِسا ابتدأه بالمسلسل بالأولية مَعَ فَوَائِد تتَعَلَّق بِهِ حَضَره الْأَئِمَّة من المكيين وَغَيرهم ثمَّ مَجْلِسا آخر أمْلى عَلَيْهِ أَحدهمَا الزين رضوَان وَالْآخر التقي بن فَهد ولقيه الشّرف بن الْمُقْرِئ الْعَلامَة حِينَئِذٍ، وَكَذَا أمْلى بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة فِي تِلْكَ السّنة مَجْلِسا باستملاء الزين رضوَان للْأولِ والشرف الْمَنَاوِيّ للثني إِلَى أَن خطبه الظَّاهِر ططر بِغَيْر سُؤال إِلَى قَضَاء الديار المصرية فِي منتصف شَوَّال سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة مَعَ وجود السعاة فِيهِ بالبذل وَذَلِكَ عقب موت الْجلَال البُلْقِينِيّ بأَرْبعَة أَيَّام فَسَار فِيهِ أحسن سيرة بعفة ونزاهة وَحُرْمَة وصرامة وشهامة وَمَعْرِفَة وَكَانَ يحض أَصْحَابه على الاهتمام بإجابة من يلْتَمس مِنْهُم الشَّفَاعَة عِنْده عملا بِالسنةِ وليكون لَهُم عِنْد المسؤول لَهُ بذلك أياد وَقَامَ جمَاعَة عَلَيْهِ حَتَّى ألزموه بتفصيل الرفيع من الثِّيَاب وقرروا لَهُ أَن فِي ذَلِك قُوَّة للشَّرْع وتعظيما للقائم بِهِ، وَإِلَّا فَلم يكن عزمه التَّحَوُّل عَن جنس لِبَاسه قبله، وَلم يكن فِيمَا بلغنَا فِي حَال نيابته يثبت عَدَالَة غير شَافِعِيّ بتعديل عشرَة أنفس احْتِيَاطًا وتحريا، وَلم يلبث أَن مَاتَ الظَّاهِر فَبَايع لوَلَده الصَّالح مُحَمَّد بالسلطنة بعده قبل انْفِصَال السّنة ثمَّ لنظامه الْأَشْرَف برسباي فِي ثامن ربيع الآخر من الَّتِي بعْدهَا وَاسْتمرّ القَاضِي حَتَّى صرف فِي سادس ذِي الْحجَّة مِنْهَا لإقامته الْعدْل وَعدم محاباته لأحد من أَجله وتصميمه فِي أُمُور لَا يحتملها أهل الدولة حَتَّى شقّ على كثيرين مِنْهُم وتمالؤوا عَلَيْهِ بعد أَن كَانَ منع نوابه من الحكم فِي شَوَّال مِنْهَا مُخْتَارًا لأمر خُولِفَ فِيهِ وَبلغ الْأَشْرَف فاسترضاه وَوَافَقَهُ على الْأَمر الَّذِي كَانَ غضب بِسَبَبِهِ حَتَّى كَانَ ذَلِك سَببا للتمادي والممالأة)
عَلَيْهِ فِي صرفه فَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة وَدون شَهْرَيْن وَمِمَّنْ ساعد فِي صرفه قصروه أَمِير أخور وَابْن الكويز كَاتب السِّرّ والْعَلَاء بن المغلي قَاضِي الْحَنَابِلَة وَظَهَرت كَرَامَة الْوَلِيّ فِي المتعصبين فِي عَزله وأكبرهم الْعَلَاء فَإِنَّهُ قَامَ بِقَلْبِه وقالبه فِي صرفه لكَونه كَانَ يتمشيخ عَلَيْهِ وَولَايَة الآخر لكَونه كَانَ تتلمذ لَهُ فَأحب أَن يكون رَفِيقه مِمَّن
يعرف لَهُ دون من يتعاظم عَلَيْهِ فانعكس الْأَمر وَنَدم بعد أَن تورط وَصَارَ يُبَالغ فِي نقيض مَا كَانَ مِنْهُ بِحَيْثُ كتب على فتيا بَالغ فِيهَا فِي الْحَط عَلَيْهِ ثمَّ عُوقِبَ بِأَن أُصِيب بولده قبل إِكْمَال الْحول من عزل الْوَلِيّ ثمَّ أُصِيب فِي نَفسه. قَالَه شَيخنَا قَالَ وَكَذَا صنع الله بِابْن الكويز فَإِنَّهُ كَانَ الأَصْل الْكَبِير فِي ذَلِك لِامْتِنَاع الْوَلِيّ من إجَابَته فِي أَخذ مجمع الزَّوَائِد بِخَط مُؤَلفه ولغير ذَلِك فَلم ينْتَفع بِنَفسِهِ بعد إِلَّا قَلِيلا وَاسْتمرّ موعوكا سِتَّة أشهر إِلَى أَن مَاتَ عقب الْوَلِيّ بِشَهْر وَاحِد ومجتمع الْكل عِنْد الله انْتهى بِزِيَادَة، وتألمت الخواطر الصافية لعزله وتكدرت معيشته هُوَ سِيمَا وَقد جاهره وَقت عَزله بعض المزورين بِمَا لَا يَلِيق واستقروا بِبَعْض تلامذته وَإِن كَانَ هُوَ ابْن شَيْخه وَصَارَ المستقر يتَكَلَّم بِمَا لَا يجمل مِمَّا يَقُول صَاحب التَّرْجَمَة حِين وُصُول ذَلِك إِلَيْهِ أعرف ذَنبي وَيُشِير لما أَشرت إِلَيْهِ مَعَ شَيْخه ابْن الملقن وَأظْهر السرُور بِهِ فِي الْحَالة الراهنة من اقْتصر على مُلَاحظَة الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة وَلزِمَ طَرِيقَته قبل فِي الانجماع على الْعلم وإفادته وتصنيفه وإسماعه إِلَى أَن مَاتَ قبل استكمال سنة من صرفه مبطونا شَهِيدا آخر يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشري شعْبَان سنة سِتّ وَعشْرين وَصلى عَلَيْهِ صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة بالأزهر فِي مشْهد حافل شهده خلق من الْأُمَرَاء والقضاة وَالْعُلَمَاء والطلبة تقدم القَاضِي المستجد مَعَ كَونه أوصى لمُعين ثمَّ دفن إِلَى جَانب وَالِده بتربة طشتمر من الصَّحرَاء ﵀ وإيانا ونفعنا بِهِ وبسلفه وعلومهما. وتأسف الخيرون على فَقده، قَالَ شَيخنَا فِي أنبائه وَلما صرف عَن الْقَضَاء حصل لَهُ سوء مزاج من كَونه صرف بِبَعْض تلامذته بل بِبَعْض من لَا يفهم عَنهُ كَمَا يَنْبَغِي وَكَانَ يَقُول لَو عزلت بِغَيْر فلَان مَا صَعب عَليّ قَالَ واستيعاب قضاياه يطول، وَكَانَ من خير أهل عصره بشاشة وصلابة فِي الحكم وقياما فِي الْحق وطلاقة وَجه وَحسن خلق وَطيب عشرَة، وَلما وقف القَاضِي علم الدّين على كَونه صرف بِبَعْض الدَّهْر وَغلظ الْيَمين فَرَأى ذَلِك مُصَنف الطَّبَقَات فضبب عَلَيْهِ فِي نسخته، وَقَالَ شَيخنَا فِي مُعْجَمه أَنه قَرَأَ وَسمع عَلَيْهِ وَمن لَفظه قَالَ وَكَانَ مجْلِس الْإِمْلَاء قد انْقَطع بعد موت أَبِيه إِلَى أَن شرع فِيهِ من ابْتِدَاء شَوَّال سنة عشر وَثَمَانمِائَة فأحيا الله بِهِ نوعا)
من الْعُلُوم كَمَا أَحْيَاهُ قبل بِأَبِيهِ، وَأثْنى على ولَايَته قَالَ إِلَّا أَنه غلب عَلَيْهِ بعض أصهاره مِمَّن لم يسر سيرته فلزق بِهِ اللوم وتعصب عَلَيْهِ بعض أهل الدولة، قَالَ وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْخَيْر والتواضع وسلامة الْبَاطِن قَالَ وتحدث بِكَثِير من مسموعاته عاليها ونازلها، قَالَ
وَأَعْلَى مَا عِنْده مُطلقًا جُزْء ابْن عَرَفَة حَضَره على القلانسي بإجازته من الْعِزّ الْحَرَّانِي عَن ابْن كُلَيْب قَالَ وَلم يخلف بعده مثله، وَقَالَ فِي رفع الأصر وَكثر الأسف عَلَيْهِ خُصُوصا من طلبة الْعلم، وَقَالَ الْبُرْهَان الْحلَبِي أَنه سمع بقرَاءَته على أَبِيه وَغَيره قَالَ وَهُوَ عَالم نَشأ نشأة حَسَنَة فِي غَايَة من اللطافة والحشمة وَحسن الْخلق والخلق كثير الأشغال والاشتغال من أول عمره إِلَى آخِره وَكَانَ بعد موت الْجلَال البُلْقِينِيّ أوحد فُقَهَاء مصر والقاهرة وَعَلِيهِ الْمُعْتَمد فِي الْفتيا. وَقَالَ التقي الفاسي أخذت عَنهُ أَشْيَاء من تواليفه ومروياته وانتفعت بِهِ كثيرا فِي علم الحَدِيث وَغَيره قَالَ وَهُوَ أَكثر فُقَهَاء عصرنا هَذَا حفظا للفقه وتعليقا لَهُ وتخريجا وفتاويه على كثرتها مستحسنة ومعرفته للتفسير والعربية وَالْأُصُول متقنة وَأما الحَدِيث فأوتي فِيهِ حسن الرِّوَايَة وعظيم الدِّرَايَة فِي فنونه، قَالَ وَحدث بِكَثِير من مسموعاته وَله آمال كَثِيرَة أملاها بعد وَالِده، وَقد كتب لَهُ وَالِده أَنه سامع فِيمَا حَضَره بِبِلَاد الشَّام مَعَ كَونه كَانَ فِي الثَّالِثَة لما رأى فِيهِ وَالِده من الفطنة الْكَثِيرَة قَالَ وَهُوَ كثير الذكاء والمروءة والمحاسن قَاض لحوائج النَّاس إِلَى أَن قَالَ وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الْخَيْر والتواضع وسلامة الْبَاطِن، وَقَالَ الْجمال بن مُوسَى: الإِمَام الْعَلامَة الفريد شيخ الْحفاظ هُوَ أشهر من أَن يُوصف. وَقَالَ الْبَدْر الْعَيْنِيّ كَانَ عَالما فَاضلا لَهُ تصانيف فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَفِي شرح الْأَحَادِيث وَيَد طولى فِي الْإِفْتَاء كَانَ آخر الْأَئِمَّة الشَّافِعِيَّة بالديار المصرية.
وَكَذَا أثنى عَلَيْهِ وحسنوا للسُّلْطَان تَوْلِيَة ابْن شَيْخه على بذل مَال الْتزم بِهِ مَعَ قَوْلهم أَنه أعلم مِنْهُ وَأَنه من بَيت الْعلم والرياسة تنغصت حَيَاته وَأُصِيب كل من تعصب عَلَيْهِ وَاسْتمرّ بطالا من الحكم عمالا فِي الأشغال والتدريس وَالْجمع فِي حلقته متوفر وَأكْثر أَيَّامه يشْتَغل ويشغل وتصنيفه ودروسه من محَاسِن الدُّرُوس يجْرِي فِيهَا بِدُونِ تلعثم وَلَا توقف، وَكَانَ فِي أوخر حَيَاته بعد وَفَاة السراج البُلْقِينِيّ أوحد فُقَهَاء مصر والقاهرة وَمن عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَالْمُعْتَمد انْتهى.
وَسمعت من يَقُول أَنه كَانَ فِي تَقْرِيره للْعلم كَأَنَّهُ خطيب فصاحة وطلاقة وإعرابا بل لَو رام شخص كِتَابَة ذَلِك تمكن مها إِن كَانَ سريعها وَجعله وَالِده ثَانِي اثْنَيْنِ يرجع إِلَيْهِمَا بعده فِي علم الحَدِيث كَمَا بَينته فِي تَرْجَمَة شَيخنَا وَوَصفه بِالْحَافِظِ وَهُوَ جدير بذلك وَكَانَ إِذا وَردت عَلَيْهِ)
مناسخة يسْتَعْمل أحد جماعته الزين البوتيجي فِيهَا
مَعَ قَوْله لَيْسَ ذَلِك عَجزا مني إِنَّمَا لتيسره عَلَيْك سِيمَا وينشأ عَنهُ تزيينه والتفات النَّاس إِلَيْهِ فِي ذَلِك وَقَرِيب مِنْهُ أَنه لما اجْتمع بِهِ ابْن الْمُقْرِئ فِي مَكَّة كَمَا قدمنَا قَالَ لَهُ أَنْت الْقَائِل قل لِلشِّهَابِ بن عَليّ بن حجر قَالَ نعم قَالَ فأنشدناهما فَفعل، قد كثرت تلامذته والآخذون عَنهُ بِحَيْثُ أَنه قل من فضلاء سَائِر الْمذَاهب من لم يَأْخُذ عَنهُ وَأكْثر عَنهُ مِمَّن أخذت عَنهُ الزين رضوَان والبوتيجي الْمحلى عَنهُ وَقَالَ لنا أَنه كَانَ فِي طاقيته قِطْعَة من عود السيسان يَعْنِي شجر الْمخيط لأجل الْعين والمناوي وَكَانَ أَكثر من علمناه ويحكى عَنهُ بِأَن الْوَلِيّ كَانَ زوجا لأخته والأبي، وَفِي الْأَحْيَاء الْكثير مِمَّن أَخذ عَنهُ رِوَايَة وَطَائِفَة مِمَّن أَخذ عَنهُ دراية كالعبادي وَقَالَ لنا أَنه أعلمهُ بِرُؤْيَتِهِ للأسنوي فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ الْوَلِيّ بعد أَن كنت تلميذا صرت رَفِيقًا وَرُبمَا يعِيش بعض الروَاة عَنهُ إِلَى مُضِيّ عشْرين من الْقرن الْعَاشِر وَأَعْلَى من ذَلِك مَا رَوَاهُ لنا شَيخنَا عَن شَيْخه الزين قَالَ سَمِعت ابْني أَبَا زرْعَة يَقُول لَا أعلم حَدِيثا كثير الثَّوَاب مَعَ قلَّة الْعَمَل أصح من حَدِيث من بكر وابتكر وَغسل واغتسل ودنا وأنصت كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة يمشيها كَفَّارَة سنة الحَدِيث بل أَعلَى من هَذَا أَيْضا أَن الشّرف يَعْقُوب المغربي المنوفي فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة كَانَ يواظب الْحُضُور عِنْده فِي الظَّاهِرِيَّة لكَونه منزلا فِي طلبتها مَعَ كَون السراج بن الملقن كَانَ قَرَأَ عَلَيْهِ فِي مَذْهَب مَالك وَلذَا قَالَ الْوَلِيّ فقد أَخذ الْمَذْكُور عني وَأخذ عَنهُ شَيْخي قَالَ وَهَذِه ظريفة، وَحدث عَنهُ شَيخنَا فِي حَيَاته فَقَالَ أَنا أَبُو الْعَبَّاس بن أبي الْفضل بن أبي عبد الله الصحراوي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بالصالحية وَلم ينتبه لكَونه هُوَ الْإِفْرَاد مَعَ كَونه فِي السامعين مِنْهُ لتخريجه الْوَاقِع فِيهِ ذَاك غير وَاحِد من طلبته، وَحدث الْوَلِيّ فِي غير مَا مَوضِع من ضواحي الْقَاهِرَة كانبابة وساقية مَكَّة من الجيزة والجزيرة الوسطي وَالْمَكَان الْمَعْرُوف بالسبع وُجُوه وطنان وَغَيرهَا من القليوبية ومنوف بل وببعض من مناهل الْحجاز كالينبوع وَكَانَ يتَوَلَّى ضبط الْأَسْمَاء بِنَفسِهِ لقُصُور غَالب الطّلبَة فِي ذَلِك وَرُبمَا أحضر بعد المسندين المنفردين لمجلسه يسمع عَلَيْهِ هُوَ وَمن شَاءَ الله وَمن طلبته وجماعته قصدا للخير وَعُمُوم النَّفْع وَلَكِن بلغنَا أَنه لم يلْحق فِي ذَلِك شَيخنَا، وَبِالْجُمْلَةِ فمحاسنه كَثِيرَة. وَمِمَّا عَلمته من تصانيفه فهرست مروياته على وَجه الِاخْتِصَار وَالْبَيَان والتوضيح لمن أخرج لَهُ فِي التَّصْحِيح وَقد مس بِضَرْب من التجريح وَهُوَ أول مَا صنفه والمستجاد فِي مبهمات الْمَتْن والإسناد جمع فِيهِ بَين تصانيف من قبله فِي ذَلِك مَعَ)
زيادات جمة رتبه على الْأَبْوَاب، وتحفة
التَّحْصِيل فِي ذكر رُوَاة الْمَرَاسِيل، وأخبار المدلسين، والذيل على الكاشف للذهبي ذكر فِيهِ من تَركه الذَّهَبِيّ مِمَّن فِي تَهْذِيب الْمزي وأضاف إِلَيْهِ رجال مُسْند أَحْمد مِمَّا استمده من الشريف الحسني، والأطراف بأوهام الْأَطْرَاف للمزي، والذيل على ذيل وَالِده على الوفيات لِلْحَافِظِ أبي الْحُسَيْن بن أيبك افتتحه من سنة مولده وقفت مِنْهُ على نَحْو مُجَلد لطيف يَنْتَهِي إِلَى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَقَالَ التقي الفاسي أَنه وقف مِنْهُ إِلَى سنة ثَلَاث وَتِسْعين فَالظَّاهِر أَنه أكمله، وترجمة وَالِده وسماها تحفة الْوَارِد، وَشرح نظم وَالِده للاقتراح فِي الِاصْطِلَاح وقفت على أَمَاكِن مِنْهُ بل شرح أبياتا من ألفية وَالِده وَشرح السّنَن لأبي دَاوُد كتب مِنْهُ إِلَى أثْنَاء سُجُود السَّهْو سبع مجلدات سوى قِطْعَة من الْحَج وَمن الصّيام أَطَالَ فِيهِ النَّفس وَهُوَ من أَوَائِل تصنيفه لم يكمله وَلم يهذبه وأكمل شرح وَالِده على تَرْتِيب المسانيد وتقريب الْأَسَانِيد وَهُوَ كتاب حافل وَعمل كتابا فِي الْأَحْكَام على تَرْتِيب سنَن أبي دَاوُد كتب مِنْهُ قطعا مفرقة وَجمع طرق حَدِيث الْمهْدي وَفضل الْخَيل وَمَا ورد فِيهَا من الْخَيْر والنيل وَأَرْبَعين فِي الْجِهَاد بِدُونِ إِسْنَاد وَشرح الصَّدْر بِذكر لَيْلَة الْقدر والأجوبة المرضية عَن الأسئلة المكية الْوَارِدَة عَلَيْهِ من التقي بن فَهد وَالدَّلِيل القويم على صِحَة جمع التَّقْدِيم وجزء فِي الْفقر بَين الحكم بِالصِّحَّةِ والموجب وتنقيح اللّبَاب للمحاملي وَشرح الْبَهْجَة الوردية وَسَماهُ النهجة المرضية وَاخْتصرَ الْمُهِمَّات مَعَ إِضَافَة حَوَاشِي شَيْخه البُلْقِينِيّ على الرَّوْضَة وَغَيرهَا إِلَيْهَا بل أفرد حَوَاشِي شَيْخه الْمشَار إِلَيْهَا كَمَا قَدمته فِي مجلدين وانتفع فِيهِ بِمَا كَانَ الْبَدْر الزَّرْكَشِيّ جمعه فِي الْأَمَاكِن الَّتِي ألمحت من رَوْضَة الشَّيْخ وَعمل التعقبات على الرَّافِعِيّ كتب مِنْهُ نَحْو سِتّ مجلدات على أَمَاكِن مفرقة والنكت على المختصرات الثَّلَاثَة جمع فِيهَا بَين نكت ابْن النَّقِيب على الْمِنْهَاج ونكت النَّسَائِيّ على التَّنْبِيه وَتَصْحِيح الْحَاوِي لِابْنِ الملقن والتوشيح للتاج السُّبْكِيّ مَعَ زيادات من كَلَام البُلْقِينِيّ وَغَيره سَمَّاهَا تَحْرِير الفتاوي وَاخْتصرَ المنسك الْكَبِير للعز بن جمَاعَة وَعمل نكتا على الْإِيضَاح فِي الْمَنَاسِك للنووي فِي كراسة ونكتا على الْمِنْهَاج الْأَصْلِيّ سَمَّاهَا التَّحْرِير لما فِي منهاج الْأُصُول من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وجزءا فِي أَفْرَاد تراجم رِجَاله الْمَذْكُورين فِيهِ وشرحا للمتن مُخْتَصرا جدا اقْتصر فِيهِ على حل اللَّفْظ وشرحا لنظم وَالِده لَهُ الْمُسَمّى النَّجْم الْوَهَّاج ولجمع الْجَوَامِع مُلَخصا لَهُ من شَرحه للزركشي وَاخْتصرَ الْكَشَّاف مَعَ تَخْرِيج أَحَادِيثه وتتمات وَنَحْوهَا وَله تذكره مفيدة فِي عدَّة مجلدات، إِلَى غير ذَلِك)
مِمَّا انْتَشَر كثير مِنْهُ وَحمله عَنهُ
الْأَئِمَّة وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهِ مبهماته فِي سنة خمس وَتِسْعين شَيخنَا أَبُو الْفَتْح المراغي وَأقر الْأَئِمَّة بِبَعْض تصانيفه فِي حَيَاته وَكَانَ يسر بذلك وَهِي مهذبة محررة سِيمَا شَرحه للبهجة والنكت وَشرح جمع الْجَوَامِع. وَله نظم كثير ونثر يسير وخطب فَمن نثره مَا قرض بِهِ الْمِائَة العشاريات تَخْرِيج شَيخنَا لشيخهما التنوخي وَمَا كتبه فِي إجَازَة أبي الْفَتْح المراغي مِمَّا كتبه فِي مَوضِع آخر. وَمن نظمه وَيَقَع فِيهِ المقبول مِمَّا كتبته عَن غير وَاحِد من أَصْحَابه مِمَّا أنْشدهُ فِي أَمَالِيهِ:
إِن ترد رَحْمَة وَاسِعَةفِي الدنا ثمَّ فِي القارعة
فَارْحَمْ الْخلق طرا تَجِدراحما رَحْمَة وَاسِعَة
وَمِنْه:
يَا رب عفوا شَامِلًا لسَائِر الذُّنُوبفقد صبوت فِي الصِّبَا وشبت فِي المشيب
وَمِنْه:
قَالُوا الْكَرِيم من الْقَبِيح لضيفهعِنْد الْقدوم مَجِيئه بالزاد
قلت الْقَبِيح أَن يَجِيء مُخَالفاتزودوا فَإِن خير الزَّاد
وأنشدونا عَنهُ عَن شَيْخه الْجمال الأسنائي سَمَاعا مِمَّا قَالَه وَقد رويته عَن أَصْحَابه:
يَا من سما نفسا إِلَى نيل الْعلَاونحا إِلَى الْعلم الْعَزِيز الرافع
قلد سمى الْمُصْطَفى ونسيبهوالزم مطالعة الْعَزِيز الرَّافِعِيّ
وَعَن شَيْخه الْجمال بن نباتة حضورا مِمَّا قَالَه وَقد رويته أَيْضا عَن أَصْحَابه:
دَعونِي فِي حل من الْعَيْش ماشاومرتقبا من بعده عَفْو رَاحِم
أمد إِلَى ذَات الأساور مقلتيوأسأل للأعمال حسن الْخَوَاتِم
وامتدحه بعض الشُّعَرَاء بقصيدة فَلم يجزه عَلَيْهَا فَكتب لَهُ:
أقاضي ولي الدّين إِن قصيدتييتيمة بكر بَعْلهَا قَادر ملي
تفض بِلَا شَيْء لَهَا وتردهاعَليّ بِلَا مهر وَأَنت لَهَا ولي
وترجمته تحْتَمل أَضْعَاف هَذَا.
أَحْمد بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن صَالح بن سعيد الشهَاب أَبُو الْبَهَاء أَبُو حَامِد القلقشندي الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي الْخَطِيب أَخُو
الْعَلَاء عَليّ ابْنا التقي أبي بكر الآتيين. ولد فِي سَابِع عشر رَمَضَان سنة ثَمَانمِائَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقُرْآن عَن الْعَلَاء بن اللفت الضَّرِير وَحفظ التَّنْبِيه وَعرضه على الشهَاب بن الهائم وَالشَّمْس الْهَرَوِيّ وَغَيرهم وَسمع الحَدِيث على الشهَاب بن الناصح وَالشَّمْس مُحَمَّد بن سعيد شيخ زَاوِيَة
الدركاه وَأبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْحَافِظ أبي مَحْمُود ويوسف الغانمي وَمُحَمّد بن يُوسُف التازي وغزال عتيقة عَمه فِي آخَرين وبنابلس على الْعَلَاء عَليّ بن مُحَمَّد بن السَّيْف وَأَجَازَ لَهُ الْعِرَاقِيّ والهيثمي والصدر الْمَنَاوِيّ وَآخَرُونَ واشتغل يَسِيرا وتنزل طَالبا بالصلاحية فَقِيها فِي سنة إِحْدَى عشرَة ثمَّ معيدا بهَا وَكَذَا فِي ربع الخطابة بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى كِلَاهُمَا بعد موت وَالِده سنة إِحْدَى وَعشْرين، لَقيته بِبَيْت الْمُقَدّس فَحملت عَنهُ أَشْيَاء وَكَانَ خيرا متواضعا من بَيت علم ورياسة. وَهُوَ جد الصّلاح خَلِيل الجعبري لِأَنَّهُ مَاتَ فِي رَجَب سنة تسع وَتِسْعين وَاسْتقر بعده فِي ربع الخطابة أَخُوهُ فَصَارَ مَعَه النّصْف فِيهَا.
أَحْمد بن عبد الرَّحِيم بن مَحْمُود بن أَحْمد الشهَاب بن الزين بن شَيخنَا الْبَدْر الْعَيْنِيّ الأَصْل القاهري الْحَنَفِيّ. ولد فِي حُدُود سنة خمسين وَثَمَانمِائَة وَنَشَأ فِي حَيَاة أَبِيه عِنْد الْأَمِير خشقدم لكَونه ابْن ربيبته فرباه وَاسْتمرّ مَعَه حَتَّى تسلطن فأنعم عَلَيْهِ بإمرة عشرَة ثمَّ بعدة إقطاعات وَسكن قلعة الْجَبَل كعادة بني الْمُلُوك وَصَارَ يُخَاطب بسيدي وَيكْتب لَهُ الْمقَام الشهابي سبط الْمقَام شرِيف وَلَا زَالَ يرقيه حَتَّى صيره من مقدمي الألوف بالديار المصرية فزادت حرمته وعظمته وَصَارَت الْأُمُور غَالِبا لَا تصدر إِلَّا عَنهُ فِي الولايات والعزل وَنَحْو ذَلِك مَعَ لطف وَصَوت طري بِالْقِرَاءَةِ وَنَحْوهَا وتقريب اللطفاء وذوق جيد وعقل رصين وَفهم متين وَلم يُغير مَعَ ارتفاعه طباعه فِي البشاشة والتواضع وَالْإِحْسَان للواردين عَلَيْهِ بل سَار على سيرة أكَابِر الْمُلُوك فِي الإنعام والمماليك خُصُوصا لما سَافر مَعَ جدته خوند الْكُبْرَى أَمِير الْحَاج سنة ثَمَان وَسِتِّينَ فَإِنَّهُ فعل من الْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان شَيْئا كثيرا وَعقد عِنْده مجْلِس الحَدِيث فِي الْأَشْهر الثَّلَاثَة فَمَا تخلف كَبِير أحد عَن حُضُور مَجْلِسه ابْتِدَاء ومخطوبا رَاغِبًا أَو رَاهِبًا وَصَارَ يعطيهم الصرر عِنْد الْخَتْم وَالْخلْع وَغير ذَلِك وَكنت مِمَّن خطب لذَلِك وَجَاءَنِي قاصده مرّة أُخْرَى فَمَا انْشَرَحَ الخاطر لتغيير مألوفي، بل وَعمل مدرسة جده تداريس وتصوفا وَنَحْو ذَلِك وَكَانَ من جملَة المقررين هُنَاكَ الشمني والأقصرائي والحصني والعبادي وَخلق وَكَانَ ينزل فِي مَجْلِسه كل أحد مَنْزِلَته بِحَيْثُ أَن الْعَبَّادِيّ رام الْجُلُوس فَوق الشمني فَأَخذه بِيَدِهِ وَحَوله إِلَى الْجِهَة)
الْأُخْرَى وَكَذَا لما امْتنع التقي القلقشندي من تَمْكِين خطيب مَكَّة أبي الْفضل النويري من الْجُلُوس فَوْقه زبره أعظم زبر بِحَيْثُ فَاتَ الْمجْلس وَآخر أمره فِي أَيَّام الظَّاهِر كَونه أَمِير أخور ثمَّ فِي أَيَّام الظَّاهِر تمربغا ارْتقى لأمرة مجْلِس وَلم يلبث أَن زَالَ ذَلِك كُله أول
اسْتِقْرَار الْأَشْرَف وصودر على أَمْوَال كَثِيرَة تفوق الْوَصْف وأهين مرّة بعد أُخْرَى ثمَّ انصلح أمره مَعَ السُّلْطَان بِحَيْثُ أَنه أمده فِي ختان بنيه بِبَعْض مَا أَخذ مِنْهُ وَكَانَ مهما حافلا وأسعفه بِمَا يرتفق بِهِ فِي عمَارَة بَيت جده المجاور لمدرسته بل عزل الشَّافِعِي والمالكي لتوقفهما فِي ثُبُوت الْتِزَام من بَعضهم لَهُ فِي تِلْكَ الْأَيَّام كَمَا شرحته فِي الْحَوَادِث وكل هَذَا بِحسن نِيَّته وكرم أَصله وبنيته وَلذَا تزايد إقبال السُّلْطَان عَلَيْهِ بِحَيْثُ صَار يتَكَلَّم مَعَه فِي كثير من المآرب فتقضي وَشرع فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين فِي تَكْمِلَة عِمَارَته تجاه مدرسة جده لتَكون سكنا لوَلَده مُحَمَّد عِنْد اتِّصَاله بابنة الْأَمِير لاشين أَمِير مجْلِس كَانَ فِي بَيت هائل بالأزبكية وَصَارَ بَابه محط رحال المستغيثين من القاطنين والوافدين ثمَّ انجمع عَن ذَلِك بعد تلافيه لما كَانَ قرر مَعَ الْملك فِي شَأْنه بِحَيْثُ تكلّف شَيْئا كثيرا وَاسْتمرّ على وجاهته ثمَّ جاور بِمَكَّة واستبدل الْمدرسَة المجاهدية ثمَّ قائمه عَظِيم وَهدم مَا تحتهَا من الدكك فِي الْمَسْجِد وبرز فِي الشَّارِع الْأَعْظَم بروزا فَاحِشا، وارتحل إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة سنة ثَمَان وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي ابْن النّحاس فِي ذِي الْحجَّة وَدفن بقبة سيدنَا الْحسن وَالْعَبَّاس وَالله يجازيه على أَفعاله.
النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع