تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة تسع وستمائة

فيها كانت الملحمة العظمى بالأندلس بين النّاصر محمد بن يعقوب ابن يوسف وبين الفرنج، ونصر الله الإسلام واستشهد بها عدد كثير، وتعرف بوقعة العقاب.

وفيها توفي أبو جعفر الحصّار أحمد بن علي بن يحيى بن عون الله الأنصاري الأندلسي الدّاني، المقرئ المالكي، نزيل بلنسية. قرأ القراءات على ابن هذيل، وسمع من جماعة، وتصدّر للإقراء، ولم يكن أحد يقارنه في الضبط والتحرير، ولكن ضعّفه الأبّار وغيره لروايته عن ناس كأنّه ما لقيهم. توفي في صفر. قاله في «العبر».

وفيها أبو عمر بن عات أحمد بن هارون بن أحمد بن جعفر بن عات النّقري- بضم النون والقاف وراء- نسبة إلى نقر بطن من أحمس-

الشّاطبي الحافظ. سمع أباه العلّامة أبا محمد، وابن هذيل. ولما حجّ [سمع] من السّلفيّ، وكان عجبا في سرد المتون ومعرفة الرجال والأدب [وكان زاهدا، سلفيا، متعفّفا، عدم في وقعة العقاب في صفر.

قال ابن ناصر الدّين]: كان زاهدا ورعا حافظا ثقة مأمونا. انتهى.

وفيها الملك الأوحد أيوب بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب.

تملّك خلاط خمس سنين، وكان ظلوما غشوما سفّاكا لدماء الأمراء.

مات في ربيع الأول.

وفيها أبو نزار ربيعة بن الحسن الحضرمي اليمني الصّنعاني الشافعي المحدّث.

ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وتفقّه بظفار، ورحل إلى العراق وأصبهان، وسمع من أبي المطهّر الصيدلاني، ورجاء بن حامد المعداني وطائفة، وكان مجموع الفضائل، كثير التعبّد والعزلة.

قال ابن ناصر الدين: أبو نزار الذّماري ربيعة بن الحسن بن علي الحضرمي الصّنعاني أبو نزار الحافظ الفقيه الشافعي. كان إماما حافظا فقيها ماهرا لغويا أديبا شاعرا. انتهى.

توفي في جمادى الآخرة.

وفيها أبو شجاع زاهر بن رستم الأصبهانيّ الأصل ثم البغدادي، الفقيه الشافعي الزاهد. قرأ القراءات على سبط الخيّاط، وأبي الكرم، وسمع منهما ومن الكروخي وجماعة، وجاور، وأمّ بمقام إبراهيم إلى أن عجز وانقطع. توفي في ذي القعدة، وكان ثقة بصيرا بالقراءات.

وفيها أبو الفضل بن المعزّم عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن صالح الهمذاني الفقيه. توفي في ربيع الآخر، وسمع من أبي جعفر محمد بن علي الحافظ، وعبد الصبور الهروي، وطائفة. وكان مكثرا، صحيح السماع.

وفيها علي بن يحيى الحمّامي.

قال ابن ناصر الدّين: معدود في الحفّاظ الفضلاء والمحدّثين العلماء. انتهى.

وفيها أبو الحسن بن النجّار علي بن محمد بن حامد اليغنوي- بفتح الياء التحتية والنون وسكون الغين المعجمة، نسبة إلى يغنى قرية بنسف - الفقيه الحنبلي. قرأ الفقه والخلاف على الفخر إسماعيل صاحب ابن المنّي، وتكلم في مسائل الخلاف فأجاد، وقرأ طرفا صالحا من الأدب، وقال الشعر وكان يكتب خطا حسنا، وسافر عن بغداد ودخل ديار بكر، وولي القضاء بآمد، وأقام بها إلى حين وفاته، وكان صهرا لعبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر

الكيلاني على ابنته، وتوفي بآمد في رمضان وقد جاوز الأربعين.

قال ابن النجار: أنشدت له:

لو صبّ ما ألقى على صخرةلذابت الصّخرة من وجدها
أو ألقيت نيران قلبي علىدجلة لم يقدر على وردها
أو ذاقت النّار غرامي بكملم تتوار النّار في زندها
لو لم ترجّ الرّوح روح اللقالكان روح الرّوح في فقدها

وفيها ابن القبّيطيّ أبو الفرج محمد بن علي بن حمزة أخو حمزة الحرّاني ثم البغدادي. روى عن الحسين، وأبي محمد، سبطي الخيّاط وأبي منصور بن خيرون، وطائفة، وكان متيقظا، حسن الأخلاق.

وفيها محمد بن محمد بن أبي الفضل الخوارزمي. سمع من زاهر الشحّامي بأصبهان.

وفيها ناصر الدّين أبو الثناء وأبو الشكر، محمود بن عثمان بن مكارم النعّال البغدادي الأزجي، الفقيه الحنبلي، الواعظ الزاهد.

ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة ببغداد، وقرأ القرآن، وسمع

الحديث، من أبي الفتح بن البطّي، وحدّث، وحفظ «مختصر الخرقي»، وقرأ على أبي الفتح بن المنّي، وصحب الشيخ عبد القادر مدة، وتأدّب به، وكان يطالع الفقه والتفسير، ويجلس في رباطه للوعظ، وكان رباطه مجمعا للفقراء وأهل الدّين والفقهاء الغرباء، الذين يرحلون إلى أبي الفتح بن المنّي، وكان الاشتغال في رباطه بالعلم أكثر من الاشتغال في سائر المدارس. سكنه الشيخ موفق الدّين المقدسي، والحافظ عبد الغني [وأخوه الشيخ العماد، والحافظ عبد القادر الرّهاوي، وغيرهم من أكابر الرحّالين لطلب العلم].

قال أبو الفرج بن الحنبلي: ولما قدمت بغداد سنة اثنتين وسبعين نزلت الرّباط، ولم يكن فيه بيت خال، فعمرت به بيتا وسكنته، وكان الشيخ محمود وأصحابه ينكرون المنكر، ويريقون الخمور، ويرتكبون الأهوال في ذلك، [حتّى إنه أنكر على جماعة من الأمراء، وبدّد خمورهم، وجرت بينه وبينهم فتن] وضرب مرات، وهو شديد في دين الله، له إقدام وجهاد. وكان كثير الذّكر، قليل الحظّ من الدنيا، وكان يسمّى شيخ الحنابلة.

قال: وكان يهذّبنا ويؤدّبنا، وانتفعنا به كثيرا.

وقال أبو شامة: كانت له رياضات وسياحات ومجاهدات، وساح في بلاد الشام وغيرها، وكان يؤثر أصحابه، وانتفع به خلق كثير، وكان مهيبا، لطيفا، كيّسا، باشّا، مبتسما، يصوم الدّهر، ويختم القرآن كل يوم وليلة، ولا يأكل إلّا من غزل عمّته.

توفي ليلة الأربعاء عاشر صفر عن أزيد من ثمانين سنة ودفن برباطه.

وفيها أبو زكريا يحيى بن سالم بن مفلح البغدادي نزيل الموصل، الحنبلي. سمع ببغداد من أبي الوقت، وتفقّه بها على صدقة بن الحسين بن الحداد، وحدّث بالموصل، وتوفي بها في شهر رمضان، ودفن بمقبرة الجامع العتيق.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.