تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس عشرة وستمائة

فيها جاءت رسل جنكزخان ملك التتار محمود الخوارزمي، وعلي البخاري بتقدمة مستظرفة إلى خوارزم شاه، وتطلب منه المسالمة والهدنة، فاستمال خوارزم شاه محمودا الخوارزمي وقال: أنت منا وإلينا، وأعطاه معضدة جوهر، وقرّر معه أن يكون عينا للمسلمين. ثم قال له: أصدقني، أيملك جنكزخان طمغاج الصين؟ قال: نعم. قال: فما ترى؟ قال: الهدنة.

فأجاب، وسرّ جنكزخان بإجابته. واستقرّ الحال إلى أن جاء من بلاده تجّار إلى ما وراء النهر وعليها خال خوارزم شاه، فقبض عليهم وأخذ أموالهم شرها منه. ثم كاتب خوارزم شاه يقول: إنهم تتار في زيّ التجار، وقصدهم يجسّوا البلاد، ثم جاءت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول: إن كان ما فعله خالك بأمره فسلّمه إلينا، وإن كان بأمرك فالعذر قبيح، وستشاهد ما تعرفني به، فندم خوارزم شاه وتجلّد، وأمر بالرّسل فقتلوا لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كانَ مَفْعُولًا. فيا لها من حركة عظيمة الشؤم أجرت بكل قطرة بحرا من الدماء.

وفيها توفي محدّث بغداد أبو العبّاس البندنيجي- بفتح الباء الموحدة والمهملة وسكون النون الأولى وكسر الثانية ثم تحتية وجيم، نسبة إلى

بندنيجين بلفظ المثنى بلد قرب بغداد- أحمد بن أحمد بن أحمد بن كرم بن غالب البغدادي الأزجي، الحافظ المحدّث المعدّل الحنبلي.

ولد في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وتلقّن القرآن من أبي حكيم النّهرواني، وقرأه بالروايات على أبي الحسن البطائحي وغيره.

وسمع الحديث الكثير من أبي بكر بن الزّاغوني، وأبي الوقت، وخلق.

قال الدّبيثي: كان وافر السماع، كثير الشيوخ، حسن الأصول، حدّث بالكثير وسمع منه جماعة.

وقال ابن ناصر الدّين: هو محدّث بغداد. كان حافظا مكثرا، لكنه غير عمدة، رماه ابن الأخضر وكذّبه وقبله غيره.

وقال ابن رجب في «طبقاته»: توفي معه في ثالث عشر رمضان أبو محمد عبد الكافي بن بدر بن حسّان الأنصاري الشّامي الأصل المصري النجّار الحنبلي، وكان صالحا كثير الصيام والتعبد. سمع من البوصيري، والأرتاحي، وعبد الغني الحافظ، وربيعة بن نزار، وغيرهم، وعلّق عنه المنذري شيئا. توفي وله نحو الستين سنة. انتهى.

أي ودفن الأول بباب حرب من بغداد والثاني بالمقطّم من مصر.

وفيها الشمس العطّار أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد السّلمي البغدادي الصيدلاني، نزيل دمشق.

ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وسمع الناس منه «صحيح البخاري» غير مرّة. وكان ثقة. توفي في شعبان.

وفيها صاحب الموصل السلطان الملك القاهر عز الدّين أبو الفتح مسعود بن السلطان نور الدّين أرسلان شاه بن مسعود الأتابكي.

ولد سنة تسعين وخمسمائة، وتملّك بعد أبيه، وله سبع عشرة سنة، وكان موصوفا بالملاحة والعدل والسماحة، قيل: إنّه سمّ ومات في ربيع الآخر وله خمس وعشرون سنة، وعظم [على] الرّعية فقده.

وولي بعده بعهد منه ولده نور الدّين أرسلان شاه، ويسمّى أيضا عليّا، وله عشر سنين، فمات في أواخر السنة أيضا.

وفيها زينب الشّعريّة الحرّة أمّ المؤيّد بنت أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن أحمد بن سهل الجرجاني ثم النيسابوري الشعري الصّوفي.

ولدت سنة أربع وعشرين [وخمسمائة]، وسمعت من ابن الفراوي

عبد الله لا من أبيه، ومن زاهر الشّحّامي، وعبد المنعم بن القشيري، وطائفة.

توفيت في جمادى الآخرة وانقطع بموتها إسناد عال.

وفيها أبو القاسم الدّامغاني. قاضي القضاة، عبد الله بن الحسين ابن أحمد بن علي بن قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، الفقيه الحنفي العلّامة عماد الدّين. سمع من تجنّي الوهبانية، وولي القضاء بالعراق سنة ثلاث وستمائة إلى أن عزل سنة إحدى عشرة، وتوفي في ذي القعدة.

وفيها القاضي شرف الدّين بن الزّكي القرشي أبو طالب، عبد الله بن زين القضاة عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي الدّمشقي الشافعي.

قال ابن شهبة: ناب في القضاء عن ابن عمّه القاضي محيي الدّين ابن الزّكي، وعن أبيه زكي الدّين الطاهر، ودرّس بالرواحية، فكان أول من درّس بها. ودرّس بالشامية البرانية.

وقال ابن كثير: إنه أول من درّس بها أيضا.

وقال سبط ابن الجوزي: كان فقيها نزها لطيفا عفيفا.

وقال الشهاب القوصي: كان ممن زاده الله بسطة في العلم والجسم.

توفي في شعبان.

وفيها الشّهاب فتيان بن علي بن فتيان بن ثمال الأسدي الحنفي الدمشقي المعروف بالشّاغوري.

قال ابن خلّكان: كان فاضلا شاعرا ماهرا، خدم الملوك ومدحهم وعلّم أولادهم. وله ديوان شعر فيه مقاطيع حسان، وأقام مدة بالزّبداني وله فيها أشعار لطيفة، فمن ذلك قوله في جهة الزّبداني- وهي أرض فيحاء جميلة المنظر، تتراكم عليها الثلوج في زمن الشتاء، وتنبت أنواع الأزهار في أيام الربيع، ولقد أحسن فيها كل الإحسان وهي-:

قد أجمد الخمر كانون بكل قدحوأخمد الجمر في الكانون حين قدح
للشاعر فتيان الشاغوري، من قصيدة «قد أجمد الخمر كانون بكل قدح»
يا جنّة الزّبداني أنت مسفرةعن كلّ حسن إذا وجه الزّمان كلح
للشاعر فتيان الشاغوري، من قصيدة «قد أجمد الخمر كانون بكل قدح»
فالثّلج قطن عليه السّحب تندفهوالجوّ يحلجه والقوس قوس قزح

وله وقد دخل إلى حمّام ماؤها شديد الحرارة، وكان قد شاخ:

أرى ماء حمّامكم كالحميمنكابد منه عناء وبؤسا
للشاعر فتيان الشاغوري، من قصيدة «أرى ماء حمامكم كالحميم»
وعهدي بكم تسمطون الجداءفما بالكم تسمطون التّيوسا

وله:

علام تحرّكي والحظّ ساكنوما نهنهت في طلب ولكن
للشاعر فتيان الشاغوري، من قصيدة «علام تحركي والحظ ساكن»
أرى نذلا تقدّمه المساويعلى حرّ تؤخّره المحاسن
للشاعر فتيان الشاغوري، من قصيدة «علام تحركي والحظ ساكن»

توفي بدمشق ودفن بمقابر باب الصغير.

وفيها صاحب الرّوم الملك الغالب عزّ الدّين كيكاوس بن كيخسرو ابن قلج أرسلان السّلجوقي، سلطان قونية، وأقصرا، وملطية، وأخو السلطان علاء الدّين كيقباذ. كان ظلوما غشوما سفّاكا للدماء، قيل: إنه مات فجأة مخمورا فأخرجوا أخاه علاء الدّين وملّكوه بعده، وذلك في شوال. قاله في «العبر».

وفيها ركن الدّين أبو حامد محمد بن العميد الفقيه الحنفي السمرقندي، مصنّف الطريقة العميدية المشهورة. كان إماما في الخلاف، وشرح «الإرشاد» وصنف كتاب «النفائس» وكان حسن الأخلاق، كثير التواضع. توفي في جمادى الآخرة ببخارى.

وفيها شهاب الدّين عبد الرحمن بن عمر بن أبي نصر بن علي بن عبد الدّائم بن الغزّالي البغدادي الحنبلي الواعظ أبو محمد.

ولد في جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وسمع الكثير بإفادة أبيه وبنفسه من الحافظ ابن ناصر، وسعد بن البنا، وأبي بكر بن الزّاغوني، وأبي الوقت، وغيرهم. وعني بهذا الشأن، وله في الخطّ طريقة

حسنة معروفة، ووعظ مدة، ومال إلى مدح الحلّاج وتعظيمه، ولقد أخطأ في ذلك.

قال ابن النجّار: سمعت بقراءته كثيرا وسمعت منه، وكان سريع القراءة والكتابة، إلّا أنه قليل المعرفة بأسماء المحدّثين، وحدّث وسمع منه جماعة، وأجاز المنذريّ وغيره، وروى عنه ابن الصّيرفي، وتوفي يوم الثلاثاء نصف شعبان ودفن بباب حرب.

وفيها السلطان الملك العادل سيف الدّين أبو بكر محمد بن الأمير نجم الدّين أيوب بن شاذي.

ولد ببعلبك حال ولاية أبيه عليها، ونشأ في خدمة نور الدّين مع أبيه، وكان أخوه صلاح الدّين يستشيره ويعتمد على رأيه وعقله ودهائه، ولم يكن أحد يتقدم عليه عنده، ثم تنقلت به الأحوال واستولى على الممالك، وسلطن ابنه الكامل على الدّيار المصرية، وابنه المعظّم على الشام، وابنه الأشرف على الجزيرة، وابنه الأوحد على خلاط، وابن ابنه المسعود على اليمن، وكان ملكا جليلا سعيدا، طويل العمر، عميق الفكر، بعيد الغور، جمّاعا للمال، ذا حلم وسؤدد وبرّ كثير، وكان يضرب المثل بكثرة أكله، وله نصيب من صوم وصلاة، ولم يكن محبّبا إلى الرّعية لمجيئة بعد الدولتين النّورية والصلاحية. وقد حدّث عن السّلفي، وخلّف سبعة عشر ابنا، تسلطن منهم الكامل، والمعظّم، والأشرف، والصالح، وشهاب الدّين غازي صاحب ميّافارقين، وتوفي في سابع جمادى الآخرة وله بضع وسبعون سنة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.