تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس وعشرين وسبعمائة

في جمادى الأولى كان غرق بغداد المهول، وبقيت كالسفينة، وساوى الماء الأسوار، وغرق أمم لا تحصى، وعظمت الاستغاثة بالله تعالى، ودام خمس ليال، وقيل: تهدّم بالجانب الغربي نحو خمسة آلاف بيت.

قال الذهبي: ومن الآيات أن مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه، فإن الماء دخل في الدهليز علو ذراع ووقف بإذن الله تعالى، وبقيت البواري عليها غبار حول القبر، صحّ هذا عندنا.

وفيها توفي شيخ الظّاهرية عفيف الدّين إسحاق بن يحيى الآمدي الحنفي. روى كثيرا عن ابن خليل، وعن عيسى الخيّاط، وعدّة، وطلب الحديث، وحصّل أصولا بمروياته.

قال الذهبي: خرّج له ابن المهندس «معجما» قرأته.

توفي بدمشق في رمضان عن ثلاث وثمانين سنة، رحمه الله تعالى.

وفيها الأديب الأمشاطي أحمد بن عثمان قيّم الشّام في نظم الزّجل.

كان فردا في وقته، وكان كاتبا في دار البطيخ.

ومن نظمه:

وفتّاك اللّواحظ بعد هجروفى كرما وأنعم بالمزار
وظلّ نهاره يرمي بقلبيسهاما من جفون كالشّفار
وعند اللّيل قلت لمقلتيهوحكم النّوم في الأجفان سار
تبارك من توفّاكم بليلويعلم ما جرحتم بالنّهار

وفيها كبير الدولة الأمير الكبير ركن الدّين بيبرس المنصوري الخطائي الدّويدار صاحب «التاريخ الكبير» ورأس الميسرة، ونائب مصر قبل أرغون.

توفي في رمضان بمصر عن ثمانين سنة.

قال ابن حجر في «الدّرر الكامنة»: هو صاحب «التاريخ المشهور» في خمسة وعشرين مجلدا.

وقال الذهبي: كان عاقلا، وافر الهيبة، كبير المنزلة.

وقال غيره: كان كثير الأدب، حنفي المذهب، عاقلا، قد أجيز بالإفتاء والتدريس، وله برّ ومعروف، كثير الصّدقة سرّا، ويلازم الصّلاة في الجماعة، وغالب نهاره في سماع الحديث والبحث في العلوم، وليله في القرآن والتهجد، مع طلاقة الوجه ودوام البشر، ﵀.

وفيها الفقيه المعمّر شهاب الدّين أحمد بن العفيف محمد بن عمر الصّقلي ثم الدمشقي الحنفي.

إمام مسجد الرأس، وهو آخر من حدّث عن ابن الصّلاح.

توفي في صفر وله ثمان وثمانون سنة وثلاثة أشهر.

وفيها جمال الدّين أحمد بن علي اليمني المعروف بالعامري، وهو ابن أخت إسماعيل الحضرمي، شارح «المهذّب».

قال الإسنوي: كان شافعيا، عالما، جليلا، شرح «الوسيط» في نحو ثمانية أجزاء، وشرح أيضا «التنبيه» شرحا لطيفا، وتولى قضاء المهجم ومات بها.

وفيها صدر الدّين سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح بن خطيب، القاضي العالم الزّاهد الورع أبو الرّبيع الهاشمي الجعفري، المعروف بخطيب داريّا.

ولد سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وسمع الحديث، وتفقّه على الشيخين تاج الدّين الفزاري، ومحيي الدّين النّووي. وولي خطابة داريّا، وأعاد بالناصرية، وناب في الحكم مدة سنين، واستسقى الناس به سنة تسع عشرة فسقوا، وكان يذكر نسبه إلى جعفر الطّيّار بينهما ثلاثة عشر أبا، ثم إنه ولي خطابة جامع التّوبة، وترك نيابة الحكم.

قال الذهبي: كان يتزهّد في ثوبه وعمامته الصغيرة، ومأكله، وفيه تواضع وترك للرئاسة والتصنّع، وفراغ عن الرّعونات، وسماحة ومروءة، ورفق. وكان لا يدخل حمّاما. حدّث عن ابن أبي اليسر، والمقداد، وكان عارفا بالفقه، وله حكايات في مشيه إلى شاهد يؤدي عنه، وإلى فقير، وربما نزل في طريق داريّا عن حمارته وحمل عليها حزم حطب لمسكينة، ﵀.

توفي في ذي القعدة ودفن بباب الصّغير عند شيخه تاج الدّين.

وفيها الشيخ المعمّر عبد الرحمن بن عبد الولي الصّحراوي سبط اليلداني.

سمع من جدّه كثيرا، ومن الرّشيد العراقي، وابن خطيب القرافة، وشيخ

الشيوخ الحموي وأجاز له الضّياء، والسّخاوي، وسمع منه نائب السّلطنة «الآثار» للطحاوي، ووصله ورتّب له مرتّبا، ثم أضرّ وعجز.

وتوفي بدمشق في ربيع الأول عن خمس وثمانين سنة.

وفيها أول الملوك العثمانية خلّد الله دولتهم، وهو السلطان عثمان بن طغربك بن سليمان شاه بن عثمان.

تولى صاحب الترجمة سنة تسع وتسعين وستمائة، فأقام ستا وعشرين سنة.

نقل القطبي أن أصله من التّركمان الرّحالة النزّالة من طائفة التتار، ويتصل نسبه إلى يافث بن نوح ﵇. انتهى.

ونقل صاحب «درر الأثمان في أصل منبع آل عثمان» أن عثمان جدّهم الأعلى من عرب الحجاز، وأنه هاجر من الغلاء لبلاد قرمان واتصل بأتباع سلطانها في سنة خمسين وستمائة، وتزوّج من قونيا، فولد له سليمان فاشتهر أمره بعد عثمان، ثم تسلطن، وهو الذي فتح بورصة في حدود ثلاثين وسبعمائة، ثم تسلطن بعد سليمان ولده عثمان حواي الأصغر، ويقال هو الذي افتتح برسبا، وأنه أول ملوك بني عثمان، فإنه استقلّ بالملك. وأما أبواه فكانا تابعين للملوك السّلجوقية.

ونقل بعض المؤرخين أن أصل ملوك بني عثمان من المدينة المنورة، فالله أعلم.

ولما ظهر جنكزخان أخرب بلاد بلخ، فخرج سليمان شاه بخمسين ألف بيت إلى أرض الرّوم، فغرق في الفرات، فدخل ولده طغربك الرّوم فأكرمه السلطان علاء الدّين السّلجوقي سلطان الرّوم، فلما مات طغربك خلّف أولادا أمجادا، أشدّهم بأسا وأعلاهم همّة عثمان صاحب الترجمة، فنشأ مولعا بالقتال والجهاد في الكفّار، فلما أعجب السلطان علاء الدّين السّلجوقي ذلك منه، أرسل إليه الرّاية

السّلطانية والطّبل والزّمر، فلما ضربت النّوبة بين يديه، قام على قدميه تعظيما لذلك، فصار قانونا مستمرا لآل عثمان إلى الآن، يقومون عند ضرب النّوبة، ثم بعد ذلك تمكّن من السّلطنة، واستقلّ بالأمر، وافتتح من الكفّار عدة قلاع وحصون، رحمه الله تعالى. قاله الشيخ مرعي في «نزهة الناظرين».

وفيها الإمام المحدّث نور الدّين علي بن جابر الهاشمي اليمني الشافعي، شيخ الحديث.

حدّث عن زكي البيلقاني، وعرض عليه «الوجيز» للغزّالي، وله مشاركات وشهرة.

وتوفي بالمنصورية عن بضع وسبعين سنة.

وفيها علاء الدّين علي بن النّصير محمد بن غالب بن محمد الأنصاري الشافعي.

روى عن الكمال الضّرير «الشّاطبية» وعن ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وطلب، وكتب، وتفقّه، وشارك في العلم، وتميّز في كتابة الحكم والشروط.

وتوفي بدمشق عن ثمانين سنة.

وفيها شيخ القرّاء تقي الدّين محمد بن أحمد بن عبد الخالق، العلّامة المعروف بابن الصّايغ، الشافعي، شيخ القرّاء بالدّيار المصرية. قرأ «الشاطبية» على الكمال الضّرير، والكمال على مصنّفه ابن فارس، واشتهر، وأخذ عنه خلق، ورحل إليه، وكان ذا دين، وخير، وفضيلة، ومشاركة قوية.

قال الإسنوي: رحل إليه الطلبة من أقطار الأرض لأخذ علم القراءة عليه لانفراده بها رواية ودراية، وأعاد بالطّيبرسية، والشّريفية، وغيرهما.

وتوفي بمصر في صفر عن أربع وتسعين سنة.

وفيها العلّامة الورع نور الدّين محمد بن إبراهيم بن الأميوطي الشافعي.

حكم بالكرك نحوا من ثلاثين سنة، وتفقه به الطلبة، وحدّث عن قطب الدّين القسطلّاني وغيره، وهو والد شرف الدّين قاضي بلبيس، وتوفي بالكرك.

وفيها شهاب الدّين محمود بن سليمان بن فهد الحلبي ثم الدمشقي أبو الثناء، كاتب السرّ الحنبلي.

قال الذهبي: علّامة الأدب، وعلم البلاغيين، وكاتب السّرّ بدمشق. حدّث عن ابن البرهان، ويحيى بن الحنبلي، وابن مالك، وخدم بالإنشاء نحوا من خمسين سنة، وكان يكتب التقاليد على البدية.

وقال ابن رجب في «طبقاته»: تعلّم الخطّ المنسوب، ونسخ بالأجرة بخطّه الأنيق كثيرا، واشتغل بالفقه على الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وأخذ العربية عن الشيخ جمال الدّين بن مالك، وتأدّب بالمجد بن الظهير وغيره، وفتح له في النّظم والنثر، ثم ترقت حاله، واحتيج إليه، وطلب إلى الدّيار المصرية، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وصار المشار إليه في هذا الشأن في الدّيار المصرية والشامية، وكان يكتب التقاليد الكبار بلا مسودة، وله تصانيف في الإنشاء وغيره، ودوّن الفضلاء نظمه ونثره، ويقال: لم يكن بعد القاضي الفاضل مثله، وله من الخصائص ما ليس للفاضل من كثرة القصائد المطولة الحسنة الأنيقة، وبقي في

ديوان الإنشاء نحوا من خمسين سنة بدمشق ومصر، وولي كتابة السرّ بدمشق نحوا من ثماني سنين قبل موته، وحدّث، وروى عنه الذهبي في «معجمه» وقال: كان ديّنا، خيّرا، متعبدا، مؤثرا للانقطاع والسّكون، حسن المجاورة، كثير الفضائل.

وتوفي بدمشق ليلة السبت ثاني عشري شعبان ودفن بتربته التي أنشأها بالقرب من اليعمورية، وولي بعده ابنه شمس الدّين.

ومن شعره- أي الشهاب محمود-:

يا من أضاف إلى الجمال جميلالا كنت إن طاوعت فيك عذولا
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة
عوّضتني من نار هجرك جنّةفسكنت ظلا من رضاك ظليلا
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة
ومننت حين منحتني سقما بهأشبهت خصرك رقّة ونحولا
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة
وسلكت بي في الحبّ أحسن مسلكلم يبق لي نحو السلوّ سبيلا
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة
ولربّ ليل مثل وجهك بدرهودجاه مثل مديد شعرك طولا
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة
أرسلت لي فيه الخيال فكان ليدون الأنيس مؤانسا وخليلا
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة
إن لم أجد للوجد فيك بمهجتيلا نال قلبي من وصالك سولا
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة

وله في حرّاث:

عشقت حرّاثا مليحا غدافي يده المسّاس ما أجمله
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة
كأنّه الزّهرة قدّامه الثور يراعي مطلع السّنبله
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة

وفيها سراج الدّين يونس بن عبد المجيد بن علي الأرمنتي - نسبة إلى أرمنت من صعيد مصر الأعلى-.

ولد بها في المحرم سنة أربع وأربعين وستمائة، واشتغل بقوص على الشيخ مجد الدّين القشيري، وأجازه بالفتوى، ثم ورد مصر، فاشتغل على علمائها، وسمع من الرّشيد العطّار وغيره، وصار في الفقه من كبار الأئمة، مع فضله في النحو والأصول، وغير ذلك وتصدّر لإفادة الطلبة، وصنّف كتابا سمّاه «المسائل

المهمة في اختلاف الأئمة» وكتاب «الجمع والفرق» وولاه ابن بنت الأعزّ قضاء إخميم ثم صار يتنقل في أقاليم الدّيار المصرية، مشكور السيرة، محمود الحال، إلى أن تولى القوصية، فأقام بها سنين قليلة فلسعه ثعبان في المشهد بظاهر قوص، فمات به في ربيع الآخر.

وذكر قبل موته بقليل أنه لم يبق أحد في الدّيار المصرية أقدم منه في الفتوى وكان أديبا شاعرا، حسن المحاضرة، وجد بعضهم مكتوبا بخطّه على ظهر كتاب له:

الحال منّي يا فتىيغني عن الخبر المفيد
فبغير سكّين ذبحت فؤاد حرّ في الصّعيد

فكان كذلك، لم يخرج من قوص كما سبق.

وله البيتان المعروفان في الكفاءة:

شرط الكفاءة حرّرت في ستةينبيك عنها بيت شعر مفرد
نسب ودين صنعة حريّةفقد العيوب وفي اليسار تردّد

قاله الإسنوي.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.