من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمسمائة
فيها غزا السلطان محمد بن ملكشاه الباطنية، وأخذ قلعتهم بأصبهان، وقتل صاحبها أحمد بن عبد الملك بن عطّاش، وكان قد تملكها اثنتي عشرة سنة، وهي من بناء ملكشاه، بناها على رأس جبل، وغرم عليها ألفي ألف دينار.
وفيها غرق قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، صاحب قونية ووجد قد انتفخ.
وفيها توفي أبو الفتح الحداد، أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد الأصبهاني الشافعي التاجر الخوافي- وخواف قرية من أعمال نيسابور- كان ورعا، ديّنا، كثير الصدقات. توفي في ذي القعدة، عن اثنتين وتسعين سنة.
روى عن أبي مظفر الشافعي، وكان من ملازمي الإمام، وبه تفقه، وحظي عنده، وكان إمام الحرمين معجبا بفصاحته وحسن كلامه، ثم درّس في حياة الإمام، وولي قضاء طوس، ثم صرف، وكما رزق الغزالي السعادة في حسن التصنيف، رزق هذا السعادة في المناظرة، والعبارة الحسنة المهذّبة، والتصنيف على الخصم.
قال الذهبي: وكان أعلم أهل طوس مع الغزالي، وكان من أنظر أهل زمانه.
وفيها أو بعدها الفقيه الإمام الفرضي، إسحاق بن يوسف بن يعقوب الصّردفي نسبة إلى صردف بلد باليمن. صنّف كتاب «الكافي» في الفرائض، وهو كتاب لم يسبق إلى تدريجه للمبتدئ، وهو من الكتب المباركة النافعة. قيل: اشتري مرة بوزنه، واستغني به عن كتب الفن جميعها، وأصل الشيخ من المعافر، وسكن صردف وكان له ابنتان، زوّج إحداهما واسمها ملكة الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعي، فأولدها هندة أم محمد بن سالم الإمام بجامع ذي أشرق، ولذلك صارت كتب زيد اليفاعي بأيديهم، لأنه لم يرثه غير أمهم هذه، وتزوّج الأخرى إمام مسجد الجند حسّان بن محمد، فأولدها ولد، فصار إليه بعض كتب جدّه إسحاق. قاله ابن الأهدل.
وفيها جعفر بن أحمد بن حسين، أبو محمد البغدادي الحنبلي السرّاج، المعروف بالقارئ. كان حافظ عصره، وعلّامة زمانه، وله التصانيف العجيبة، منها: كتاب «مصارع العشاق» وغيره، وحدّث عن أبي علي بن شاذان، وأبي القاسم بن شاهين، والخلّال، والبرمكي، وغيرهم وأخذ عنه خلق كثير، وروى عنه الحافظ أبو طاهر السّلفي، وكان يفتخر بروايته عنه مع أنه لقي أعيان ذلك الزمان، وأخذ عنهم.
وله شعر حسن، فمنه:
بان الخليط فأدمعيوجدا عليهم تستهلّ
وحدا بهم حادي الفراق عن المنازل فاستقلّوا
قل للذين ترحّلواعن ناظري والقلب حلّوا
ودمي بلا جرم أتىت غداة بينهم استحلّوا
ما ضرّهم لو أنهلوامن ماء وصلهم وعلّوا
ومن شعره أيضا:
وعدت بأن تزوري كلّ شهرفزوري قد تقضّى الشهرزوري
وشقة بيننا نهر المعلىإلى البلد المسمّى شهرزور
وأشهر هجرك المحتوم صدقولكن شهر وصلك شهر زور
وأورد له العماد الكاتب:
ومدّع شرخ شباب وقدعمّمه الشّيب على وفرته
يخضب بالوشمة عثنونهيكفيه أن يكذب في لحيته
وكان مولده ببغداد سنة ست عشرة وأربعمائة، وتوفي بها ليلة الأحد الحادي والعشرين من صفر. قاله ابن خلّكان.
وفيها أبو غالب الباقلّاني محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن البغدادي الفامي، الرجل الصالح. روى عن ابن شاذان، والبرقاني، وطائفة، وتوفي في ربيع الآخر، عن ثمانين سنة.
وفيها أبو الحسين بن الطّيوري، المبارك بن عبد الجبّار بن أحمد بن قاسم الصّيرفي البغدادي المحدّث. سمع أبا علي بن شاذان فمن بعده.
قال ابن السمعاني: كان مكثرا، صالحا، أمينا، صدوقا، صحيح الأصول، ديّنا، صيّنا، وقورا، كثير الكتابة.
وقال غيره: توفي في ذي العقدة عن تسع وثمانين سنة، وكان عنده ألف جزء بخط الدّارقطني. قاله في «العبر».
وفيها المبارك بن فاخر أبو الكرم الدبّاس الأديب، من كبار أئمة اللّغة والنحو ببغداد، وله مصنّفات. روى عن القاضي أبي الطّيب الطبري، وأخذ اللغة عن عبد الواحد بن برهان، ورماه ابن ناصر بالكذب في الرواية، وتوفي في ذي القعدة عن سبعين سنة.
وفيها يوسف بن تاشفين أبو يعقوب، أمير المسلمين وملك الملثمين، وهو الذي اختطّ مدينة مرّاكش، وكان عظيم الشأن، كبير السلطان، معتدل القامة، أسمر اللون، نحيف الجسم، خفيف العارضين، دقيق الصوت، وكان يخطب لبني العبّاس، وهو أول من تسمى بأمير المسلمين، ولم يزل على حاله وعزة سلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين ثالث محرم هذه السنة، وعاش تسعين سنة، ملك منها خمسين سنة.
قال ابن الأثير في «تاريخه»: كان حسن السيرة، خيّرا، عادلا، يميل إلى أهل العلم والدّين، ويكرمهم، ويحكّمهم في بلاده ويصدر عن رأيهم، وكان يحبّ العفو والصفح عن الذنوب العظام، فمن ذلك أنّ ثلاثة نفر اجتمعوا، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها، وتمنى الآخر زوجته وكانت من أحسن النساء، ولها الحكم في بلاده، وتمنى الآخر عملا [يعمل فيه]،
فبلغه الخبر، فأحضرهم، وأعطى متمنّي المال ألف دينار، واستعمل الآخر، وقال للذي تمنّى زوجته: يا جاهل! ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه، ثم أرسله إليها فتركته في خيمة ثلاثة أيام يحمل إليه في كلّها طعام واحد، ثم أحضرته وقالت له: ما أكلت في هذه الثلاثة أيام، فقال: طعاما واحدا، فقالت: كل النساء شيء واحد، وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته.
وقال ابن الأهدل: يوسف بن تاشفين أبو يعقوب البربري الملثم. كان أعظم ملوك الدّنيا في عصره، وكان عديم الرفاهية، تملّك الأندلس، واختطّ مرّاكش، وجعلها دار الإمارة، وفي آخر أيامه بعث إليه الخليفة من بغداد الخلع والتقليد واللّواء، فأقيمت الخطبة العباسية بمملكته، وكان أولا مقدّم أبي بكر بن عمر الصنهاجي، وكان الصنهاجي مقدّم الملثمين من ملوك حمير المغرب، واختلف لم سمّوا بذلك. وفيهم يقول الشاعر:
قوم لهم درك العلا في حميروإن انتموا صنهاجة فهم هم
لما علوا أحرار كل قبيلةغلب الحياء عليهم فتلثموا
وعهد ابن تاشفين بالأمر إلى ولده تومرت. انتهى.
وفيها عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد الفارسي الفامي، أبو محمد الفقيه الشافعي المفتي.
ولد سنة أربع عشرة، واشتغل في العلوم، وصنّف سبعين مصنّفا، وله تفسير ضمّنه مائة ألف بيت شعر [على ما ذكر]، وكان بارعا في معرفة المذهب. قدم بغداد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقد أملى بجامع القصر،
وحفظت عليه غلطات في الحديث، وإسقاط رجال، وتصحيف فاحش. أورد منه ابن السمعاني أشياء كثيرة.
وقال يحيى بن مندة: هو أحفظ من رأيناه لمذهب الشافعي.
صنّف كتاب «تاريخ الفقهاء» ومات بشيراز في رمضان. قاله ابن قاضي شهبة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع