من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وستمائة
فيها جلس سبط ابن الجوزي بجامع دمشق ووعظ وحثّ على الغزاة، وكان الناس من باب الساعات إلى مشهد زين العابدين، واجتمع عنده شعور عظيمة كثيرة، وذكر حكاية أبي قدامة الشّامي مع تلك المرأة التي قطعت شعرها وبعثت به إليه وقالت: اجعله قيدا لفرسك في سبيل الله، فعمل من الشعور التي عنده مجتمعة شكلا لخيل المجاهدين، ولما صعد المنبر أمر بإحضارها، فكانت ثلاثمائة شكال، فلما رآها الناس صاحوا صيحة واحدة، وقطعوا مثلها، وكان والي دمشق حاضرا والأعيان، فلما نزل عن المنبر، قام والي دمشق ومشى مع السبط وركب وركب الناس، وخرجوا إلى باب المصلّى، وكانوا خلقا لا يحصون كثرة، وساروا إلى نابلس لقتال الفرنج، فأسروا، وهزموا، وهدموا، وقتلوا، ورجعوا سالمين غانمين.
وفي سابع شوال شرعوا في عمارة المصلّى بظاهر دمشق المجاورة لمسجد النّارنج برسم صلاة العيدين، وفتحت له الأبواب من كل جانب، وبني له منبر كبير عال.
وفيها جدّدت أبواب الجامع [الأموي] الغربية من جهة باب البريد بالنّحاس الأصفر.
وفيها توفي إدريس بن محمد أبو القاسم العطّار، المعروف بآل والويه. روى عن محمد بن علي بن أبي ذرّ الصّالحاني، وتوفي في شعبان.
قيل: إنه جاوز المائة.
وفيها أسعد- ويسمّى محمد- ابن المنجّى بن بركات بن المؤمل التّنوخي المعرّيّ ثم الدمشقي الحنبلي القاضي، وجيه الدّين، أبو المعالي، ويقال في أبيه أبو المنجّى، وفي جدّه أبو البركات.
ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة، وسمع بدمشق من أبي القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل السّوسي، وببغداد من أبي الفضل الأرموي، وأبي العبّاس الماندائي وغيرهم، وهو واقف الوجيهية التي برأس باب البريد، وهي مدرسة قريبة من مدرسة الخاتونية الجوانية، وبها خلاو كثيرة، ولها وقف كثير اختلس.
قال المنذري: وتفقّه ببغداد على مذهب الإمام أحمد.
وقال الذهبي: ارتحل إلى بغداد وتفقّه بها، وبرع في المذهب، وأخذ الفقه عن الشيخ عبد القادر الجيلي وغيره، وتفقه بدمشق على شرف الإسلام عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج [الحنبلي]، وأخذ عنه الشيخ الموفّق بن روى عنه جماعة.
وقال ناصح الدّين بن الحنبلي: كان أبو المعالي بن المنجّى يدرّس في المسمارية يوما وأنا يوما، ثم استقليت بها في حياته. وكان له اتصال بالدولة
وخدمة السلاطين، وأسنّ وكبر، وكفّ بصره في آخر عمره.
وله تصانيف منها كتاب «الخلاصة في الفقه» و «العمدة» و «النهاية في شرح الهداية» في بضعة عشر مجلدا. وسمع منه جماعة، منهم: الحافظ المنذري، وابن خليل، وابن البخاري، وتوفي في ثامن عشري ربيع الأول، ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الطّاهر إسماعيل [بن عمر] بن نعمة بن يوسف بن شبيب الرّؤبي المصري العطّار الأديب البارع ابن أبي حفص.
ولد سنة إحدى وخمسين وخمسمائة تقديرا. وكان بارعا في الأدب، حنبلي المذهب، له مصنفات أدبية، وله مماليك منها مائة جارية ومائة غلام، وغير ذلك، وكان بارعا في معرفة العقاقير.
ذكره المنذري وقال: رأيته ولم يتفق لي السماع منه، وتوفي في عشري المحرم بمصر، ودفن إلى جنب أبيه بسفح المقطّم على جانب الخندق، وكان أبوه رجلا صالحا مقرئا، وأخوه مكّي هو الذي جمع سيرة الحافظ عبد الغني.
وفيها عفيفة بنت أحمد بن عبد الله بن محمد بن [أمّ] هانئ الفارفانية الأصبهانية.
ولدت سنة عشر وخمسمائة، وهي آخر من روى عن عبد الواحد [الدّشتج]، صاحب أبي نعيم، ولها إجازة من أبي علي الحداد وجماعة، وسمعت من فاطمة «المعجمين» الكبير والصغير للطبراني. توفيت في ربيع الآخر.
وفيها القاضي الأسعد أبو المكارم، أسعد بن الخطير أبي سعد مهذّب بن مينا بن زكريا بن أبي قدامة بن أبي مليح ممّاتي المصري، الكاتب الشاعر.
كان ناظر الدواوين بالدّيار المصرية، وفيه فضائل، وله مصنفات عديدة، ونظم سيرة السلطان صلاح الدّين، ونظم كتاب «كليلة ودمنة».
وله ديوان شعر منه:
تعاتبني وتنهى عن أمورسبيل النّاس أن ينهوك عنها
أتقدر أن تكون كمثل عينيوحقّك ما عليّ أضرّ منها
وله في ثقيل رآه بدمشق:
حكى نهرين ما في الأرض من يحكيهما أبدا
حكى في خلقه ثوريوفي ألفاظه بردى
وله في غلام نحويّ:
وأهيف أحدث لي نحوهتعجّبا يعرب عن ظرفه
علامة التأنيث في لفظهوأحرف العلّة في طرفه
توفي يوم الأحد سلخ جمادى الأولى عن اثنتين وستين سنة، وكانت وفاته في حلب.
وفيها الحسن بن أحمد بن جكّينا الشاعر الأديب.
قال العماد: أجمع أهل بغداد على أنّه لم يرزق أحد من الشعراء لطافة شعره ومنه:
لافتضاحي في عوارضهسبب والنّاس لوّام
كيف يخفى ما أكابدهوالذي أهواه نمّام
وقوله:
لمّا بدا خطّ العذار يزين عارضه بمشق
وظننت أنّ سوادهفوق البياض كتاب عتقي
فإذا به من سوء حظي عهدة كتبت برقّي
وفيها أبو عبد الله المرادي محمد بن سعيد المرسي. أخذ
القراءات عن ابن هذيل، وسمع من جماعة، وتوفي في رمضان.
وفيها الإمام فخر الدّين الرّازي العلّامة أبو عبد الله، محمد بن عمر ابن حسين القرشي الطّبرستاني الأصل، الشافعي المفسّر المتكلّم، صاحب التصانيف المشهورة.
ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، واشتغل على والده الإمام ضياء الدّين خطيب الرّيّ، صاحب محيي السّنّة البغوي، وكان فخر الدّين ربع القامة، عبل الجسم، كبير اللّحية، جهوري الصوت، صاحب وقار وحشمة، له ثورة ومماليك وبزّة حسنة وهيئة جميلة. إذا ركب مشى معه نحو الثلاثمائة مشتغل على اختلاف مطالبهم، في التفسير، والفقه، والكلام، والأصول، والطّبّ، وغير ذلك. وكان فريد عصره، ومتكلّم زمانه، رزق الحظوة في تصانيفه، وانتشرت في الأقاليم. وكان له باع طويل في الوعظ، فيبكي كثيرا في وعظه. سار إلى شهاب الدّين الغوري سلطان غزنة، فبالغ في إكرامه، وحصلت له منه أموال طائلة، واتصل بالسلطان علاء الدّين خوارزم شاه، فحظي لديه، وكان بينه وبين الكراميّة السيف الأحمر، فينال منهم وينالون منه، سبّا وتكفيرا، حتّى قيل: إنّهم سمّوه فمات، وخلّف تركة ضخمة، منها ثمانون ألف دينار.
توفي بهراة يوم عيد الفطر. قاله جميعه في «العبر».
وقال ابن قاضي شهبة: ومن تصانيفه «تفسير كبير» - لم يتمه -، في
اثني عشر مجلدا كبارا، سمّاه «مفاتيح الغيب» وكتاب «المحصول» و «المنتخب» و «نهاية العقول » و «تأسيس التقديس» و «العالم في أصول الدّين» و «المعالم في أصول الفقه» و «الملخص» في الفلسفة و «شرح سقط الزّند» لأبي العلاء، وكتاب «الملل والنّحل».
ومن تصانيفه على ما قيل: كتاب «السّرّ المكتوم في مخاطبة الشمس والنّجوم» على طريقة من يعتقده، ومنهم من أنكر أن يكون من مصنفاته.
انتهى ملخصا.
وقال ابن الصلاح: أخبرني القطب الطّوعاني مرّتين، أنه سمع فخر الدّين الرّازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى.
وروي عنه أنه قال: لقد اختبرت الطّرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلا، ولا تشفي عليلا، ورأيت أصحّ الطرق طريقة القرآن. أقرأ في التنزيل وَالله الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ، وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، وأقرأ في الإثبات: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى، يَخافُونَ رَبَّهُمْ من فَوْقِهِمْ، وإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وأقرأ إن الكلّ من الله قوله: قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله، ثم قال:
وأقول من صميم القلب، من داخل الرّوح: إني مقرّ بأن كلّ ما هو الأكمل الأفضل الأعظم الأجلّ، فهو لك، وكلّ ما هو عيب ونقص فأنت منزّه عنه. انتهى.
وقال ابن الأهدل: ومن شعره:
نهاية إقدام العقول عقالوأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومناوحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرناسوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وأنشد يوما معاتبا لأهل هراة:
المرء ما دام حيّا يستهان بهويعظم الرّزء فيه حين يفتقد
انتهى.
وفيها العلّامة مجد الدّين أبو السّعادات ابن الأثير المبارك بن محمد ابن محمد بن عبد الكريم الشّيباني الجزريّ ثم الموصلي الشافعي الكاتب. مصنّف «جامع الأصول» ...
و «النهاية في غريب الحديث» ولد سنة أربع وأربعين، وسمع من يحيى بن سعدون القرطبي، وخطيب الموصل.
قال ابن شهبة في «طبقاته»: ولد بجزيرة ابن عمر، ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل، وسمع الحديث، وقرأ الفقه والحديث والأدب والنحو، ثم اتصل بخدمة السلطان، وترقت به المنازل، حتّى باشر كتابة السّرّ، وسأله صاحب الموصل أن يلي الوزارة، فاعتذر بعلو السنّ والسهو بالعلم، ثم حصل له نقرس، أبطل حركة يديه ورجليه، وصار يحمل في محفّة.
وقال ابن خلّكان كان فقيها، محدّثا، أديبا، نحويا، عالما بصنعة الحساب والإنشاء، ورعا، عاقلا، مهيبا، ذا برّ وإحسان.
وذكره ابن المستوفي، والمنذري، وأثنى كل واحد منهما عليه.
وذكره ابن نقطة وقال: توفي آخر يوم من سنة ست وستمائة برباطه في قرية من قرى الموصل، ودفن به.
وقال ابن الأهدل: له مصنفات بديعة وسيعة، منها: «جامع الأصول الستة الصحاح أمّهات الحديث» وضعه على كتاب رزين بن معاوية الأندلسي إلّا أن فيه زيادات كثيرة، ومنها: «النهاية في غريب الحديث» وكتاب «الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشّاف» في تفسير القرآن العظيم، أخذه من الثّعلبي والزّمخشري، وله كتاب «المصطفى المختار في الأدعية والأذكار» وكتاب «صنعة الكتابة» و «شرح أصول ابن الدهّان» في النحو، وكتاب «شافي العي في شرح مسند الشافعي» وغير ذلك، وعرض له فالج أبطل نصفه، وبقي مدة تغشاه الأكابر من العلماء، وأنشأ رباطا، ووقف أملاكه عليه. وداره التي يسكنها، وحكي أن تصنيفه كلّه في حال تعطله، لأنّه كان عنده طلبة يعينونه على ذلك، وحكى أخوه أبو الحسن: جاءه طبيب وعالجه بدهن قارب أن يبرأ، فقال: أنا في راحة من صحبة هؤلاء القوم وحضورهم، وقد
سكنت نفسي إلى الانقطاع فدعني أعش باقي عمري سليما من الذّل، وترك. انتهى.
وفيها ابن الإخوة مؤيّد الدّين أبو مسلم هشام بن عبد الرحيم بن أحمد [بن محمد بن الإخوة البغدادي ثم الأصبهاني المعدّل. سمع حضورا من أبي ذرّ، وزاهر، وسمع] من أبي عبد الله الخلّال وطائفة، وروى كتبا كبارا. توفي في جمادى الآخرة.
وفيها أبو زكريا الأواني يحيى بن الحسين. قرأ القراءات على أبي الكرم الشّهرزوري، ودعوان، وسمع بواسط من أبي عبد الله الجلّابي وغيره، وتوفي في صفر.
وفيها مجد الدّين يحيى بن الرّبيع العلّامة أبو علي الشّافعي.
ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بواسط. تفقّه أولا على أبي النّجيب السّهروردي، ورحل إلى محمد بن يحيى، فتفقّه عنده سنتين ونصف، وسمع من نصر الله بن الجلخت، وببغداد من ابن ناصر، وبنيسابور من عبد الله بن الفراوي، وولي تدريس النّظّامية، وكان إماما في القراءات، والتفسير، والمذهب، والأصلين، والخلاف، كبير القدر، وافر الحرمة.
توفي في ذي القعدة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع