تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثمان وتسعين وخمسمائة

فيها تغلّب قتادة بن إدريس الحسيني على مكّة، وزالت دولة بني فليتة.

وفيها جاءت زلزلة عظيمة في شعبان شقّت قلعة حمص، ورمت المنظرة التي على القلعة وأخربت ما بقي من نابلس.

وفيها شرع الشيخ أبو عمر شيخ المقادسة في بناء الجامع بالجبل، وكان بقاسيون رجل فاميّ يقال له أبو داود محاسن، فوضع أساسه وبقي قامة، وأنفق عليه ما كان يملكه، وبلغ مظفّر الدّين كوكبوري صاحب إربل فبعث إلى الشيخ أبي عمر مالا فتممه، وأوقف عليه وقفا، وبعد ذلك أراد مظفر الدّين [أن] يسوق إليه ماء من برزة وبعث إليه الماء، فقال [الملك] المعظم عيسى [بن العادل]: طريق الماء كلها قبور، كيف يجوز نبش عظام المسلمين اعملوا مدارا على بغل، ولا تؤذوا أحدا، واشتروا بالباقي وقفا، ففعلوا ذلك.

وفيها توفي أحمد بن ترمش الخيّاط البغدادي نقيب القاضي.

روى عن قاضي المارستان، والكروخي، وجماعة، وتوفي بحلب.

وفيها أسعد بن أحمد بن أبي غانم الثّقفي الأصبهاني الضرير.

سمع هو وأخوه زاهر الثقفي «مسند أبي يعلى» من أبي عبد الله الخلّال، وسمع هو من جعفر بن عبد الواحد الثقفي وجماعة، وكان فقيها معدّلا.

وفيها المؤيد أبو المعالي أسعد بن العميد بن أبي يعلى بن القلانسي التّميمي الدمشقي الوزير. روى عن نصر الله المصّيصي وغيره، ومات في ربيع الأول، وكان صدر البلد.

وفيها الملك المعزّ إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بن نجم الدّين أيوب، صاحب اليمن وابن صاحبها. كان مجرما مصرا على الخمر والظلم، ادعى أنه أموي وخرج وعزم على الخلافة، فوثب عليه أخوان من أمرائه فقتلاه، ويقال: إنه ادعى النبوّة ولم يصحّ، وولي بعده أخ له صبيّ اسمه الناصر أيوب. قاله في «العبر».

وفيها الخشوعيّ، مسند الشام، أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الدّمشقي الأنماطي.

ولد في صفر سنة عشر، وأكثر عن هبة الله بن الأكفاني وجماعة، وأجاز له الحريري، وأبو صادق المديني، وخلق من العراقيين والمصريين والأصبهانيين، وعمّر وبعد صيته، ورحل إليه، وكان صدوقا. توفي في سابع صفر.

وفيها أبو الثّناء حمّاد بن هبة الله بن حمّاد بن الفضل بن الفضيلي

الحرّاني التّاجر السفّار المحدّث الحافظ الحنبلي المؤرخ.

ولد في ربيع الأول سنة إحدى عشرة بحرّان، وسمع ببغداد من أبي القاسم بن السمرقندي، وأبي بكر بن الزّاغوني، وجماعة. وبهراة، ومصر، والإسكندرية من الحافظ السّلفي وغيره. وجمع «تاريخا» لحرّان، وحدّث به، وجمع جزءا فيمن اسمه حمّاد، وله شعر جيد، وحدّث بمصر، والإسكندرية، وبغداد، وحرّان. وممن روى عنه الشيخ موفق الدّين، وعبد القادر الرّهاوي، والعلم السّخاوي المقرئ، والحافظ الضياء، وغيرهم، وتوفي يوم الأربعاء ثاني عشري ذي الحجّة بحرّان.

وفيها أبو محمد الحربي عبد الله بن أحمد بن أبي المجد الإسكاف. روى «المسند» عن ابن الحصين ببغداد وبالموصل، واشتهر ذكره، وتوفي في المحرم.

وفيها أبو بكر عبد الله بن طلحة بن أحمد بن عطية المحاربي الغرناطي المالكي المفتي، تفرّد بإجازة غالب بن عطية أخو جدّهم، وأبي محمد بن عتّاب، وسمع من القاضي عياض والكبار، وهو من بيت علم ورواية.

وفيها أبو الحسن العمري عبد الرحمن بن أحمد بن محمد البغدادي القاضي. أجاز له أبو عبد الله البارع، وسمع من ابن الحصين وطائفة، وناب في الحكم، وتوفي في رمضان.

وفيها زين القضاة أبو بكر عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى القرشي

الدّمشقي الشافعي. سمع من جدّه أبي الفضل القاضي يحيى الزّكي وجماعة، وأجاز له زاهر الشحامي وجماعة، وكان نعم الرجل فقها وفضلا ورئاسة وصلاحا، توفي في ذي الحجّة، ﵀.

وفيها عبد الرحيم بن أبي القاسم الجرجاني أبو الحسن، أخو زينب الشعرية، ثقة صالح مكثر. روى «مسلما» عن الفراوي، و «السنن والآثار» عن عبد الجبّار الخواري و «الموطأ» عن السّيّدي و «السنن الكبير» عن عبد الجبّار الدّهّان، وتوفي في المحرم.

وفيها الدّولعي- نسبة إلى الدّولعيّة، قرية بالموصل - خطيب دمشق ضياء الدين عبد الملك بن زيد بن يس التغلبي الموصلي الشافعي وله إحدى وتسعون سنة. تفقّه بدمشق وسمع من الفقيه نصر الله المصيصي وببغداد من الكروخي، وكان مفتيا خبيرا بالمذهب. خطب دهرا ودرس بالغزالية وولي الخطابة بعده سبعا وثلاثين سنة ابن أخيه.

قال النووي في «طبقاته»: كان عبد الملك شيخ شيوخنا وكان أحد الفقهاء المشهورين والصلحاء الورعين. توفي في ربيع الأول ودفن بباب الصغير ونقل عنه في «الروضة».

وفيها علي بن محمد بن علي بن يعيش، سبط ابن الدامغاني. روى عن

ابن الحصين وزاهر وتوفي في صفر، وكان متميزا جليلا. لقيه ابن عبد الدائم.

وفيها لؤلؤ الحاجب العادلي من كبار الدولة. له مواقف حميدة بالسواحل، وكان مقدم المجاهدين المؤيدين الذين ساروا لحرب الفرنج الذين قصدوا الحرم النبوي في البحر وظفروا بهم. قيل إن لؤلؤا سار جازما بالنصر وأخذ معه قيودا بعدد الملاعين وكانوا ثلاثمائة وشيء، كلهم من الأبطال من كرك الشوبك مع طائفة من العرب المرتدة، فلما بقي بينهم وبين المدينة يوم أدركهم لؤلؤ وبذل الأموال للعرب فخامروا معه وذلّت الفرنج واعتصموا بجبل فترجل لؤلؤ وصعد إليهم بالناس، وقيل بل صعد في تسعة أنفس، فهابوه وسلّموا أنفسهم، فصفّدهم وقيّدهم كلّهم، وقدم بهم مصر، وكان يوم دخولهم يوما مشهودا، وكان لؤلؤ شيخا أرمنيا من غلمان القصر، فخدم مع صلاح الدّين، فكان أينما توجّه فتح ونصر، ثم كبر وترك، وكان يتصدق كل يوم بعدة قدور طعام وباثني عشر ألف رغيف، ويضعف ذلك في رمضان. توفي في صفر، رحمه الله تعالى.

وفيها ابن الوزّان عماد الدّين محمد بن الإمام أبي سعد عبد الكريم ابن أحمد الرّازي شيخ الشافعية بالرّيّ، وصاحب «شرح الوجيز».

قال ابن السمعاني: عالم محقق مدقق، تفقّه على والده، ثم على أبي بكر الخجندي، وجالس الشيخ أبا إسحاق.

وفيها ابن الزّكي قاضي الشّام محيي الدّين أبو المعالي محمد بن قاضي القضاة منتجب الدّين محمد بن يحيى القرشي من ذريّة عثمان بن عفّان، ﵁، الشافعي.

ولد سنة خمسين وخمسمائة، وروى عن الوزير الفلكي وجماعة، وكان فقيها إماما طويل الباع في الإنشاء والبلاغة، فصيحا، مفوّها، كامل السؤدد.

قال ابن خلّكان: كان ذا فضائل عديدة، من الفقه والأدب وغيرهما، وله النظم المليح والخطب والرسائل، وتولى القضاء بدمشق، وكذلك أبوه زكي الدّين، وجده مجد الدّين، وجد أبيه زكي الدّين، وهو أول من ولي من بيتهم، وولده زكي الدّين أبو العبّاس الطّاهر، ومحيي الدّين أبو الفضل يحيى، كانوا قضاتها، وكانت له عند السلطان صلاح الدّين المنزلة العالية، ولما فتح السلطان المذكور حلب ثامن صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة أنشده القاضي محيي الدّين قصيدة بائية من جملة أبياتها:

وفتحك القلعة الشهباء في صفرمبشّر بفتوح القدس في رجب

فكان كما قال، فإن القدس فتحت لثلاث بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فقيل لمحيي الدّين: من أين لك هذا؟ قال: أخذته من تفسير ابن برّجان في قوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ - وذكر له حسابا طويلا وطريقا في استخراج ذلك، وخطبته يوم فتح القدس من أبلغ الخطب وأشهرها، فلا نطوّل بذكرها، وتوفي في سابع شعبان و «النجوم الزاهرة».

بدمشق، ودفن من يومه بسفح قاسيون.

وفيها محمود بن عبد المنعم التّميمي الدّمشقي. روى «معجم ابن جميع» عن جمال الإسلام، وتوفي في جمادى الأولى.

وفيها السبط أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن أبي سعيد الهمذاني سبط ابن لال. روى عن أبيه وابن الحصين، وخلق. توفي في المحرم.

وفيها البوصيري أبو القاسم هبة الله بن علي بن سعود الأنصاري [الخزرجي المنستيري]، الكاتب الأديب، مسند الدّيار المصرية.

ولد سنة ست وخمسمائة، وسمع من أبي صادق المديني، ومحمد بن بركات السعيدي، وطائفة، وتفرّد في زمانه، ورحل إليه، توفي في ثاني صفر.

وفيها أبو غالب هبة الله بن عبد الله بن هبة الله بن محمد السّامري ثم البغدادي الحريمي ثم الأزجي الفقيه الحنبلي الواعظ. سمع أبي البدر الكرخي وغيره، ولازم أبا الفرج بن الجوزي، وتفقّه وتكلّم، وأفتى ووعظ.

قال القادسي: كان فقيها مجوّدا واعظا دينا خيّرا. سمع منه ابن القطيعي، وروى عنه ابن خليل في «معجمه» وتوفي ليلة الخميس ثامن عشر المحرم، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد قريبا من بشر الحافي، ﵃ أجمعين.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.