من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة
فيها التقى يعقوب صاحب المغرب وألفنش فهزمه أيضا يعقوب، ولله الحمد، وساق وراءه إلى طليطلة وحاصره، وضربها بالمجانيق، فخرجت والدة ألفنش وحريمه، وبكين بين يدي يعقوب، فرقّ لهنّ ومن عليهنّ، ولولا ابن غانية الملثم وهيجه ببلاد المغرب لافتتح يعقوب عدة مدن للفرنج، لكنه رجع لحرب غانية.
وفيها هبّت ريح سوداء عمّت الدّنيا، وذلك بعد خروج الناس من مكة، ووقع على الناس رمل أحمر، ووقع من الركن اليمانيّ قطعة، وتحرك البيت الحرام [مرارا]، وهذا شيء لم يعهد [منذ بناه عبد الله بن الزّبير، ﵄].
وفيها ظهر ببوصير- قرية بصعيد مصر- بيت هرمس الحكيم، وفيه
أمثلة كباش، وضفادع، وقوارير، كلها كاس، وفيه أموات لم تبل ثيابهم.
وفيها توفي أبو الرّضا أحمد بن طارق الكركي ثم البغدادي، التاجر المحدّث. سمع من ابن ناصر، وأبي الفضل الأرموي، وطبقتهما فأكثر، ورحل إلى دمشق ومصر، وهو من كرك نوح، وكان شيعيّا جلدا. قاله في «العبر».
وفيها نجيب الدّين أبو عبد الله حامد بن محمد بن حامد الصفّار الأصفهاني، الفقيه الحنبلي، المحدّث الإمام. سمع أباه أبا جعفر محمد، وأبا طاهر بن نصر، وجماعة بأصبهان، وبهمذان أبا زرعة المقدسي، وأبا العلاء العطّار، وقدم بغداد حاجّا سنة ثمان وثمانين، وسمع بها من جماعة، وقرأ على ابن الجوزي مناقب الإمام أحمد، وحدّث بها باليسير، وكتب عنه ابن النّفيس.
قال ابن النجّار: كان فقيها حنبليا فاضلا، له معرفة بالحديث. انتهى.
وفيها الإمام فخر الدّين قاضي خان [الحسن بن منصور] بن
محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الإمام الكبير، بقية السلف، مفتي الشرق، من طبقة المجتهدين في المسائل. أخذ عن الإمام ظهير الدّين المرغيناني، وإبراهيم بن إسماعيل الصفّار، وتفقّه عليه شمس الأئمة الكردري، وله «الفتاوى» و «شرح الجامع الصغير». قاله ابن كمال باشا في «طبقاته».
وفيها تقي الدّين أبو الفضل إلياس بن حامد بن محمود بن حامد بن محمد ابن أبي الحجر الحرّاني الفقيه الحنبلي المحدّث. سمع ببغداد من شهدة وغيرها.
قال ناصح الدّين بن الحنبلي: وكان رفيقي في درس شيخنا ابن المنّي، وسكن الموصل إلى أن توفي بها في سلخ شوال، وولي مشيخة دار الحديث بها، وكان حسن الطريقة، وسمع منه بدل التبريزي.
وفيها سعد بن أحمد بن مكّي النّيلي - بكسر النون نسبة إلى نيل بلد على الفرات - المؤدب الشاعر، أكثر شعره مديح في أهل البيت.
قال العماد: كان غاليا في التشيع حاليا بالتورع، عالما بالأدب.
ومن شعره:
قمر أقام قيامتي بقوامهلم لا يجود لمهجتي بذمامه
ملّكته كبدي فأتلف مهجتيبجمال بهجته وحسن كلامه
وبمبسم عذب كأنّ رضابه شهد مذاب في عبير
مدامه وهي طويلة.
وفيها الشيخ السّديد، شيخ الطبّ بالدّيار المصرية، شرف الدّين عبد الله بن علي. أخذ الصناعة عن الموفّق بن المعين، وخدم العاضد صاحب مصر، ونال الحرمة والجاه العريض، وعمّر دهرا، وأخذ عنه نفيس الدّين بن الزّبير.
وحكى بعضهم أن الشيخ السّديد حصل له في يوم ثلاثون ألف دينار.
وحكى عنه ابن الزّبير تلميذه، أنه طهّر ولدي الحافظ لدّين الله، فحصل له من الذّهب نحو خمسين ألف دينار.
وفيها عبد الخالق بن عبد الوهّاب بن محمد الصّابوني المالكي الخفّاف الحنبلي أبو محمد الضرير. سمّعه أبوه من أبي علي الباقرحي، وعلي بن عبد الواحد الدّينوري، وطائفة، وتوفي في ذي الحجّة. قاله في «العبر».
ومن شعره:
دع النّاس طرّا واصرف الودّ عنهمإذا كنت في أخلاقهم لا تسامح
فشيئان معدومان في الأرض درهمحلال وخلّ في الحقيقة ناصح
وفيها أبو الغنائم بن المعلّم، شاعر العراق، محمد بن علي بن فارس بن علي بن عبد الله بن الحسين بن القاسم الواسطي الهذلي، الملقب نجم الدّين الشاعر المشهور. كان شاعرا رقيق الشعر، لطيف حاشية الطبع، يكاد شعره يذوب من رقته، وهو أحد من سار شعره وانتشر ذكره ونبه بالشعر قدره وحسن به حاله وأمره وطال في نظم القريض عمره، وساعده على قوله زمانه ودهره. يغلب على شعره وصف الشوق والحب، وذكر الصّبابة والغرام.
وذكر بعضهم أن سبب لطافة شعر ابن المعلّم حفظ المنتسبين للشيخ أحمد بن الرفاعي لشعره واعتناؤهم به في سماعاتهم، فعادت عليه بركة أنفاسهم.
قال ابن خلّكان: وبالجملة فشعره يشبه النّوح، لا يسمعه من عنده أدنى هوى إلّا فتنة وهاج غرامه، وكان بينه وبين ابن التّعاويذي تنافس.
ومن شعر ابن المعلّم قوله من قصيدة:
ردّوا عليّ شوارد الأظعانما الدار إن لم تغن من أوطاني
ولكم بذاك الجذع من متمنّعهزأت معاطفه بغصن البان
وقوله:
كم قلت إيّاك العقيق فإنّهضربت جآذره بصيد أسوده
وأردت صيد مها الحجاز فلم يساعدك القضاء فرحت بعض صيوده
وله من قصيدة:
أجيرتنا إنّ الدّموع التي جرترخاصا على أيدي النّوى لغوالي
أقيموا على الوادي ولو عمر ساعةكلوث إزار أو كحلّ عقال
فكم ثمّ لي من وقفة لو شريتهابنفسي لم أغبن فكيف بمالي
وكانت ولادته في ليلة سابع عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي رابع رجب بالهرث- بضم الهاء وسكون الراء وبعدها ثاء مثلثة قرية من أعمال نهر جعفر بينها وبين واسط نحو عشرة فراسخ- وكانت وطنه ومسكنه إلى أن توفي بها.
وفيها ابن القصّاب الوزير الكبير مؤيد الدّين أبو الفضل محمد بن علي البغدادي المنشئ البليغ، وزر [وسار بالعساكر، ففتح همذان وأصبهان، وحاصر الرّيّ، وصارت له هيبة عظيمة في النّفوس. توفي] بظاهر همذان في شعبان، وقد نيّف على السبعين وردّ العسكر، فلما جاء خوارزم شاه نبشه وحزّ رأسه وطوّف به بخراسان.
وفيها المجير الإمام أبو القاسم محمود بن المبارك الواسطي ثم البغدادي، الفقيه الشافعي، أحد الأذكياء والمناظرين.
ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وتفقّه بالنظامية على أبي منصور بن الرزّاز وغيره، وأخذ علم الكلام عن أبي الفتوح محمد بن الفضل الإسفراييني، وصار المشار إليه في زمانه، والمقدّم على أقرانه. حدّث عن
أبي الحسين وجماعة، ودرّس بالنظامية، وكان ذكيا طوالا غوّاصا على المعاني. قدم دمشق وبنيت له مدرسة جاروخ ثم توجه إلى شيراز وبنى له ملكها مدرسة، ثم أحضره ابن القصّاب وقدّمه.
قال ابن شهبة: قال ابن الدّبيثي: ما رأينا أجمع لفنون العلم منه، مع حسن العبارة. قال: وخرج رسولا إلى خوارزم شاه إلى أصبهان، فمات بهمذان في ذي القعدة.
وفيها يوسف معالي الأطرابلسي ثم الدّمشقي الكتّاني البزّار المقرئ. روى عن هبة الله بن الأكفاني وجماعة، وتوفي في شعبان.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع