تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث وستمائة

فيها تمّت عدّة حروب بخراسان، قوي فيها خوارزم شاه، واتّسع ملكه، وافتتح بلخ وغيرها.

وفيها قبض الخليفة على الرّكن عبد السّلام بن الشيخ عبد القادر وأحرقت كتبه، وحكم بفسقه، وهو الذي وشى على الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، حتّى نكب، فلقاه الله تعالى.

وفيها توفي جمال الدولة، واقف الإقباليتين، إقبال الخادم بالقدس، بعد أن وقف داره بدمشق مدرستين شافعية وحنفية، ووقف عليها مواضع: الثلثان على الشافعية، والثلث على الحنفية.

وفيها ايتامش مملوك الخليفة الناصر، كان أقطعه الخليفة دجيل وقوفا وبها رجل نصراني من جهة الوزير ابن مهدي يؤذي المسلمين ويركب ويتجبّر على المسلمين، فسقى ايتامش سما فمات، فأمر الخليفة أن يسلّم ابن ساوة النصراني لمماليك ايتامش، فكتب الوزير إلى الخليفة يقول: إن

النصارى بذلوا في ابن ساوة مائة ألف دينار على أن لا يقتل، فكتب الخليفة على رأس الورقة:

إنّ الأسود أسود الغاب همّتهايوم الكريهة في المسلوب لا السّلب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إن الأسود أسود الغاب همتها»

فسلّم إلى المماليك فقتلوه وأحرقوه.

وفيها داود بن محمد بن محمود بن ماشاذه، أبو إسماعيل الأصبهاني [في شعبان]. حضر فاطمة الجوزدانيّة، وسمع زاهر الشّحّامي، وغانم بن خالد وجماعة.

وفيها سعيد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطّاف أبو القاسم المؤدّب ببغداد. روى عن قاضي المارستان، وأبي القاسم بن السّمرقندي، وتوفي في ربيع الآخر.

وفيها عبد الرزّاق بن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح [الجيليّ] الحافظ الثقة الحنبلي، أبو بكر. أسمعه أبوه من أبي الفضل الأرموي وطبقته، ثم سمع هو بنفسه.

قال الضياء: لم أر ببغداد في تيقظه وتحرّيه مثله.

وقال ابن نقطة: كان حافظا ثقة مأمونا.

وقال ابن النجار: كان حافظا ثقة متقنا، حسن المعرفة بالحديث، فقيها على مذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل، ورعا متدينا، كثير العبادة، منقطعا في منزله عن النّاس، لا يخرج إلّا في الجمعات، محبا للرواية، مكرما لطلاب

العلم، سخيا بالفائدة، ذا مروءة، مع قلّة ذات يده، وأخلاق حسنة، وتواضع وكيس. وكان خشن العيش، صابرا على فقره، عزيز النّفس، عفيفا، على منهاج السلف.

وقال أبو شامة في «تاريخه»: كان زاهدا عابدا ورعا، لم يكن في أولاد الشيخ مثله، وكان مقتنعا من الدّنيا باليسير، ولم يدخل فيما دخل فيه غيره من إخوته.

وقال ابن رجب: ولد يوم الاثنين ثامن عشر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ببغداد. وسمع الكثير بإفادة والده وبنفسه، وتوفي ليلة السبت سادس شوال، وصلّي عليه بمواضع متعددة، وكان يوما مشهودا، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

وقال الذهبي: حدّث عنه أبو عبد الله الدّبيثي، وابن النجّار، والضياء المقدسي، والنّجيب عبد اللطيف، والتّقي اليلداني، وابنه قاضي القضاة أبو صالح، وآخرون.

وفيها أبو محمد عبد الحليم بن محمد بن أبي القاسم الخضر [بن] محمد بن تيميّة أبو محمد بن الشيخ فخر الدّين، وسيأتي ذكر والده.

ولد المترجم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وسمع الحديث ببغداد من ابن كليب، وابن المعطوش، وابن الجوزي، وغيرهم.

وأقام ببغداد مدة طويلة، وقرأ الفقه على مذهب الإمام أحمد، وأتقن الخلاف، والأصول، والحساب، والهندسة، والفلسفة، والعلوم القديمة. ذكر ذلك ابن النجّار.

وسمع منه الحافظ ضياء الدّين وغيره، وتوفي في سادس شوال بحرّان.

وذكر والده في كتابه «الترغيب» أن لولده عبد الحليم هذا كتابا سمّاه «الذخيرة» وذكر عنه فروعا في دقائق الوصايا وعويص المسائل.

وفيها أبو الفرج علي بن عمر بن فارس الحدّاد الباجسرائي ثم البغدادي الأزجي الفرضي الحنبلي. تفقه على أبي حكيم النّهرواني، وقرأ الفرائض والحساب، وكان فيه فضل ومعرفة، وتقلب في الخدم الديوانية.

ذكره المنذري وقال: توفي ليلة رابع شعبان ببغداد.

وفيها أبو الحسن علي بن فاضل بن سعد الله بن صمدون الحافظ الصّوري ثم المصري. قرأ القراءات على أحمد بن جعفر الغافقي، وأكثر عن السّلفي، وسمع بمصر من الشريف الخطيب، وكان رأسا في هذا الشأن، وكتب الكثير. توفي في صفر.

وفيها أبو جعفر الصّيدلاني- نسبة إلى بيع الأدوية والعقاقير- محمد ابن أحمد بن نصر الأصبهاني سبط حسين بن مندة.

أعلام النبلاء» و «ذيل طبقات الحنابلة».

ولد في ذي الحجّة سنة تسع وخمسمائة، وحضر الكثير على الحدّاد، ومحمود الصّيرفي، وسمع من فاطمة الجوزدانية، وانتهى إليه علو الإسناد في الدّنيا، ورحلوا إليه. توفي في رجب.

وفيها محمد بن كامل بن أحمد بن أسد أبو المحاسن التّنوخي الدّمشقي. سمع من طاهر بن سهل الإسفراييني، ومات في ربيع الأول.

وممن حدّث عنه الفخر بن البخاري.

وفيها مخلص الدّين أبو عبد الله محمد بن معمر بن الفاخر القرشي الأصبهاني. ولد سنة عشرين وخمسمائة، وأسمعه والده حضورا من فاطمة الجوزدانية، وجعفر الثّقفي، وسمع من [محمد بن علي بن] أبي ذرّ، وزاهر [الشّحّامي]، وخلق. وكان عارفا بمذهب الشافعي، وبالنحو والحديث، قويّ المشاركة، محتشما ظريفا وافر الجاه. توفي في ربيع الآخر.

وفيها صائن الدّين أبو الحرم مكّي بن ريّان بن شبّة، العلّامة الماسكيني - بكسر الكاف وبالمهملة نسبة إلى ماكسين مدينة بالجزيرة - ثم الموصلي الضرير المقرئ النحوي، صاحب ابن الخشّاب.

قرأ القراءات على يحيى بن سعدون، وبرع في القراءات، والعربية، واللغة، وغير ذلك، ولم يكن لأهل الجزيرة في وقته مثله.

روى عن خطيب الموصل، وسمع منه الفخر علي والنّاس.

توفي بالموصل وقد شاخ.

وفيها الشيخ الكبير الشهير أبو الحسن علي بن عمر بن محمد، المعروف بالأهدل، وقيل: توفي سنة سبع، واقتصر عليه الجزري في «تاريخه».

كان من أعيان المشايخ أهل الكرامات والإفادات، قدم جدّه محمد من العراق على قدم التصوف، وهو شريف حسينيّ، ونشأ ابن ابنه عليّ نشوءا حسنا، وبلغ من الحال والشهرة مبلغا. قيل: ولم يكن له شيخ، وقيل: بل صحبه رجل سائح من أصحاب الشيخ عبد القادر الجيلاني. وقيل: رأى أبا بكر الصّدّيق [﵁] وأخذ عنه مناما، وقيل: أخذ من الخضر، وكان يقول: أنا نبات الرحمن. وبه تخرّج أبو الغيث بن جميل وتهذّب، وكان يقول: خرجت من عند ابن أفلح لؤلؤا بهما، فثقبني سيدي علي الأهدل.

وأما والد الشيخ، فكان سائحا، ونعاه ولده الشيخ علي إلى أصحابه يوم مات، وصلوا عليه، وتوفي الشيخ علي بأحواف السودان من سهام، ولذريته كرامات وبركات. قاله ابن الأهدل في «تاريخه».

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.