تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة إحدى وستمائة

فيها تغلّبت الفرنج على مملكة القسطنطينيّة، وأخرجوا الرّوم منها بعد حصار طويل، وحروب كثيرة. قاله في «العبر».

وفيها خرجت الكرج فعاثوا ببلاد أذربيجان، وقتلوا وسبوا، ووصلت زعازعهم إلى عمل خلاط، فانتدب لحربهم عسكر خلاط، وعسكر أرزن الرّوم، فالتقوهم، ونصر الله الإسلام، وقتل في المصافّ ملك الكرج.

وفيها جاءت الفرنج إلى حماة بغتة، وأخذوا النّساء الغسّالات من باب البلد، وخرج إليهم الملك المنصور، وقاتل قتالا حسنا، وكسر الفرنج

عسكره، ووقف على السّاقة من الرّقيطا إلى باب حماة، ولولا وقوفه ما أبقوا من المسلمين أحدا.

وفيها ولدت امرأة ولدا له رأسان وأربعة أرجل وأيد، ومات من يومه. قاله ابن شهبة في «تاريخ الإسلام».

وفيها توفي السّكّر المحدّث أحمد بن سليمان بن أحمد الحربي المقرئ المفيد، عن نيف وستين سنة. قرأ القراءات على أحمد بن محمد ابن شنيف وجماعة، وسمع من سعيد بن البنّا، وابن البطّي فمن بعدهما، وكان ثقة، مكثرا، صاحب قرآن وتهجد وإفادة للطلبة، توفي في صفر.

وفي حدودها وما يقرب، أبو الآثار وأبو الأمانة جبريل بن صارم بن علي بن سلامة الصّعبيّ الأديب الحنبلي. قدم بغداد سنة أربع وثمانين وخمسمائة وهو فقير، فتفقّه في المذهب، وقرأ الخلاف، وجالس النّحاة، وحصّل طرفا صالحا من الأدب، وسمع الحديث من ابن الجوزي وغيره، ومدح الخليفة الناصر بعدّة قصائد، وأثرى ونبل مقداره، واشتهر ذكره، فنفذ من الديوان في رسالة إلى خوارزم شاه، وسمع الحديث من مشايخ خراسان، وحصّل نسخا بما سمع، ثم عاد إلى بغداد وقد صار له الغلمان التّرك والمراكب، ولم يزل يرسل من الديوان إلى خوارزم شاه إلى أن قبض عليه لسبب ظهر منه، فسجن بدار الخلافة، وانقطع خبره عن النّاس.

ومما أنشد له ابن القطيعي:

لا غرو إن أضحت الأيّام توسعنيفقرا وغيري بالإثراء موسوم
فالحرف في كلّ حال غير منتقصويدخل الاسم تصغير وترخيم

وفيها عبد الرّحيم بن محمد بن أحمد بن حمّويه الأصبهاني الرجل الصّالح، نزيل همذان. روى بالحضور «معجم الطبراني» عن عبد الصمد العنبري، عن ابن ريذة.

وفيها أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن أيوب الحربي الفلّاح. آخر من سمع من أبي العزّ بن كادش، وسمع أيضا من ابن الحصين. توفي في ربيع الأول.

وفيها نجم الدّين أبو محمد عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور ابن هبة الله النّهري الحرّاني. الفقيه الحنبلي الواعظ، من أهل حرّان.

رحل إلى بغداد في صباه سنة ثمان وسبعين لطلب العلم، فسمع من أبي السّعادات القزّاز وغيره. وتفقه على أبي الفتح بن المنّي، حتّى حصّل طرفا صالحا من المذهب والخلاف، ثم عاد إلى حرّان، ثم قدم بغداد مرة أخرى سنة ست وتسعين ومعه ولداه النّجيب عبد اللطيف، والعزّ عبد العزيز، فسمع، وأسمعهما الكثير، وقرأ على الشيوخ. وكتب وحصّل وناظر في مجالس الفقهاء وحلق المناظرين، ودرّس وأفاد الطلبة، واستوطن بغداد وعقد بها مجلس الوعظ بعدّة أماكن.

ذكره ابن النجار وقال: كان مليح الكلام في الوعظ، رشيق الألفاظ، حلو العبارة، كتبنا عنه شيئا يسيرا، وكان ثقة، صدوقا، متحرّيا، حسن الطّريقة، متديّنا، متورّعا، نزها، عفيفا، عزيز النّفس، مع فقر شديد، وله مصنفات حسنة، وشعر جيد، وكلام في الوعظ بليغ. وكان حسن الأخلاق، لطيف الطبع، متواضعا.

وقال سبط ابن الجوزي: كان كثير الحياء، يزور جدّي ويسمع معنا الحديث. وذكر أنه استوطن بغداد لوحشة جرت بينه وبين خطيب حرّان ابن تيمية، فإنه خشي منه أن يتقدم عليه، وكان يقصد التجانس في كلامه، وسمعته ينشد:

وأشتاقكم يا أهل ودّي وبينناكما زعم البين المشتّ فراسخ
فأمّا الكرى عن ناظري فمشرّدوأما هواكم في فؤادي فراسخ

وقال ابن النجّار أيضا: توفي يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول.

وفيها شميم الحلّيّ أبو الحسن علي بن الحسن بن عنتر النّحوي اللّغوي الشاعر. تأدب بابن الخشّاب، وكان ذا تيه وحمق ودعاوى كثيرة، تزري بكثرة فضائله. قاله في «العبر».

وقال ابن خلّكان: كان أديبا، فاضلا، خبيرا بالنحو واللغة وأشعار العرب، حسن الشعر، وكان اشتغاله ببغداد على ابن الخشّاب ومن في طبقته من أدباء ذلك الوقت، ثم سار إلى ديار بكر والشام، ومدح الأكابر، وأخذ جوائزهم، واستوطن الموصل، وله عدة تصانيف، وجمع من نظمه كتابا سمّاه «الحماسة» ورتّبه على عشرة أبواب، وضاهى به كتاب «الحماسة» لأبي تمّام. وكان جمّ الفضيلة، إلّا أنه كان بذيء اللّسان، كثير الوقوع في الناس،

متعرّضا لثلب أعراضهم لا يثبت لأحد في الفضل شيئا.

وسئل لم سمي شميما؟ قال: أقمت مدة آكل كل يوم شيئا من الطّين، فإذا وضعته عند قضاء الحاجة شممته فلا أجد له رائحة، فسمّيت بذلك شميما.

وشميم: بضم الشين المعجمة، وفتح الميم، وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها ميم، وهو من الشمّ. انتهى ملخصا.

وقال ياقوت الحموي: قدمت آمد فقصدته فوجدته شيخا كبيرا نحيف الجسم، وبين يديه جمدان مملوء كتبا من تصانيفه، فقال: من أين قدمت؟

قلت: من بغداد، فهشّ لي، وأقبل يسألني عنها. وقلت له: إنما جئت لأقتبس من علومك شيئا، فقال: وأيّ علم تحبّ؟ قلت: الأدب، فقال:

إنّ تصانيفي في الأدب كثيرة، وكلما أجمع الناس على استحسان شيء، أنشأت فكرتي من جنسه ما أدحض به المتقدم. ورأيت النّاس مجمعين على خمريّات أبي نواس، فعملت كتاب «الخمريات» من نظمي، لو عاش أبو نواس لاستحيا أن يذكر شعر نفسه. ورأيتهم مجمعين على خطب ابن نباتة، فصنّفت كتاب الخطب، وليس للناس اليوم إلّا الاشتغال بخطبي.

وجعل يزري على المتقدمين ويمدح نفسه، ويجهّل الأوائل، فعجبت منه، وقلت: أنشدني شيئا من شعرك، فأنشدني:

امزج بمسبوك اللّجينذهبا حكته دموع عيني
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
لمّا نعى ناعي الفراق ببين من أهوى وبيني
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
كانت ولم تقدر لشيء قبلها إيجاب كوني
فأخالها التّحريم لماشبّهت بدم الحسين
خفقت لنا شمسان منلآلائها في الخافقين
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
وبدت لنا في كأسهامن لونها في حلّتين
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
فاعجب هداك الله منكون اتّفاق الضّرّتين
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
في ليلة جاء السّرور بها يطالبنا بدين
ومضى طليق الرّاح منقد كان مغلول اليدين
للشاعر شُمَيْم الحلي، اقرأ القصيدة
هي زينة الأحياء في الدّنيا وزينة كلّ زين

فاستحسنت ذلك، فقال: ويلك يا جاهل، ما عندك غير الاستحسان؟

قلت: فما أصنع؟ قال: اصنع هكذا، ثم قام يرقص ويصفّق إلى أن تعب ثمّ جلس، وقال: ما أصنع بهؤلاء الذين لا يفرّقون بين الدّرّ والبعر، والياقوت والحجر؟ فاعتذرت إليه. وسألته عمن تقدّم من العلماء، فلم يحسن الثّناء على أحد منهم، فسألته عن أبي العلاء المعرّي، فغضب وقال: ويلكم كم تسيئون الأدب بين يديّ، من هو ذاك الكلب الأعمى حتّى يذكر بحضرتي؟

قلت: يا سيدي! أنا رجل محدّث وأحبّ أن أسألك عن شيء، فقال: هات

مسألتك. فقلت: لم سمّيت شميما؟ فشتمني ثم ضحك وقال: بقيت مدّة من عمري لا آكل إلّا الطّين. بحيث تنشفت الرّطوبة، فإذا جاءني الغائط كان مثل البندقة، فكنت آخذه وأقول لمن أنبسط إليه شمّه فإنه لا رائحة له، فكثر ذلك مني، فلقّبت بذلك. انتهى.

توفي بالموصل في رجب عن سنّ عالية.

وفيها أبو محمد محمد بن حمد بن حامد بن مفرّج بن غياث الأنصاري الأرتاحي المصري الحنبلي.

ولد سنة سبع وخمسمائة تخمينا. وسمع بمصر من أبي الحسن علي ابن نصر بن محمد بن عفير الأرتاحي العابد وغيره، وبمكّة من المبارك بن الطبّاخ، وأجاز له أبو الحسن علي بن الحسين بن عمر الفرّاء الموصلي، وتفرّد بإجازته.

قال المنذري: كتب عنه جماعة من الحفّاظ وغيرهم من أهل البلد والواردين عليها، وحدّثوا عنه، وهو أول شيخ سمعت منه الحديث، ونعته بالشيخ الأجل الصالح أبي عبد الله محمد بن الشيخ الأجل الصالح أبي الثّناء حمد. قال: وهو من بيت القرآن والحديث والصلاح، حدّث من بيته غير واحد، وروى عنه ابن خليل في «معجمه» ونعته بالصالح وبالإمام. توفي في عشري شعبان بمصر، ودفن بسفح المقطّم.

وفيها ابن الخصيب أبو المفضّل محمد بن الحسن بن أبي الرّضا القرشي الدمشقي. روى عن جمال الإسلام، وعلي بن أبي عقيل الصّوري، وضعّفه ابن خليل.

وفيها يوسف بن سعيد البناء الأزجي البعلي الفقيه الحنبلي المحدّث. سمع كثيرا، وكتب بخطّه.

توفي يوم السبت سلخ السنة، ودفن يوم الأحد مستهل السنة التي بعدها.

وفيها أبو الفتوح يوسف بن المبارك بن كامل الخفّاف البغدادي.

سمّعه أبوه الحافظ أبو بكر الكثير من القاضي أبي بكر الأنصاري، وابن زريق القزّاز، وطائفة، وكان عامّيّا لا يكتب، توفي في ربيع الأول.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.