تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس وستمائة

فيها نازلت الكزج مدينة أرجيش فافتتحوها بالسّيف وأحرقوها.

قال ابن الأهدل: والكزج بالزّاي والجيم.

وفيها توفي ابن القارص الحسين بن أبي نصر بن الحسين بن هبة الله بن أبي حنيفة الحريمي المقرئ الضرير. روى عن ابن الحصين، وعمّر دهرا، وتوفي في شعبان.

وفيها أبو عبد الله الحسين بن أحمد الكرخي الكاتب. روى عن

قاضي المارستان، وأبي منصور بن زريق. مات في ذي القعدة.

وفيها صاحب الجزيرة العمرية الملك سنجرشاه بن غازي بن مودود ابن أتابك زنكي. قتله ابنه غازي وحلفوا له، ثم وثب عليه من الغد خواصّ أبيه فقتلوه، وملّكوا أخاه الملك المعظم، وكان سنجر سيىء السيرة ظلوما.

وفيها الجبّائي الإمام السّنّي أبو محمد عبد الله بن أبي الحسن بن أبي الفرج.

قال المنذري: ابن أبي الفضل، بدل ابن أبي الفرج، والأول أصح.

قال القطيعي: سألته عن مولده فقال: سنة إحدى وعشرين وخمسمائة تقريبا، وسألته عن نسبه فقال: نحن من قرية يقال لها الجبّة من ناحية بشرى من أعمال طرابلس، وكنا قوما نصارى فتوفي أبي ونحن صغار، وكان أبي من علماء النصارى، وهم يعتقدون فيه أنه يعلم الغيب، فلما مات نفذت إلى المعلّم، فقالت والدتي: ولدي الكبير للكسب وعمارة أرضنا، وولدي الصغير يضعف عن الكسب، وأشارت إليّ، ولنا أخ أوسط، فقال المعلّم: أمّا هذا الصغير- يعنيني- فما يتعلم، ولكن هذا- وأشار إلى أخي- فأخذه وعلّمه ليكون مقام أبي، فقدّر الله أن وقعت حروب، فخرجنا من قريتنا. فهاجرت من بينهم. وكان في قريتنا جماعة من المسلمين يقرؤون القرآن، وإذا سمعتهم أبكي، فلما دخلت أرض الإسلام أسلمت وعمري بضع عشرة سنة،

ثم بلغني إسلام أخي الكبير، وتوفي مرابطا، ثم أسلم أخي الذي كان يعلّمه المعلّم، ودخلت بغداد في سنة أربعين وخمسمائة.

وقال ابن رجب: وأصابه سباء فاسترق.

وقال أبو الفرج ابن الحنبلي: كان مملوكا، فقرأ القرآن في حلقة الحنابلة بجامع دمشق، فحفظه وحفظ شيئا من عبادات المذهب الحنبلي، فقام قوم إلى الشيخ زين الدّين علي بن إبراهيم بن نجا الواعظ، وهو على منبر الوعظ، فقالوا: هذا الصبيّ قد حفظ القرآن وهو على خير، نريد أن نشتريه ونعتقه، فاشتري من سيده وأعتق، وسافر عن دمشق، وطلب همذان، ولقي الحافظ أبا العلاء الهمذاني، فأقام عنده. وقرأ عليه القرآن، وسمع الحديث، وصار عند الحافظ مصدّرا يقرئ الناس ويأخذ عليه، واشتهر بالخير والعلم، ودخل العجم. وسمع الكثير، ورجع إلى بغداد، وسمع حديثها، ولقي مشايخها.

قال: ولقيته ببغداد واستزارني إلى بيته، وقال لجماعته: أنا مملوك بيت الحنبلي، ثم سافر إلى أصبهان.

وقال الشيخ موفق الدّين: كان رجلا صالحا، وهو من جبّة طرابلس.

سبي من طرابلس صغيرا، واشتراه ابن نجية وأعتقه، فسافر إلى بغداد ثم إلى أصبهان، وكان يسمع معنا الحديث. انتهى.

سمع المترجم من ابن ناصر وأضرابه، وتفقّه على أبي حكيم النّهرواني، وصحب الشيخ عبد القادر الجيلي مدة، مائلا إلى الزهد والصلاح، وانتفع به.

قال ابن النجّار: كتب إليّ عبد الله بن أبي الحسن الجبّائي قال: كنت أسمع كتاب «حلية الأولياء» على شيخنا ابن ناصر، فرقّ قلبي، وقلت في نفسي: أشتهي أن أنقطع عن الخلق وأشتغل بالعبادة، ومضيت وصلّيت خلف الشيخ عبد القادر، فلما صلى، جلسنا بين يديه، فنظر إليّ وقال: إذا أردت الانقطاع فلا تنقطع حتّى تتفقّه، وتجالس الشيوخ وتتأدّب بهم، فحينئذ يصلح لك الانقطاع، وإلّا فتمضي وتنقطع قبل أن تتفقه، وأنت فريخ ما ريّشت، فإن أشكل عليك شيء من أمر دينك تخرج من زاويتك، وتسأل الناس عن أمر دينك؟ ما يحسن بصاحب الزاوية أن يخرج من زاويته، ويسأل الناس عن أمر دينه. ينبغي لصاحب الزاوية أن يكون كالشمعة يستضاء بنوره.

قال: وكان الشيخ يتكلم يوما في الإخلاص، والرّياء، والعجب، وأنا حاضر في المجلس، فخطر في نفسي: كيف الخلاص من العجب؟ فالتفت إليّ الشيخ وقال: إذا رأيت الأشياء من الله تعالى، وأنه وفقك لعمل الخير، وأخرجت [نفسك] من الشّين، سلمت من العجب.

وقال ابن الحنبلي: كانت حرمة الشيخ عبد الله [الجبّائي] كبيرة ببغداد وبأصبهان، وكان إذا مشى في السوق قام له أهل السوق.

وله رياضات ومجاهدات.

وروى عنه ابن خليل في «معجمه» وتوفي ثالث جمادى الآخرة بأصبهان.

وفيها عبد الواحد بن أبي المطهّر القاسم بن الفضل الصّيدلاني

الأصبهاني في جمادى الأولى، عن إحدى وتسعين سنة. سمع من جعفر الثّقفي، وفاطمة الجوزدانية، وغيرهم.

وفيها أبو الحسن المعافري، خطيب القدس، علي بن محمد بن علي بن جميل المالقي المالكي. سمع كتاب «الأحكام» من مصنّفه عبد الحق، وسمع بالشام من يحيى الثقفي وجماعة، وكتب وحصّل، ونال رئاسة وثروة مع الدّين والخير.

وفيها علي بن ربيعة بن أحمد بن محمد بن حينا الحربوي، من أهل حربا من سواد بغداد. قدم بغداد في صباه، وصحب عمّه لأمّه أبا المقال سعد بن علي الخاطري، وقرأ عليه الأدب، وحفظ القرآن، وتفقّه في مذهب الإمام أحمد، وسمع الحديث من أبي الوقت، وسعيد بن البنا، وأبي بكر بن الزّاغوني، وغيرهم، وشهد عند الحكّام، وتوكل للخليفة الناصر، ورفع قدره ومنزلته، ثم عزل عن الوكالة.

وكان ذا طريقة حسنة حميدة، وحسن سمت، واستقامة وعفّة ونزاهة، فاضلا، خيّرا، يكتب خطا حسنا على طريقة ابن مقلة. وسمع منه إسحاق العلثي، وكان يكره الرواية ويقل مخالطة الناس.

ذكره ابن النجار وقال: توفي يوم السبت ثامن شوال، ودفن بباب حرب، وأظنه قارب السبعين.

وفيها أبو الجود غياث بن فارس اللّخمي مقرئ الدّيار المصرية.

ولد سنة ثمان وخمسمائة، وسمع من ابن رفاعة، وقرأ القراءات على الشريف الخطيب، وأقرأ النّاس دهرا، وآخر من مات من أصحابه إسماعيل المليجي، توفي في رمضان.

وفيها أبو الفتح المندائي محمد بن أحمد بن بختيار الواسطي المعدّل، مسند العراق.

ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وأسمعه أبوه القاضي أبو العبّاس من ابن الحصين، وأبي عبد الله البارع، وغيرهما، وتفقّه على سعيد بن الرزّاز، وتأدب على ابن الجواليقي. توفي في شعبان، وكان من خيار النّاس.

وفيها- أو في التي قبلها كما جزم به ابن قاضي شهبة- محمد بن أحمد بن أبي سعد الإمام أبو الخطاب، رئيس الشافعية ببخارى هو وأبوه وجدّه وجدّ جدّه.

قال السبكي في «الطبقات الكبرى»: كان عالم تلك البلاد، وإمامها، ومحقّقها، وزاهدها، وعابدها.

وقال عفيف الدّين المطري: هو مجتهد زمانه، وعلّامة أقرانه، لم تر العيون مثله، ولا رأى مثل نفسه. انتهى.

قال السبكي: وهو مصنّف «الملخص» وكتاب «المصباح» كلاهما في الفقه.

وفيها أبو بكر بن مشّق المحدّث العالم، محمد بن المبارك بن محمد البغدادي البيّع. عاش ثنتين وسبعين سنة. وروى عن القاضي الأرموي وطبقته، وكان صدوقا متودّدا، بلغت أثبات مسموعاته ست مجلدات.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.