تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة

فيها توفي الفاضل أبو إسحاق إبراهيم بن شمس الدّين الفاشوشة الكتبي.

اشتغل بالعربية والأدب.

ومن شعره في المشمش:

قد أتى سيّد الفواكه في ثوب نضار والشّهد منه يفور
يشبه العاشق المتيّم حالاأصفر اللّون قلبه مكسور

وفيها الرئيس المعمّر تاج الدّين أحمد بن المحدّث إدريس بن محمد بن مزيز الحموي.

ذكر لوزارة بلده، وسمع من صفية حضورا، وبدمشق من ابن علّان، واليلداني، ومحمد بن عبد الهادي، وعدة. وأجاز له إبراهيم بن الخير، وابن العلّيق. وكان صدرا، رئيسا، محتشما.

توفي بحماة في رمضان عن تسعين سنة وشهرين.

وفيها الشيخ شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن إسماعيل بن

طاهر بن نصر بن جهبل الشافعي الحلبي الأصل الدمشقي، المعروف بابن جهبل.

ولد سنة سبعين وستمائة، وسمع من جماعة واشتغل بالعلم، ولزم الشيخ صدر الدّين بن المرحّل، وأخذ عن الشيخ شرف الدّين المقدسي وغيره، ودرّس بصلاحية القدس الشريف مدة ثم تركها، وتحوّل إلى دمشق، فباشر مشيخة دار الحديث الظّاهرية، ثم ولي تدريس البادرائية بعد وفاة الشيخ برهان الدّين، وترك المشيخة المذكورة، واستمرّ في تدريس البادرائية إلى أن مات.

قال ابن كثير: ولم يأخذ معلوما من واحدة منهما. قال: وكان من أعيان الفقهاء وفضلائهم.

وقال السبكي: درّس، وأفتى، وأشغل مدّة بالعلم بالقدس ودمشق. وحدّث وسمع منه الحافظ علم الدّين البرزالي. قال: ووقفت له على تصنيف في نفي الجهة ردّا على ابن تيميّة لا بأس به، وسرده بمجموعة في «الطبقات الكبرى» في نحو كرّاسين.

توفي بدمشق في جمادى الآخرة ودفن بمقابر الصّوفية.

وفيها الأمير الكبير بكتمر السّاقي بدرب الحجاز بعيون القصب، ثم حمل فدفن بالتّربة التي أنشأها بالقرافة.

كان له عند السلطان مكانة عظيمة لا يفترقان، إما أن يكون عند السلطان أو السلطان عنده.

وكان فيه خير وسياسة وقضاء لحوائج الناس.

وكان في اصطبله مائة سطل لمائة سائس كل سائس على ستة رؤوس من الخيل العتاق، وبيع من خيله بما لا يحصى وقومت زردخاناه على الأمير قوصون

بستمائة ألف دينار، وأخذ السلطان ثلاثة صناديق جوهر ليس لها قيمة، وأبيع له من كل نوع بما لا يحصى.

وفيها أسماء بنت محمد بن سالم بن الحافظ أبي المواهب بن صصرى أخت القاضي نجم الدّين. سمعت من مكّي بن علّان، وتفرّدت وحجّت مرارا.

وتوفيت بدمشق في ذي الحجّة عن خمس وتسعين سنة، وكانت مسندة ذات صدقات وفضل، رحمها الله تعالى.

وفيها الإمام القدوة الولي الشيخ علي ابن الحسن الواسطي الشافعي.

كان من أعبد البشر، حجّ واعتمر أزيد من ألف مرّة، وتلا أزيد من أربعة آلاف ختمة، وطاف مرّات في اللّيل سبعين أسبوعا.

ومات ببدر محرما، رحمه الله تعالى. قاله في «العبر».

وفيها الإمام المحدّث العدل شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن غنائم بن المهندس الصالحي الحنفي سمع من ابن أبي عمر، وابن شيبان فمن بعدهما، وكتب الكثير، ورحل، وخرّج وتعب، ونسخ «تهذيب الكمال» مرتين. مع الدّين والتواضع، ومعرفة الشّروط.

وتوفي في شوال عن ثمان وستين سنة.

وفيها قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدّين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن حازم بن صخر بن عبد الله الكناني الحموي الشافعي.

ولد في ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وستمائة بحماة، وسمع الكثير، واشتغل، وأفتى، ودرّس. وأخذ أكثر علومه بالقاهرة عن القاضي تقي الدّين بن رزين. وقرأ النحو على الشيخ جمال الدّين بن مالك.

وولي قضاء القدس سنة سبع وثمانين، ثم نقل إلى قضاء الدّيار المصرية سنة تسعين، وجمع له بين القضاء ومشيخة الشيوخ. ثم نقل إلى دمشق وجمع له بين القضاء والخطابة ومشيخة الشيوخ. ثم أعيد إلى قضاء الدّيار المصرية بعد وفاة ابن دقيق العيد. ولما عاد الملك الناصر من الكرك عزله مدة سنة ثم أعيد، وعمي في أثناء سنة سبع وعشرين فصرف عن القضاء، واستمرّ معه تدريس الزاوية بمصر، وانقطع بمنزله بمصر قريبا من ست سنين يسمع عليه، ويتبرك به إلى أن توفي.

قال الذهبي في «معجم شيوخه»: قاضي القضاة، شيخ الإسلام، الخطيب المفسّر، له تعاليق في الفقه، والحديث، والأصول، والتواريخ، وغير ذلك، وله مشاركة حسنة في علوم الإسلام، مع دين، وتعبّد، وتصوّن، وأوصاف حميدة، وأحكام محمودة، وله النّظم، والنّثر، والخطب، والتلامذة، والجلالة الوافرة، والعقل التّام الرّضي، فالله تعالى يحسن له العاقبة، وهو أشعريّ فاضل.

وقال السّبكي في «الطبقات الكبرى»: حاكم الإقليمين مصرا وشاما، وناظم عقد الفخار الذي لا يسامى، متحلّ بالعفاف إلّا عن مقدار الكفاف، محدّث، فقيه، ذو عقل لا تقوم أساطين الحكماء بما جمع فيه.

ومن نظمه قوله:

لمّا تمكّن في فؤادي حبّهعاتبت قلبي في هواه ولمته
للشاعر ابن جماعة، اقرأ القصيدة
فرثى له طرفي وقال أنا الذيقد كنت في شرك الرّدى أوقعته
للشاعر ابن جماعة، اقرأ القصيدة
عاينت حسنا باهرا فاقتادنيقسرا إليه عند ما أبصرته
للشاعر ابن جماعة، اقرأ القصيدة

توفي في جمادى الأولى، ودفن قريبا من الإمام الشافعي، ﵄، وله أربع وتسعون سنة.

وفيها تقي الدّين أبو الثناء محمود بن علي بن محمود بن مقبل بن سليمان بن داود الدّقوقي ثم البغدادي الحنبلي المحدّث الحافظ.

ولد بكرة نهار الاثنين سادس عشري جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة. وسمع الكثير بإفادة والده من عبد الصّمد بن أبي الجيش، وعلي بن وضاح، وابن السّاعي، وعبد الله بن بلدجي، وعبد الجبار بن عكبر، وغيرهم، وأجاز له جماعة كثيرة من أهل العراق والشام، ثم طلب بنفسه، وقرأ ما لا يوصف كثرة.

وكان يجتمع عنده في قراءة الحديث آلاف. وانتهى إليه علم الحديث والوعظ ببغداد، ولم يكن بها في وقته أحسن قراءة للحديث منه ولا معرفة بلغاته وضبطه، وله اليد الطّولى في النّظم والثّر وإنشاء الخطب.

وكان لطيفا، حلو النّادرة، مليح الفكاهة، ذا حرمة، وجلالة، وهيبة، ومنزلة، عند الأكابر.

وجمع عدة «أربعينيات» في معان مختلفة. وله كتاب «مطالع الأنوار في الأخبار والآثار الخالية عن السند والتكرار» وكتاب «الكواكب الدّرّية في المناقب العلوية» وتخرّج به جماعة في علم الحديث، وانتفعوا به، وسمع منه خلق، وحدّث عنه طائفة.

وتوفي يوم الاثنين بعد العصر عشرين المحرم ببغداد ﵀.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.