تجاوز إلى المحتوى

من «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين السخاوي (ت ٩٠٢هـ)

ذكر من اسْمه مُحَمَّد (٧٨)

الصفحة ١ من ٢

رسَالَته فاضحة الْمُلْحِدِينَ بَين فِيهَا زيف ابْن عَرَبِيّ وَقرأَهَا عَلَيْهِ شَيخنَا الْعَلَاء القلقشندي هُنَاكَ فِي شعْبَان سنة أَربع وَثَلَاثِينَ ثمَّ البلاطنسي وَآخَرُونَ وَكَذَا اتّفقت لَهُ حوادث بِدِمَشْق مِنْهَا أَنه كَانَ يسْأَل عَن مقالات التقي بن تَيْمِية الَّتِي انْفَرد بهَا فيجيب بِمَا يظْهر لَهُ من الْخَطَأ فِيهَا وينفر عَنهُ قلبه إِلَى أَن استحكم أمره عِنْده فَصرحَ بتبديعه ثمَّ تكفيره ثمَّ صَار يُصَرح فِي مَجْلِسه بِأَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام فَهُوَ بِهَذَا الْإِطْلَاق كَافِر واشتهر ذَلِك فَانْتدبَ حَافظ الشَّام الشَّمْس بن نَاصِر الدّين

لجمع كتاب سَمَّاهُ الرَّد الوافر على من زعم أَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام كَافِر جمع فِيهِ كَلَام من أطلق عَلَيْهِ ذَلِك من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام من أهل عصره من جَمِيع أهل الْمذَاهب سوى الْحَنَابِلَة وَذَلِكَ شَيْء كثير وَضَمنَهُ الْكثير من تَرْجَمَة ابْن تَيْمِية وَأرْسل مِنْهُ نُسْخَة إِلَى الْقَاهِرَة فقرظه من أئمتها شَيخنَا وَالْعلم البُلْقِينِيّ والتفهني والعيني والبساطي بِمَا هُوَ عِنْدِي فِي مَوضِع آخر فَكَانَ مِمَّا كتبه الْبِسَاطِيّ وَهُوَ رمي مَعْذُور وَنَفث مصدور هَذِه مقَالَة تقشعر مِنْهَا الْجُلُود وتذوب لسماعها الْقُلُوب ويضحك إِبْلِيس اللعين عجبا بهَا ويشمت وينشرح لَهَا أباده الْمُخَالفين ونسبت ثمَّ قَالَ لَهُ لَو فَرضنَا أَنَّك اطَّلَعت على مَا يَقْتَضِي هَذَا من حَقه فَمَا مستندك فِي الْكَلَام الثَّانِي وَكَيف تصلح لَك هَذِه الْكُلية المتناولة لمن سَبَقَك وَلمن هُوَ آتٍ بعْدك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَهل يمكنك أَن تَدعِي أَن الْكل اطلعوا على مَا اطَّلَعت أَنْت عَلَيْهِ وَهل هَذَا إِلَّا استخفاف بالحكام وَعدم مبالاة ببنى الْأَنَام وَالْوَاجِب أَن يطْلب هَذَا الْقَائِل وَيُقَال لَهُ لم قلت وَمَا وَجه ذَلِك فَإِن أَتَى بِوَجْه يخرج بِهِ شرعا من الْعهْدَة كَانَ والأبرح بِهِ تبريحا يرد أَمْثَاله عَن الْإِقْدَام على أَعْرَاض الْمُسلمين انْتهى. وَكتب الْعَلَاء مطالعة إِلَى السُّلْطَان يغريه بالمصنف وبالحنابلة وَفِيه أَلْفَاظ مُهْملَة هُوَ عِنْدِي مَعَ كتاب قَاضِي الشَّام الشَّافِعِي الشهَاب بن محمرة وَفِي شرح الْقِصَّة طول وبلغنا عَن أبي بكر بن أبي الوفا أَن جنية كَانَت تَابِعَة الْعَلَاء وَكَانَت تَأتيه فِي شكل حسن وَتارَة فِي شكل قَبِيح فتتزيا لَهُ من بعيد وَهُوَ مَعَ النَّاس وَأَنه التمس مِنْهُ كِتَابَة تحصين وَنَحْوه لمنعها فَكتب لَهُ أَشْيَاء ولازمها فاستفاد مِنْهَا أَكثر مِمَّا كتب لَهُ غَيره قَالَ وَلم أنزل عنْدك وَلَا أكلت طَعَامك إِلَّا لِأَنَّهُ بَلغنِي عَنْك الْحجب قَالَ وَلم أعلم بذلك أحدا سواك واستكتمنيه فَلم أذكرهُ لأحد حَتَّى مَاتَ وَكَانَ الْعَلَاء يكون مَعَ النَّاس فتتراءى لَهُ فيغمض عَيْنَيْهِ وَيقْرَأ ذَاك التحصين سرا ويغيب عَن النَّاس فيظن أَنه خشوع وتلاوة وَذكر ثمَّ لم يتَّفق حجبها بِالْكُلِّيَّةِ إِلَّا على يَد إِبْرَهِيمُ الأدكاوي كَمَا أسلفته فِي تَرْجَمته وَقد تكَرر اجْتِمَاع الْعِزّ)

الْقُدسِي مَعَه بِبَيْت الْمُقَدّس وَبحث مَعَه فِي أَشْيَاء أَولهَا فِي كفر ابْن عَرَبِيّ أهوَ مُطَابقَة والتزام واتفقا على الثَّانِي بعد أَن كَانَ الْعَلَاء على الأول وَأنكر الْعِزّ عَلَيْهِ تحفيه فِي حرم الْأَقْصَى محتجا بِأَن كَعْب الْأَحْبَار دخله يمشي حبوا فانحل عَن المداومة على ذَلِك. وَمن محَاسِن كَلَامه قَوْله لِابْنِ الْهمام لما دخل عَلَيْهِ مرّة وَعِنْده جمَاعَة من مريديه وَجلسَ فِي حشي الْحلقَة قُم فاجلس هُنَا يَعْنِي بجانبه فَإِن هَذَا لَيْسَ بتواضع لكونك فِي نَفسك تعلم أَن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ يجلك ويرفعك إِنَّمَا التَّوَاضُع أَن تجْلِس تَحت

ابْن عبيد الله بِمَجْلِس السُّلْطَان أَو نَحْو هَذَا. وَكَانَ شَدِيد النفرة مِمَّن يَلِي الْقَضَاء وَنَحْوه وَلَكِن لما ولي مِنْهُم الْكَمَال بن الْبَارِزِيّ قَضَاء الشَّام وَكَانَ الْعَلَاء حِينَئِذٍ بهَا سر وَقَالَ الْآن أَمن النَّاس على أَمْوَالهم وأنفسهم وَلما اجْتمع بِهِ ابْن رسْلَان فِي بَيت الْمُقَدّس عظمه جدا فِي حِكَايَة أسلفتها فِي تَرْجَمته. وَقد ذكره شَيخنَا فِي أنبائه فَقَالَ كَانَ من أهل الدّين والورع وَله قبُول عِنْد الدولة وَأقَام بِمصْر مُدَّة طَوِيلَة وتلمذ لَهُ جمَاعَة وانتفعوا بِهِ، وَكَانَ يتقن فن الْمعَانِي وَالْبَيَان وَيذكر أَنه أَخذه عَن التَّفْتَازَانِيّ ويقرر الْفِقْه على المذهبين ثمَّ تحول إِلَى دمشق فاغتبطوا بِهِ وَكَانَ كثير الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ. وَمَات بهَا كَمَا قرأته بِخَط السَّيِّد التَّاج عبد الْوَهَّاب الدِّمَشْقِي فِي صَبِيحَة يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشرى رَمَضَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين بالمزة وَدفن بسطحها وأرخه الْعَيْنِيّ فِي ثَانِي الشَّهْر وَقَالَ أَنه كَانَ فِي الزّهْد على جَانب عَظِيم وَفِي الْعلم كَذَلِك وَبَعْضهمْ فِي خامسه وَقَالَ أَنه لم يخلف بعده مثله فِي تفننه وورعه وزهده وعبادته وقيامه فِي إِظْهَار الْحق وَالسّنة وإخماده للبدع ورده لأهل الظُّلم والجور قَالَ بَعضهم أَنه حج وَرجع مَعَ الركب الشَّامي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ إِلَى دمشق فَانْقَطع بهَا ولازمه الشهَاب بن عرب شاه حَتَّى مَاتَ، وَقَالَ المقريزي فِي عقوده: كَانَ يسْلك طَرِيقا من الْوَرع فيسمج فِي أَشْيَاء يحملهُ عَلَيْهَا بعده عَن معرفَة السّنَن والْآثَار وانحرافه عَن الحَدِيث وَأَهله بِحَيْثُ كَانَ ينْهَى عَن النّظر فِي كَلَام النَّوَوِيّ وَيَقُول هُوَ ظَاهر ويحض على كتب الْغَزالِيّ وأغلق أَبْوَاب الْمَسْجِد الْحَرَام بِمَكَّة مُدَّة حجه فَكَانَت لَا تفتح إِلَّا أَوْقَات الصَّلَوَات الْخمس وَمنع من نصب الْخيام وَإِقَامَة النَّاس فِيهِ أَيَّام الْمَوْسِم وأغلق أَبْوَاب مَقْصُورَة الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة وَمنع كَافَّة النَّاس من الدُّخُول إِلَيْهَا وَكَانَ يَقُول: ابْن تَيْمِية كَافِر وَابْن عَرَبِيّ كَافِر فَرد فُقَهَاء الشَّام ومصر قَوْله فِي ابْن تَيْمِية وَجمع فِي ذَلِك الْمُحدث ابْن نَاصِر الدّين مصنفا انْتهى. ﵀ وإيانا.

مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود جلال الدّين أَبُو الْبَقَاء بن أثير الدّين بن الْمُحب بن الشّحْنَة الْحلَبِي الشَّافِعِي أَخُو لِسَان الدّين أَحْمد وحسين الماضيين والآتي أَبوهُ وجده قَرِيبا وَيعرف كسلفه بِابْن الشّحْنَة. مِمَّن نَشأ فحوله جده عَن مَذْهَبهم وأضافه لمَذْهَب الشَّافِعِي ليَكُون قَاضِي حلب ويستريح من مناكدة قُضَاة الشَّافِعِيَّة لَهُم فَأُجِيب وَاسْتقر فِي الْقَضَاء بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَحصل لَهُ جده الْخَادِم وَغَيره من كتب الْمَذْهَب وَلم يعلم لَهُ كَبِير اشْتِغَال وَصرف عَنهُ غير مرّة، وَقدم الْقَاهِرَة قبل ذَلِك وَبعده مرَارًا حَتَّى كَانَت منيته بهَا بعد تعلل طَوِيل معزولا فِي يَوْم الْجُمُعَة عَاشر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَدفن

بتربة جده وَهُوَ مِمَّن سمع معي فِي بَيت الْمُقَدّس حِين كَانَ مَعَ جده فِيهِ على الْجمال بن جمَاعَة والتقي القلقشندي وَغَيرهمَا وَحج، وَكَانَ ذَا شكالة وهيئة غير مَحْمُود فِي دينه وَلَا معاملاته عَفا الله عَنهُ وإيانا.

مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود أثير الدّين بن الْمُحب بن الشّحْنَة الْحلَبِي الْحَنَفِيّ وَالِد الَّذِي قبله وَولد الْآتِي بعده وسبط الْعَلَاء بن خطيب الناصرية، أمه خَدِيجَة وَيعرف كسلفه بِابْن الشّحْنَة. ولد فِي ثامن عشرى صفر سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة بحلب وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقُرْآن عِنْد مُحَمَّد الأعزازي وَغَيره وَحفظ الْعُمْدَة والوقاية والمنار والملحة وَعرض بَعْضهَا على الْبُرْهَان الْحلَبِي بل سمع عَلَيْهِ أَشْيَاء وَكَذَا قَرَأَ على الْبَدْر بن سَلامَة بعض محفوظاته، وَأخذ عَن أَبِيه وناب عَنهُ فِي الْقَضَاء بِبَلَدِهِ من سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَعَن جده لأمه فِي خطابة الْجَامِع الْكَبِير بهَا أَيْضا ثمَّ اسْتَقل بِالْقضَاءِ فِي عَاشر الْمحرم سنة سِتّ وَخمسين إِلَى أَن تَركه لوَلَده لِسَان الدّين ثمَّ عَاد إِلَيْهِ بعد مَوته وَكَذَا اسْتَقل بالخطابة قبل ذَلِك بل بَاشر غَيرهمَا من الْوَظَائِف كنظر جيشها وقلعتها وَمن التداريس بَعْضهَا وَقدم الديار المصرية على أَبِيه غير مرّة وَحج مَعَه وَكَثُرت مخالطتي لَهُ فِيهَا بل وَفِي بَلَده وَسمعت خطبَته بهَا. وَهُوَ حسن الشكالة جيد التَّصَوُّر كثير التودد خير من أَخِيه عبد الْبر وَلَكِن ذَاك أفضل فِي الْجُمْلَة مَعَ سُكُون هَذَا وتواضعه وأدبه. مَاتَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثامن وَتِسْعين بحلب.

مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد خير الدّين أَبُو الْخَيْر بن الْجلَال العباسي الخانكي الشَّافِعِي الْمُقْرِئ أحد صوفية الخانقاه ورفيق قُرَيْش الضَّرِير وصهره على عمته والآتي أَبوهُ. ولد فِي سنة خمس وَأَرْبَعين بخانقاه سرياقوس وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَأخذ فِي الْفِقْه وَغَيره عَن الونائي الخانكي وَغَيره ثمَّ لَازم عبد الْحق السنباطي وَيس وَأخذ القراآت عَن)

الزين جَعْفَر السنهوري وتميز فِيهَا مَعَ إِلْمَام بِفُرُوع الْعِبَادَات وَنَحْوهَا ولازمني فِي أَشْيَاء دراية وَرِوَايَة وَمِمَّا سَمعه مني فِي يَوْم عيد الْفطر سنة خمس وَتِسْعين مسلسل الْعِيد، وَفهم مَعَ خير وتقلل ورغبة فِي خدمَة الصَّالِحين وخطب بِالْمَدْرَسَةِ الجزمانية وَغَيرهَا.

مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن الشهَاب غَازِي بن أَيُّوب بن حسام الدّين مَحْمُود شحنة حلب بن الختلو بن عبد الله الْمُحب أَبُو الْفضل بن الْمُحب أبي الْوَلِيد بن الْكَمَال أبي الْفضل بن الشَّمْس أبي عبد الله الثَّقَفِيّ الْحلَبِي

الْحَنَفِيّ الْآتِي أَبوهُ وَالِد الْمَاضِي قَرِيبا وَعبد الْبر الْمَاضِي وَيعرف كسلفه بِابْن الشّحْنَة. ولد كَمَا حَقَّقَهُ فِي رَجَب سنة أَربع وَثَمَانمِائَة وَأمه وَاسْمهَا من ذُرِّيَّة مُوسَى الَّذِي كَانَ حَاجِب حلب وَبنى بهَا مدرسة ثمَّ ولي نِيَابَة البيرة قلعة الرّوم وَمَات بالبيرة فِي سنة خمسين وَسَبْعمائة. وَكَانَ مولد الْمُحب بحلب وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ عِنْد الشَّمْس الْغَزِّي وسافر مَعَ وَالِده إِلَى مصر قبل استكماله عشر سِنِين فَقَرَأَ فِي اجتيازه بِدِمَشْق عِنْد الشهَاب البابي وَفِي الْقَاهِرَة عِنْد البرديني وَكتب على ابْن التَّاج وَعبد الله الشريفي يَسِيرا ثمَّ عَاد إِلَى حلب فأكمل بهَا الْقُرْآن عِنْد الْعَلَاء الكلزي وَحفظ فِي أصُول الدّين عُمْدَة النَّسَفِيّ وَغَيرهَا وَفِي القراآت الطّيبَة لِابْنِ الْجَزرِي وَفِي عُلُوم الحَدِيث والسيرة ألفيتي الْعِرَاقِيّ وَفِي الْفِقْه الْمُخْتَار ثمَّ الْوِقَايَة وَفِي الْفَرَائِض الياسمينية وَفِي أصُول الْفِقْه الْمنَار وَفِي النَّحْو الملحة والالفية والشذور وَبَعض توضيح ابْن هِشَام وألفية ابْن معطى وَفِي الْمنطق تَجْرِيد الشمسية وَفِي الْمعَانِي وَالْبَيَان التَّلْخِيص إِلَى غَيرهَا من مناظيم أَبِيه وَغَيرهَا حَسْبَمَا قَالَه لي بِزِيَادَات وَأَنه كَانَ آيَة فِي سرعَة الْحِفْظ بِحَيْثُ أَنه حفظ ألفية الحَدِيث فِي عشرَة أَيَّام ورام فعل ذَلِك فِي ألفية النَّحْو فَقَرَأَ نصفهَا فِي نصف الْمدَّة وَمَا تيَسّر لَهُ فِي النّصْف الثَّانِي ذَلِك، وَعرض بعض محافيظه على عَمه أبي البشري والعز الحاضري والبدر بن سَلامَة وَكتب لَهُ فِيمَا قَالَه لي:

سمح الزَّمَان بِمثلِهِ فأعجب لَهُإِن الزَّمَان بِمثلِهِ لشحيح
فَالْأَصْل ذَاك والخلال حميدةوالذهن صَاف وَاللِّسَان فصيح

وَأخذ عَن الْأَخيرينِ فِي الْفِقْه وَعظم انتفاعه بثانيهما وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي أُصَلِّي الدّيانَة وَالْفِقْه وَفِي الْمنطق تَجْرِيد الشمسية كَمَا أَخذه عَن مُؤَلفه أَحْمد الجندي واشتدت عنايته بملازمته وعنهما أَخذ الْعَرَبيَّة وَكَذَا عَن عَمه وَآخَرين كالشهاب بن هِلَال قَرَأَ عَلَيْهِ الحاجبية قَالَ وَكَانَ يتوقد ذكاء غير أَنه كَانَ ممتحنا بِابْن عَرَبِيّ وَلذَا مَا مَاتَ حَتَّى اخْتَلَّ عقله، ولازم الْبُرْهَان حَافظ بَلَده فِي)

فنون الحَدِيث وَحمل عَنهُ أَشْيَاء بقرَاءَته وَقِرَاءَة غَيره وَتخرج بِهِ قَلِيلا وَضبط عَنهُ فَوَائِد وَقَالَ أَنه كَانَ يصرفهُ عَن الِاشْتِغَال بالْمَنْطق وَيَقُول لَهُ كَانَ جدك الْكَمَال يلوم وَلَده والدك على توسعه فِيهِ. وصاهر الْعَلَاء بن خطيب الناصرية فَانْتَفع بِهِ وَكتب عَنهُ أَشْيَاء وَكَذَا أَخذ الْقَلِيل عَن شَيخنَا حِين قدومه عَلَيْهِم فِي سفرة آمد بعد أَن كَانَ راسله فِي سنة ثَمَان وَعشْرين يَسْتَدْعِي مِنْهُ الْإِجَازَة قَائِلا فِي استدعائه:

وَإِذ عاقت الْأَيَّام عَن لثم تربكموضن زماني أَن أفوز بطائل
كتبت إِلَيْكُم مستجيزا لعلنيأبل اشتياقي مِنْكُم بالرسائل

وَفِي هَذِه السّنة أجَاز لَهُ من بعلبك الْبُرْهَان بن المرحل وَمن الْقَاهِرَة الشهَاب الوَاسِطِيّ والشهاب الْمَعْرُوف بالشاب التائب وَسمع فِي بَلَده من الشهابين أبي جَعْفَر بن العجمي وَابْن السفاح وَأبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن إِبْرَهِيمُ الشَّاهِد وست الْعَرَب ابْنة إِبْرَهِيمُ بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة وَأخذ بحماة حِين توجهه لملاقاة عَمه إِذْ حج عَن النُّور مَحْمُود ابْن خطيب الدهشة وَأول مَا دخل الْقَاهِرَة مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَلَقي بِدِمَشْق حِينَئِذٍ الْعَلَاء بن سَلام والشهاب بن الحبال وتذاكر مَعَه وَسَأَلَهُ عَن السِّرّ فِي وصف الرجل بِالذكر فِي قَوْله ﷺ فَمَا أبقت الْفَرَائِض فَلَا ولى رجل ذكر فَأجَاب بِأَنَّهُ ورد فِي بعض الْأَحَادِيث لفظ الرجل فَالْمُرَاد بِهِ الْأُنْثَى فالتأكيد لدفع التَّوَهُّم فَلْينْظر والْعَلَاء البُخَارِيّ وَسمع مذاكرته مَعَ ابْن خطيب الناصرية وبالقاهرة التقى المقريزي بل قَالَ أَنه جَاءَهُ صُحْبَة شَيخنَا للسلام عَلَيْهِ وَأَنه اتّفقت نادرة بديعة الِاتِّفَاق وَهِي أَن الْمُحب سَأَلَ من شَيخنَا عَن رَفِيقه لكَونه لم يكن شخصه فَأعلمهُ بِأَنَّهُ المقريزي وَأظْهر التَّعَجُّب من ذَلِك لكَونه فِيمَا سلف عِنْد إِشَاعَة مَجِيء وَالِده التمس من المقريزي لعدم سبق مَعْرفَته بِهِ استصحابه مَعَه للسلام فَفعل وجاءه ليتوجها فَلم يجده فانتظره حَتَّى جَاءَ ثمَّ توجها فَسَأَلَهُ الْوَالِد عني وَاتفقَ الْآن مثل ذَلِك فإنني تَوَجَّهت للتقي فَقيل لي أَنه بالحمام فانتظرته ثمَّ جِئْنَا فسلمنا فسألتم مني عَنهُ فتقارضنا فَالله أعلم. وَلم يستكثر من لِقَاء الشُّيُوخ بل وَلَا من المسموع وَاكْتفى بشيخه الْبُرْهَان مَعَ مَا قَدمته نعم هُوَ مُثبت فِي استدعاء النَّجْم بن فَهد الَّذِي أجَاز فِيهِ خلق من أَمَاكِن شَتَّى وَكَذَا لم يَتَيَسَّر لَهُ الِاشْتِغَال بالعروض مَعَ أَنه إِذا سُئِلَ النّظم فِي أَي بَحر مِنْهُ يفعل حَسْبَمَا قَالَه وَإِن عَمه الْعَلَاء سَأَلَهُ وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة أَو نَحْوهَا أتحسن الْوَزْن فَقَالَ لَهُ نعم قَالَ فعارض لي قَول الشَّاعِر:)

أمط اللثام عَن العذار السابلليقوم عُذْري فِيك بَين عواذلي

فَقَالَ بديهة:

اكشف لثامك عَن عذارك قاتليلتَمُوت غبنا إِن رأتك عواذلي

قَالَ فَاسْتحْسن الْعم ذَلِك، وَسمع من لفظ الزين قَاسم جَامع مسانيد أبي حنيفَة للخوارزمي وَكَانَ يستمد مِنْهُ وَمن الْبَدْر بن عبيد الله حِين كَانَ وَلَده الصَّغِير يقْرَأ على كل مِنْهُمَا بِحَضْرَتِهِ كَمَا أَنه كَانَ يستمد من كَاتبه بالمشافهة والمراسلة وَنَحْوهمَا حِين كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ بل رُبمَا سمع بعض تصانيفه بِقِرَاءَة ابْنه أَو سبطه عَلَيْهِ بِحَضْرَتِهِ وَأول مَا ولي من الْوَظَائِف اشتراكه مَعَ أَخِيه عبد اللَّطِيف فِي تدريس الأشتقتمرية والجردكية والحلاوية والشاذبختية برغبة أَبِيهِمَا لَهما عَنْهَا قبل مَوته ثمَّ اسْتَقل فِي سنة عشْرين

بِالْأولَى وَعمل فِيهَا أجلاسا رتبه لَهُ شَيْخه الْبَدْر بن سَلامَة وَأنْشد الْبَدْر حِينَئِذٍ مشافها لَهُ:

أَقْسَمت أَن جد وَطَالَ المدىروى الورى من بحره الزاخر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «أقسمت إن جد وطال المدى»
فَقل لمن بِالسَّبقِ قد فضلواكم ترك الأول للْآخر

وَقَضَاء الْعَسْكَر بِبَلَدِهِ برغبة التَّاج بن الْحَافِظ وإمضاء الْمُؤَيد إِذْ حل ركابه بحلب فِيهَا ثمَّ بتدريس الشاذبختية بعد ولد قَاضِي حلب يُوسُف الْكُوفِي ثمَّ قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِبَلَدِهِ فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ ولاه إِيَّاه الْأَشْرَف إِذْ حل ركابه فِيهَا وَكَانَت الْوَظِيفَة كَمَا قَالَه شَيخنَا إِذْ ذَاك شاغرة مُنْذُ تحول باكير إِلَى الْقَاهِرَة بعد إِشَارَة شَيْخه الْبُرْهَان عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ فِيهِ بِقَصْدِهِ الْجَمِيل ثمَّ كِتَابَة سرها وَنظر جوالها عوضا عَن الزين بن الرسام فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ مستهل ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين بالبذل مَعَ عناية صهره الولوي السفطي وَكَانَ قد تزوج ابْنَته بعد موت ابْنة ابْن خطيب الناصرية بل اسْتَقر أَيْضا فِي نظر جيشها وقلعتها وَالْجَامِع الْكَبِير النوري وَكَذَا فِي تدريس الجاولية والحدادية والتصدير بالجامع وخطابته مِمَّا تلقى بعضه عَن صهره الأول وَمَا يفوق الْوَصْف بِحَيْثُ صَارَت أُمُور المملكة الحلبية كلهَا معذوقة بِهِ ولَايَة وَإِشَارَة، وعظمت رياسته وتزايدت ضخامته واشتهرت كَثْرَة جهاته وكفاءته بِمَا يُنَاسِبهَا من صِفَاته فَانْطَلَقت الألسن بِذكرِهِ وانجر الْكَلَام لما لَا خير فِي إشاعته ونشره وَلم ينْهض أحد لمقاومته وَلَا التجري على مزاحمته خُصُوصا مَعَ تمكن صهره من الظَّاهِر وانقياد العظماء لِبَأْسِهِ القاهر فَلَمَّا انخفضت كَلمته وزالت طلاقته وبهجته تسوروا لجانبه وَكَاد أَن يدْفع عَن جلّ مآربه فبادر)

قصدا للخلاص من الضير إِلَى الانتماء للنحاس الْمَدْعُو أَبَا الْخَيْر فِي أَيَّام علوه وعزه لينْتَفع بإشارته ورمزه فَلم يلبث أَن انْقَلب على النّحاس الدست وَرمى من جَمِيع النَّاس بالمقت كَمَا هِيَ سنة الله فِي الْجَبَابِرَة ومنة الله على الطَّائِفَة الَّتِي بِالْحَقِّ قاهرة وَظهر أَن الْجمال كَانَ لصنيعه قد تأثر حَيْثُ انجمع عَن مساعدته بل مَا خَفِي أَكثر وَيُقَال أَن الْأَمِير قانم هُوَ الكافل بإلفاته عَنهُ والقائم وتوالت المحن بِصَاحِب التَّرْجَمَة وَرُبمَا ساعده الْبَدْر قَاضِي الْحَنَابِلَة بِمَا لَهُ من السلطنة ونفوذ الْكَلِمَة وَاسْتمرّ فِي المكابدة ومزيد المناهدة بِمَا أضربت عَن إِيرَاده ببسط الْعبارَة واكتفيت بِمَا رمزت بِهِ فِي هَذِه الْإِشَارَة خوفًا من غائلة متساهلي المؤرخين فِي الْإِقْدَام على إِثْبَات مَا قد لَا يُوَافق الْوَاقِع بِيَقِين وَاخْتِلَاف الْأَغْرَاض فِي الْحَوَادِث والأعراض سِيمَا وَقد رَأَيْت الْمُحب صَار يتتبع الْكثير مِمَّا أثْبته بَعضهم فِيهِ بالكشط بِدُونِ مُلَاحظَة لاستمرار التئام الَّذِي لَهُ المؤرخ خطّ وَرُبمَا أثبت غير اسْمه أصلا لكَونه يرى أَنه لَيْسَ لذَلِك أَهلا

وَلَكِن رَأَيْت الْعَيْنِيّ قَالَ حِين اسْتِقْرَار الْمُحب فِي جملَة وظائف أَنه اسْتَقر فِيهَا بعد حمله من الْأَمْوَال الجزيلة والهدايا الجليلة مَا يطول شَرحه وَعز ذَلِك على أهل بَلَده قَالَ وَلم يتَّفق قطّ مثل هَذَا فِي حلب وَلَكِن بالرشاء يصل الْمَرْء فِي هَذِه الْأَزْمَان إِلَى مَا يَشَاء وَقد قَالَ ﷺ لعن الله الراشي والمرتشي والرائش، وَقَالَ البقاعي فِي تَرْجَمَة التيزيني وحصلت لَهُ كائنة مَعَ ابْن الشّحْنَة فِي سنة خمسين بغته فِيهَا وَأدْخل عَلَيْهِ الْخمر إِلَى بَيته من جِهَة ربيبه وزين لحاجب حلب حَتَّى أوقع بِهِ وسجنه وَله من هَذَا النمط بل وأفحش مِنْهُ مِمَّا يتحاكاه أهل بَلَده الْكثير وَلما ملوا مِنْهُ وَجه سَعْيه إِلَى رسوخ قدمه فِي الديار المصرية ليَكُون مرعيا فِي نَفسه وجماعته وجهاته الَّتِي تفوق الْوَصْف فاجتهد حَتَّى ولي كِتَابَة سرها فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع وَخمسين عوضا عَن ابْن الْأَشْقَر ببذل كثير جدا فَلم يتهن بمباشرتها مَعَ عَظِيم المملكة الْجمال بل صَار مَعَه كآحاد الموقعين وَمَعَ ذَلِك فَلم يستكمل فِيهَا سنة بل أُعِيد صَاحبهَا بعد ثَمَانِيَة أشهر وَأَيَّام ودام هَذَا بِالْقَاهِرَةِ مكروبا متعوبا مَرْعُوبًا مَشْغُول الخاطر لما استدانه فِيمَا لم يظفر مِنْهُ بطائل إِلَى أَن وَجه لبيت الْمُقَدّس فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة من الَّتِي تَلِيهَا بعد أَن زود من أفضال الْجمال بِمَا يرتفق بِهِ فوصله فِي سَابِع ذِي الْحجَّة فَأَقَامَ بِهِ ولقيته هُنَاكَ على طَريقَة حَسَنَة من الْعِبَادَة والتلاوة والاشتغال والإشغال بِحَيْثُ أَخْبرنِي أَنه يخْتم الْقُرْآن كل يَوْم وَأَنه جوده بِحَضْرَة الشَّمْس بن عمرَان شيخ الْقُرَّاء بِتِلْكَ النَّاحِيَة وَأَنه كَانَ يكْتب فِي كل يَوْم كراسة فَالله أعلم وَلَكِن)

رَأَيْته هُنَاكَ أحضر بعض مماليكه وَأشْهد عَلَيْهِ أَنه إِن أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ أَو حلب أَو غَيرهمَا من الْبِلَاد الشامية أَو صَاحب أحدا من أعدائه أَو صادقه أَو نَحْو ذَلِك يكون مُشْركًا بِاللَّه ﷿ وَنَحْو هَذَا فكربت لذَلِك وَمَا اسْتَطَعْت الْجُلُوس بل انصرفت وَيُقَال أَنه فِي مملكة ابْن عُثْمَان وَاسْتمرّ الْمُحب مُقيما بالقدس إِلَى إِحْدَى الجمادين سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فَأذن لَهُ فِي الْعود للمملكة الحلبية بعد سعي شَدِيد أَو فِي الرُّجُوع لمصر فاختيرت بَلَده فَأَقَامَ بهَا بِدُونِ وَظِيفَة لرغبته عَن قَضَاء الْحَنَفِيَّة فِيهَا لِابْنِهِ الْكَبِير الْأَثِير من مُدَّة وأضيف حِينَئِذٍ قَضَاء الشَّافِعِيَّة بهَا لحفيده الْجلَال أبي الْبَقَاء مُحَمَّد لمزيد تضررهم بِمن كَانَ يكون فِيهِ كالشهاب الزُّهْرِيّ وَنَحْوه مِمَّا أَظن تسليطهم عَلَيْهِ انتقاما من الله ﷿ بِمَا عمله هُوَ مَعَ الْبُرْهَان السوبيني ذَاك العَبْد الصَّالح حَسْبَمَا سمعته يتبجح بحكايته غير مرّة فَلم يزل مُقيما بهَا إِلَى أَن ورد الْخَبَر بِمَوْت الْجمال فبادر لقدوم الْقَاهِرَة فوصلها فِي يَوْم الْجُمُعَة رَابِع جُمَادَى الأولى من الَّتِي تَلِيهَا فأعيد إِلَى كِتَابَة السِّرّ أَيْضا ببذل يفوق الْوَصْف بعد صرف الْمُحب بن الْأَشْقَر وَاسْتقر بحفيده لِسَان

الدّين أَحْمد فِي نيابتها وَلم يلبث أَن مَاتَ ابْن الْأَشْقَر وباشر حِينَئِذٍ مُبَاشرَة حَسَنَة على الْوَضع بأبهة وضخامة وبشاشة وَسَار مَعَ النَّاس سيرة مرضية بلين ورفق وتواضع ومداراة وَأنزل النَّاس مَنَازِلهمْ وَصرف الْأُمُور تصريفا حسنا وَأَقْبل عَلَيْهِ الْأَشْرَف إينال إقبالا زَائِدا ثمَّ كَانَ هُوَ المنشئ لعهده فِي مرض مَوته لوَلَده أَحْمد الملقب بالمؤيد إِذْ بُويِعَ فأبلغ حَسْبَمَا أوردته فِي تَرْجَمته من الذيل وَغَيره وَلم يعْدم مَعَ ذَلِك من كَلَام كثير بِحَيْثُ خَاضَ النَّاس فِي تطيره من النُّور الإنبابي والبرهان الرقي ورغبته فِي زوالهما بِمَا لم أثْبته وَاسْتمرّ إِلَى أَن اسْتَقر فِي قَضَاء الْحَنَفِيَّة بعد ابْن الديري وَظن جمعه لَهُ مَعَ كِتَابَة السِّرّ وإذعانهم لما أظهر التعفف باشتراطه فخاب رجاؤه حَيْثُ انْفَصل عَنْهَا بأخي الْمُنْفَصِل وناكده فِي الْقَضَاء أتم مناكدة وَظَهَرت بركَة الْمُنْفَصِل فيهمَا مَعًا لانفصال الْأَخ ثمَّ القَاضِي قبل استكمال عشرَة أشهر. وَمَات المستقر عوضه بعد خَمْسَة أشهر فأعيد وألزم بِالْحَجِّ فسافر وَهُوَ متلبس بِالْقضَاءِ مظْهرا التَّكَلُّف لذَلِك وأمير ركب الأول حِينَئِذٍ الشّرف يحيى بن يشبك الْفَقِيه زوج ابْنَته وَعَاد فدام فِي الْقَضَاء حَتَّى صرف ثمَّ أُعِيد ثمَّ صرف وَلم يتول بعْدهَا نعم اسْتَقر فِي مشيخة الشيخونية تصوفا وتدريسا مُضَافا لما كَانَ اسْتَقر فِيهِ فِي أثْنَاء ولَايَته الْقَضَاء من تدريس الحَدِيث بالمؤيدية ورام حوز جِهَات كَثِيرَة بالديار المصرية كَمَا فعل فِي المملكة الحلبية فَمَا قدر فَإِنَّهُ استنزل لنَفسِهِ عَن)

تصوف بالأشرفية برسباي ولولده الصَّغِير عَن إِعَادَة بالصرغتمشية لمناكدة ابْن الأقصرائي فِي مشيختهما وَزوج الابْن أَيْضا بابنة العضدي الصيرامي ليتوصل بهَا لمشيخة البرقوقية بعد أَن رام تَزْوِيجه بابنة الْبَدْر بن الصَّواف ليحوز أَمْوَاله وَغَيرهَا وَأكْثر من التسليط على خَازِن المحمودية لينزل لَهُ عَنْهَا فَمَا سمح بل عزل نَفسه عَن النِّيَابَة عَنهُ لينقطع حكمه فِيهِ وتلطف حِين كَانَ كَاتب السِّرّ بالبدر ابْن شَيخنَا ورغبه فِي الْوُقُوف بِهِ إِلَى السُّلْطَان ليعيد لَهُ مشيخة البيبرسية وينتزعها من ابْن القاياتي بِشَرْط رغبته لَهُ عَنْهَا بعد الْعود فَامْتنعَ وأبرز بعد موت ابْن عبيد الله نزولا مِنْهُ بِسَائِر مَا مَعَه من تدريس ومشيخة وَغير ذَلِك فَلم يصل لشَيْء مِمَّا ذكر بل دندن بالأميني الأقصرائي لتخرج وظائفه عَنهُ فِي حَيَاته حِين ظفر بِإِجَازَة بِخَطِّهِ زعم أَن فِيهَا مَا يدل على اختلاله وَصَارَ يَقُول قد أخرجت الشيخونية عَن فلَان حِين بلغ لنَحْو هَذَا الْحَد ويأبى الله إِلَّا مَا أَرَادَ وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور وَتوسع فِي التلفت للوظائف وَلَو لم تكن جليلة حَتَّى أَنه سعى فِيمَا كَانَ باسم الْبَدْر الهيثمي من تصوفات وأطلاب وَنَحْوهَا مَعَ كَونه ترك أَبَا شَيخا كَبِيرا من قُضَاة

النص من طبعة منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع