من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
في شوال افتتح العادل يافا عنوة، وكانت لها مدّة في يد الفرنج.
وفيها أخذت الفرنج من المسلمين بيروت، وهرب أميرها عز الدّين سامة إلى صيدا.
وفيها توفي سيف الإسلام الملك العزيز طغتكين بن أيوب بن شاذي، أرسله أخوه صلاح الدّين، فتملّك اليمن، وكان بها نوّاب أخيهما شمس الدولة، وبقي بها بضع عشرة سنة، وكان شجاعا سايسا فيه ظلم، رحل إليه ابن عنين إلى اليمن لما نفاه صلاح الدّين لهجوه للناس، فامتدحه بقصيدة لامية، ومدح فيها دمشق أولها:
حنين إلى الأوطان ليس يزولوقلب عن الأشواق ليس يحول
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةوظلّك في مقرى عليّ ظليل
دمشق فبي شوق إليها مبرّحوإن لجّ واش أو ألحّ عذول
بلاد بها الحصباء درّ وتربهاعبير وأنفاس الشمال شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلقوصحّ نسيم الرّوض وهو عليل
وفي كبدي من قاسيون حرارةتزول رواسيه وليس تزول
وو الله ما فارقتها عن ملالةسواي عن العهد القديم يحول
ولكن أبت أن تحمل الضّيم همّتيونفس لها فوق السّماك حلول
فإنّ الفتى يلقى المنايا مكرّماويكره طول العمر وهو ذليل
وكيف أخاف الدّهر أو أحرم الغنىورأي ظهير الدّين في جميل
فتى الجدّ أمّا جاره فمكرّمعزيز وأمّا ضدّه فذليل
من القوم أمّا أحنف فمسفّهلديه وأمّا حاتم فبخيل
وأمّا عطايا كفّه فسوابغعذاب وأما ظلّه فظليل
فأجزل صلته واكتسب من جهته مالا وافرا، وخرج به من اليمن وسلطانها يومئذ الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين، فألزمه بدفع الزكاة من المتاجر التي وصلت معه من اليمن فقال:
ما كلّ من يتسمّى بالعزيز لهاأهل ولا كلّ برق سحبه غدقه
بين العزيزين بون في فعالهماهذاك يعطي وهذا يأخذ الصّدقه
وكان طغتكين صاحب الترجمة، محمود السيرة مع ظلم وعسف، ولما كثر عليه الذهب سبكه وجعله مثل الطواحين، ومات بالمدينة التي أنشأها باليمن، يقال لها المنصورة، وقام من بعده ولده إسماعيل الذي سفك الدماء، وقال: إنه أمويّ وادّعى الخلافة.
وفيها تقي الدّين أبو محمد طلحة بن مظفر بن غانم بن محمد العلثي- بفتح العين المهملة وسكون اللام ومثلثة، نسبة إلى علث قرية بين عكبرا وسامرّا- الفقيه الحنبلي الخطيب المحدّث الفرضي النظّار المفسر الزاهد الورع العارف. نشأ في العلث، وحفظ الكتاب العزيز، وقرأ على البطائحي، والبرهان ابن الحصري، وغيرهما.
وقرأ الفقه على ابن المنّي، وسمع الحديث الكثير، وقرأ «صحيح مسلم».
وكان متواضعا لطيفا أديبا في مناظرته لا يسفه على أحد، فقيرا مجردا، ويرحم الفقراء ولا يخالط الأغنياء، وروى عن ابن الجوزي ولازمه وقرأ عليه كثيرا من تصانيفه، وكان أديبا شاعرا فصيحا، واشتهر اسمه ورزق القبول من الخلق، وكثر أتباعه وانتفع به الناس، وروى عنه ابن الجوزي في «تاريخه» حكاية فقال: حدثني طلحة بن مظفّر الفقيه أنه ولد عندهم بالعلث مولود لستة أشهر، فخرج وله أربعة أضراس.
قال المنذري: توفي في ثالث عشر ذي الحجة بالعلث ودفن بزاويته هناك.
وفيها الوزير جلال الدّين عبيد الله بن يونس بن أحمد بن عبيد الله ابن هبة الله البغدادي الأزجي، الفقيه الحنبلي الفرضي، الأصولي المتكلم، وزير الخليفة الناصر جلال الدّين، تفقّه في الأصلين، والحساب، والهندسة، والجبر، والمقابلة، ورحل في طلب العلم إلى همذان، وصنّف وعني بالحديث، والفرائض، والحساب، وسمع ممن لا يحصى، وسمع منه جماعة لا تحصر، منهم: ابن دلف، وابن القطيعي، وبالغ في مدحه والثناء عليه.
وذكر ابن النجار: أنه لم يكن في ولايته محمودا، وقد علمت أن الناس لا يجتمعون على حمد شخص ولا ذمه.
وأما أبو شامة فإنّه بالغ في ذمه والحطّ عليه بأمور لم يقم عليها حجّة. وكذلك ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» قال بعد أن أثنى عليه: غير أنه
شان فضيلته برأيه الفاسد وأفعاله السيئة، فإنه خرّب بيت الشيخ عبد القادر الكيلاني وشتّت أولاده، ويقال: إنه بعث في الليل من نبش قبر الشيخ عبد القادر الكيلاني ورمى عظامه في اللّجّة وقال: هذا وقف ما يحلّ أن يدفن فيه أحد.
ولما اعتقله الخليفة كتبوا فيه فتاوى أنه كان سبب هزيمة العسكر، فذكروا أشياء فأفتوا بإباحة دمه، فسلّم إلى الوزير ابن القصّاب واعتقله في بيت للسلاح، فأخرج منه ميتا. انتهى.
وفيها أبو بكر بن الباقلّاني مقرئ العراق، عبد الله بن منصور بن عمران الرّبعي الواسطي، تلميذ أبي العزّ القلانسي، وآخر أصحابه، روى الحديث عن خميس الحوزيّ، وأبي عبد الله البارع، وطائفة، وتوفي في سلخ ربيع الأول وله ثلاث وتسعون سنة وثلاثة أشهر.
وفيها أبو محمد عبد الوهّاب بن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي ثم البغدادي الأزجي الفقيه الحنبلي الواعظ.
ولد في ثاني شعبان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
ذكر أبو شامة: أنه سمع من ابن الحصين، وابن السمرقندي.
وذكر ابن القادسي: أنه سمع من ابن الحصين، وابن الزّاغوني، وابن البنا، وغيرهم.
وأسمعه والده في صباه من أبي غالب بن البنا وغيره.
وقرأ الفقه على والده حتّى برع، ودرّس نيابة عن والده بمدرسته، وهو حيّ وقد نيّف على العشرين من عمره، ثم استقلّ بالتدريس بها بعده، ثم نزعت منه لابن الجوزي، ثم ردّت إليه، وتولى المظالم للناصر سنة ثلاث وثمانين، وكان كيّسا ظريفا من ظرفاء أهل بغداد، ولم يكن في أولاد أبيه أفقه منه. كان فقيها فاضلا، له كلام حسن في مسائل الخلاف، فصيحا في الوعظ وإيراد الملح مع عذوبة الألفاظ، مليح النّادرة، ذا مزح ودعابة وكياسة.
قال أبو شامة: قيل له يوما على مجلس وعظه: ما تقول في أهل البيت؟ فقال: قد أعموني، وكان أعمش أجاب عن بيت نفسه.
وروى عنه ابن الدّبيثي، وابن الغزّال الواعظ، وابن خليل وأجاز لمحمد بن يعقوب، وتوفي ليلة الأربعاء خامس عشري شوال.
وفيها قاضي القضاة أبو طالب علي بن علي بن هبة الله بن محمد بن البخاري البغدادي الشافعي. سمع من أبي الوقت، وولي القضاء سنة اثنتين وثمانين، ثم عزل، ثم أعيد سنة تسع وثمانين.
وفيها محمد بن حيدرة بن أبي البركات عمر بن إبراهيم بن محمد أبو المعمّر الحسيني الزّيدي الكوفي. سمع من جدّه، وهو آخر من حدّث عن أبي النّرسي، وكان رافضيا.
وفيها أبو البركات، ويقال أبو الثناء، محمود بن أحمد بن ناصر البغدادي الحربي الحذّاء. سمع من ابن الطّلّاية، وعبد الخالق بن يوسف، وغيرهما، وتفقّه في مذهب أحمد، وأقرأ الفقه وحدّث، وتوفي في شهر ربيع الآخر ببغداد.
وفيها أبو إسحاق، ويقال أبو الحزم، مكّي بن أبي القاسم بن عبد الله بن معالي بن عبد الباقي بن العرّاد البغدادي المأموني، الفقيه الحنبلي المحدّث.
ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وسمع من ابن ناصر، والأرموي، وابن البنا، وغيرهم، واعتنى بهذا الشأن، ولم يزل يقرأ ويسمع إلى آخر عمره، وهو ثقة صحيح السماع، وقد نسبه القطيعي إلى التساهل والتسامح.
وروى عنه ابن خليل، والبلداني، وغيرهما، وتوفي ليلة الجمعة سادس المحرم ببغداد، ودفن بباب حرب مجاورا قبر بشر الحافي.
وفيها ناصر بن محمد أبو الفتح الأصبهاني القطّان. روى الكثير عن جعفر الثقفي، وإسماعيل بن الإخشيذ، وخلق، وتوفي في ذي الحجّة، وأكثر عنه الحافظ ابن خليل.
وفيها أبو القاسم يحيى بن أسعد بن بوش الأزجي الحنبلي الخبّاز سمع الكثير من أبي طالب اليوسفي، وأبي سعد بن الطّيوري، وأبي علي الباقرحي، وطائفة، وكان عاميّا. مات شهيدا غصّ بلقمة فمات في ذي القعدة، عن بضع وثمانين سنة، وله إجازة [من] ابن بيان. قاله في «العبر».
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع