من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمسين وستمائة
فيها وصلت التتار إلى ديار بكر فقتلوا وسبوا وعملوا عوائدهم.
وفيها توفي الرّشيد بن مسلمة أبو العبّاس أحمد بن مفرّج بن علي بن الدّمشقي، ناظر الأيتام.
ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وأجاز له الشيخ عبد القادر الجيلي، وهبة الله الدقّاق، وابن البطّي، والكبار. وتفرّد في وقته، وسمع من الحافظ ابن عساكر وجماعة. وتوفي في ذي القعدة.
وفيها الكمال إسحاق بن أحمد بن عثمان المعرّي الشيخ المفتي الإمام الفقيه الشافعي المعرّي، أحد مشايخ الشافعية وأعيانهم.
أخذ عن الشيخ فخر الدّين بن عساكر، ثم عن ابن الصّلاح. وكان
إماما، عالما، مقيما بالرّواحية، أعاد بها عند ابن الصلاح عشرين سنة، وقد أخذ عنه جماعة، منهم: الإمام محيي الدّين النّووي.
قال أبو شامة: كان زاهدا، متواضعا.
وقال النووي في أوائل «تهذيب الأسماء واللغات»: أول شيوخي الإمام المتفق على علمه، وزهده، وورعه، وكثرة عبادته، وعظيم فضله وتميّزه في ذلك على أشكاله.
وقال غيره: كان متصديا للإفادة والفتوى، تفقّه به أئمة، وكان كبير القدر في الخير والصلاح، متيقن الورع. عرضت عليه مناصب فامتنع، ثم ترك الفتوى، وقال: في البلد من يقوم مقامي. وكان يسرد الصوم، ويؤثر بثلث جامكيته ويقنع باليسير، ويصل رحمه بما فضل عنه، وكان في كلّ رمضان ينسخ ختمة ويوقفها. وله أوراد كثيرة، ومحاسن جمّة. توفي في ذي القعدة عن نيّف وخمسين سنة، ودفن بتربة الصّوفية إلى جانب ابن الصّلاح.
وفيها [الصّغاني] العلّامة رضي الدّين أبو الفضائل الحسن بن محمد [بن الحسن] بن حيدر العدوي العمري الهندي اللّغوي، نزيل بغداد.
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة بكوهور، ونشأ بغزنة، وقدم بغداد، وذهب في الرسائل غير مرّة. وسمع بمكّة من أبي الفتوح بن [محمد]
الحصري، وببغداد من سعيد بن الرزّاز. وكان إليه المنتهى في معرفة اللغة.
له مصنّفات كبار في ذلك، وله بصر في الفقه، مع الدّين، والأمانة.
توفي في شعبان، وحمل إلى مكّة فدفن بها.
وفيها الخطيب العدل عبد الله بن حسّان بن رافع، خطيب المصلّى. توفي بدمشق بقصر حجّاج، بالمسجد المعروف به، ودفن بسفح قاسيون.
وفيها الخطيب كمال الدّين عبد الواحد بن خلف بن نبهان، خطيب زملكا، جدّ الشيخ كمال الدّين بن الزّملكاني. كان فاضلا، خيّرا، متميزا في علوم متعددة. تولى قضاء صرخد، ودرّس ببعلبك، وناب بدمشق، ومات بها. حكى عنه ابن أخيه عبد الكافي أنه لما طال به المرض ونحن عنده إذ التوت يده اليمنى إلى أن صارت كالقوس، ثم فقعت وانكسرت، وبقيت معلّقة بالجلدة، ثم يوما آخر أصاب يده اليسرى مثل ذلك، ثم رجله اليمنى، ثم رجله اليسرى كذلك، فبقيت أربعته مكسرة. وسألوا الأطباء عن ذلك فما عرفوا جنس هذا المرض.
وفيها الشيخ الصّالح علي بن محمد الفهّاد. كان بحرم السلطان.
سنجرشاه، فلما قتل انقطع في بيته وبنى مسجدا ورباطا ووقف عليهما ما ملك، وبقي يؤذّن احتسابا، فلما كان في بعض الأيام، جاء إلى المسجد وفيه بئر، فأدلى السطل ليستقي ماء، فطلع مملوءا ذهبا، فقال: بسم الله مردود، فأنزله مرة ثانية فطلع مملوءا ذهبا، فقال: بسم الله غير مردود وقلبه في البئر،
وأنزله مرة ثالثة فطلع مملوءا ذهبا، فقال: يا ربّ لا تطردني عن بابك، أنا أروح إلى الشطّ أتوضأ، ليس قصدي سوى الماء لأداء فريضتك، ثم أنزله رابعة فطلع مملوءا ماء، فسجد شكرا لله تعالى.
وفيها الإمام شمس الدّين محمد بن سعد بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن هبة الله بن نمير الأنصاري المقدسي الأصل ثم الدمشقي الكاتب الفقيه الحنبلي.
ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وسمع من يحيى الثقفي، وابن صدقة الحرّاني، وغيرهما. وأجاز له السّلفي وغيره، وكان شيخا، فاضلا، وأديبا حسن النظم والنثر، من المعروفين بالفضل والأدب، والكتابة، والدّين، والصّلاح، وحسن الخطّ، وحسن الخصال، ولطف المقال. وطال عمره، ووزر للملك الصّالح إسماعيل مدة. وحدّث بدمشق وحلب، وكتب عنه ابن الحاجب، وقال: سألت الحافظ ابن عبد الواحد عنه فقال: عالم ديّن. روى عنه جماعة، منهم: ابنه يحيى بن محمد بن سعد، وسليمان بن حمزة، وتوفي في ثاني شوال بسفح قاسيون ودفن به من الغد.
وتوفي أخوه أحمد في نصف ذي القعدة من هذه السنة. روى عن الخشوعي، وابن طبرزد.
وفيها الفقيه العلّامة المحدّث الصّالح الورع، محمد بن إسماعيل
الحضرمي، والد الفقيه إسماعيل المشهور. كان مفتيا، مدرسا.
وصنّف، واختصر «شعب الإيمان» للبيهقي، وله عليه زيادات حسنة، وتخرّج به جماعة، منهم: ولده.
ولما مات نزل في قبره الشيخ أبو الغيث بن جميل [اليمني]، نفع الله بهما. قاله ابن الأهدل.
وفيها سعد الدّين بن حمّويه الجويني محمد بن المؤيد بن عبد الله ابن علي الصّوفي، صاحب أحوال ورياضات. وله أصحاب ومريدون، وله كلام على طريقة الاتحاد. سكن سفح قاسيون مدة، ثم رجع إلى خراسان، وتوفي هناك. قاله في «العبر».
وفيها الفقيه موسى بن محمد القمراوي، نسبة إلى قمراء، قرية من أعمال صرخد.
ومن شعره قصيدة وازن بها قصيدة الحصري القيرواني، التي أولها:
يا ليل الصّبّ متى غدهأقيام السّاعة موعده
فقال القمراوي:
قد ملّ مريضك عوّدهورثى لأسيرك حسّده
لم يبق جفاك سوى نفسزفرات الشوق تصعّده
هاروت يعنعن فنّ السّحر إلى عينيك ويسنده
وإذا أغمضت اللّحظ فتكت فكيف وأنت تجرّده
كم سهّل خدّك وجه رضاوالحاجب منك يعقّده
ما أشرك فيك القلب فلمفي نار الشّوق تخلّده
وفيها فخر القضاة نصر الله بن هبة الله بن بصاقة الحنفي الكاتب.
من شعره:
على ورد خدّيه وأسّ عذارهيليق بمن يهواه خلع عذاره
وأبذل جهدي في مداراة قلبهولولا الهوى يقتادني لم أداره
أرى جنّة في خدّه غير أننيأرى جلّ ناري شبّ من جلّناره
سكرت بكأس من رحيق رضابهولم أدر أنّ الموت عقبى خماره
وفيها علي بن أبي الفوارس الخيّاط المقرئ، عرف بالسير باريك. كان حاذقا بالخياطة، قيل: إن الأمير الأرنباي أحضره ليلة العيد وقد عرض عليه ثوب أطلس، فطلب صاحبه ثمنا كثيرا، فقال: أنا أخيّطه ولا أقطعه، ويلبسه الأمير. فإن رضي صاحبه بما يعطى وإلّا يعاد عليه، فقال:
افعل، ففعل ذلك، وجاء صاحبه وأصرّ على الثمن الغالي، فطواه وثقله وأعاده عليه، فلما رآه صحيحا رضي بما أعطي.
وفيها الشيخ عثمان الديرناعسي - من دير ناعس من قرى البقاع- شيخ عظيم، صاحب كرامات ومكاشفات. أدرك جماعة من الأولياء، ودفن بزاوية هناك، وكان له صيت وسمعة.
وفيها ابن قميرة المؤتمن أبو القاسم يحيى بن أبي السعود نصر بن أبي القاسم بن أبي الحسن التميمي الحنظلي الأزجي، التاجر السفّار، مسند العراق.
ولد سنة خمس وستين وخمسمائة. وسمع من شهدة، وتجنّي، وعبد الحق، وجماعة. وحدّث في تجارته بمصر والشام.
توفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى.
وفيها هبة الله بن محمد بن الحسين بن مفرّج جمال الدّين أبو البركات المقدسي ثم الإسكندراني الشافعي، ويعرف بابن الواعظ. من عدول الثّغر. روى عن السّلفي قليلا، وعاش إحدى وثمانين سنة.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع