تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع وتسعين وخمسمائة

فيها استولى علاء الدّين بن خوارزم شاه تكش على بخارى، وكانت لصاحب الخطا لعنه الله، وجرى له معه حروب وخطوب ثم انتصر تكش وقتل خلق من الخطا.

وفيها توفي أبو علي الفارسي، الزاهد، واسمه الحسن بن مسلم الحنبلي الفارسي، من قرية بنهر عيسى يقال لها الفارسية. كان أحد الأبدال وزاهد العراق. سمع وتفقّه بأبي ذرّ الكرخي، وكان متبتلا أقام أربعين سنة لا يكلّم أحدا من الناس، صائم الدّهر، قائم الليل، يقرأ كل يوم وليلة ختمة.

وكانت السباع تأوي إلى زاويته، والخليفة وأرباب الدولة يمشون إلى زيارته.

حكي أن فقيرا احتلم بزاويته في ليلة باردة، فنزل إلى النهر ليغتسل، فجاء السبع فنام على جبته، وكاد الفقير يموت من البرد والخوف، فخرج الشيخ حسن وجاء إلى السبع فضربه بكمه وقال: يا مبارك لم تتعرض لضيفنا، فقام السبع يهرول، وتوفي بالفارسية في المحرم وقد بلغ التسعين.

وفيها جرديك أحد أكابر أمراء الدولتين النّورية والصّلاحية. حضر جميع الفتوحات، وهو الذي قتل شاور بمصر، وابن الخشّاب بحلب، وكان فارس الإسلام.

وفيها صاحب سنجار الملك عماد الدّين زنكي بن قطب الدّين مودود ابن أتابك زنكي تملّك حلب بعد ابن عمه الصالح إسماعيل فسار السلطان صلاح الدّين فنازله، ثم أخذ منه حلب وعوّضه بسنجار فملكها إلى هذا الوقت، ونجد صلاح الدّين على عكا، وكان عادلا متواضعا موصوفا بالبخل، وتملّك بعده ابنه قطب الدّين محمد.

وفيها تقي الدّين أبو الحسين وأبو الخير، سلامة بن إبراهيم بن سلامة الحدّاد القبّاني الدّمشقي المحدّث الفقيه الحنبلي. سمع من ابن هلال، وابن الموازيني، وغيرهما من مشايخ دمشق، وعني بالحديث، وأمّ بحلقة الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقة صالحا، وابن نقطة الحافظ يعتمد على خطّه وينقل عنه في «استدراكه».

قال ابن الحنبلي: كان حسن السمت، يحفّ شاربه ويقصّر ثوبه، ويأكل من كسب يده، ويعمل القبابين ويعتمد عليه في تصحيحها. وروى عنه ابن خليل في «معجمه» وتوفي سابع عشري ربيع الآخر.

وفيها أبو الفضائل الكاغدي الخطيب، عبد الرحيم بن محمد

الأصبهاني المعدّل. روى عن أبي علي الحدّاد وعدة، وتوفي في ذي القعدة.

وفيها أبو طاهر الأصبهاني علي بن سعيد بن فاذشاه. روى عن الحداد أيضا ومات في ربيع الأول.

وفيها أبو الهيجاء مقدّم الأكراد، ويعرف بالسّمين، بعثه الخليفة إلى همذان فلم يتمّ أمره وتفرّق عنه أصحابه، فاستحيا أن يعود إلى بغداد، فطلب الشام فلما وصل إليها مرض، وكان نازلا على تلّ، فقال: ادفنوني فيه، فلما مات حفر له قبر على رأس التلّ فظهرت بلاطة عليها اسم أبيه فدفنوه عليه.

وفيها أبو الحسن علي بن موسى بن محمد بن خلف الأنصاري نزيل فاس وخطيبها ومصنّف «شذور الذهب» في صنعة الكيمياء، الذي لم ينظم أحد في الكيمياء مثل نظمه، حتّى قيل إنه إن لم يعلمك صنعة الذّهب علّمك صنعة الأدب، وإن فاتك ذهبه لم يفتك أدبه، ويعرف بابن أرفع رأس ويقال: هو شاعر الحظ، حكيم الشعر.

وفيها مجاهد الدّين قايماز الخادم الرّومي الحاكم على الموصل، وهو الذي بنى الجامع المجاهدي، والمدرسة، والرّباط، والمارستان بظاهر

الموصل على دجلة، وأوقف عليه الأوقاف، وكان عليه رواتب كثيرة بحيث لم يدع في الموصل بيت فقير إلّا وأغنى أهله، وكان ديّنا صالحا يتصدق كل يوم خارجا عن الرواتب بمائة دينار، وكان يصوم في السنة ستة أشهر، ومدحته الشعراء، منهم ابن التّعاويذي بقصيدة أولها:

عليل الشّوق فيك متّى يصحّوسكران بخبل كيف يصحو
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «عليل الشوق فيك متى يصح»

فأعطاه ألف دينار.

وفيها قوام الدّين بن زبادة يحيى بن سعيد بن هبة الله الواسطي ثم البغدادي صاحب ديوان الإنشاء ببغداد، ومن انتهت إليه صناعة التّرسل مع معرفته بالفقه، والأصول، والكلام، والنحو، والشعر. أخذ عن ابن الجواليقي، وحدّث عن علي بن الصبّاغ، والقاضي الأرّجاني، وولي نظر واسط، ثم ولي حجابة الحجّاب وغير ذلك، وتوفي في ذي الحجّة.

ومن شعره:

باضطراب الزّمان ترتفع الأنذال فيه حتّى يعمّ البلاء
وكذا الماء ساكنا فإذا حرّك ثارت من قعره الأقذاء

وله أيضا:

لا تغبطنّ وزيرا للملوك وإنأناله الدّهر منهم فوق همّته
واعلم بأنّ له يوما تمور به الأرض الوقور كما مارت لهيبته
هارون وهو أخو موسى الشقيق لهلولا الوزارة لم يأخذ بلحيته

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.