تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة اثنتين وستمائة

فيها كما قال في «العبر» وجد بإربل خروف وجهه وجه آدميّ.

وفيها كثرت الغارات من الكلب ابن ليون صاحب سيس على بلاد حلب، يسبي ويحرق، فسار لحربه عسكر حلب فهزمهم. انتهى.

وفيها وجد التّقيّ الأعمى مدرّس الأمينية مشنوقا في المنارة الغربية، ابتلي بأخذ ماله من بيته فاتّهم شخصا كان يقرأ عليه ويقوده من الجامع إلى بيته ومن بيته إلى الجامع، فأنكر المتهم ذلك، وتعصب له أقوام عند والي البلد، فوقع الناس في عرض التّقيّ لكونه اتّهم من ليس من أهل التّهم، ولكونه جمع المال وهو وحيد غريب، وأنه ليس بصادق فيما ادعاه، فغلب عليه هم من ضياع ماله والوقع في عرضه، ففعل بنفسه ذلك، وامتنع الناس من الصلاة عليه، وقالوا: قتل نفسه، فتقدم الشيخ فخر الدّين بن عساكر وصلّى عليه، فاقتدى الناس به.

ودرّس بعده في الأمينية الجمال المصري وكيل بيت المال.

وفيها توفي أبو يعلى حمزة بن علي بن حمزة بن فارس بن

القبّيطي البغدادي المقرئ. قرأ القراءات على سبط الخيّاط، والشّهرزوري. وسمع منهما، ومن أبي عبد الله السلّال وطائفة.

وكان خبيرا زاهدا، بصيرا بالقراءات، حاذقا بها. توفي في ذي الحجّة.

وفيها عثمان بن عيسى بن درباس القاضي العلّامة ضياء الدّين أبو عمرو الكردي الهذباني المارانيّ ثم المصري. تفقه في مذهب الشافعي على أبي العبّاس الخضر بن عقيل، وابن أبي عصرون، والخضر بن شبل، وساد وبرع، وتقدم في المذهب، وشرح «المهذّب» في عشرين مجلدا إلى كتاب الشهادات، وشرح «اللّمع» في مجلدين، وناب عن أخيه صدر الدّين عبد الملك.

قال ابن خلّكان: كان من أعلم الفقهاء في وقته بمذهب الشافعي، ماهرا في أصول الفقه. توفي بالقاهرة في ذي القعدة وقد قارب تسعين سنة، ودفن بالقرافة الصغرى. قاله ابن قاضي شهبة في «طبقاته».

وفيها [السلطان شهاب الدّين الغوري] محمد بن سام، صاحب غزنة. قتلته الإسماعيلية في شعبان بعد قفوله من غزو الهند، وكان ملكا

جليلا مجاهدا، واسع الممالك، حسن السيرة، وهو الذي حضر عنده فخر الدّين الرّازي فوعظه، وقال: يا سلطان العالم! لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرّازي يبقى، وإنّ مردّنا إلى الله، فانتحب السلطان بالبكاء.

وفيها ضياء بن أبي القاسم أحمد بن علي بن الخريف البغدادي النجّار. سمع الكثير من قاضي المارستان، وأبي الحسين محمد بن الفرّاء وكان أمّيّا. توفي في شوال.

وفيها أبو العزّ عبد الباقي بن عثمان الهمذاني الصّوفي. روى عن زاهر الشّحّامي وجماعة، وكان ذا علم وصلاح.

وفيها أبو زرعة اللّفتواني- بفتح اللّام وسكون الفاء وضم الفوقية، نسبة إلى لفتوان قرية بأصبهان - عبيد الله بن محمد بن أبي نصر الأصبهاني. أسمعه أبوه الكثير من الحسين الخلّال، وحضر على ابن أبي ذرّ الصالحاني، وبقي إلى هذه السنة، وانقطع خبره بعدها.

وفيها طاشتكين أمير الحاج العراقي ويلقب بمجير الدّين [أبو سعيد المستنجدي]. حجّ بالنّاس ستا وعشرين سنة، وكان شجاعا، سمحا، قليل الكلام، حليما، يمضي عليه الأسبوع ولا يتكلم. استغاث إليه رجل فلم يكلّمه، فقال له الرجل: الله كلّم موسى، فقال له: وأنت موسى؟ فقال له الرجل: وأنت الله! فقضى حاجته. وكان قد جاوز التسعين، واستأجر وقفا

مدة ثلاثمائة سنة على جانب دجلة ليعمره دارا، وكان ببغداد رجل محدّث يقال له فتيحة، فقال: يا أصحابنا نهنّيكم، مات ملك الموت، فقالوا: وكيف ذلك؟ فقال: طاشتكين عمره تسعون سنة، واستأجر أرضا ثلاثمائة سنة، فلو لم يعرف أنّ ملك الموت قد مات لم يفعل ذلك، فضحك النّاس. قاله ابن شهبة في «تاريخه».

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.