تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث وثمانمائة

الصفحة ٢ من ٢

وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن خليل بن محمد بن طوغان الدمشقي الحريري الحنبلي، المعروف بابن المنصفي.

ولد سنة ست وأربعين وسبعمائة، واشتغل في الفقه، وشارك في العربية والأصول، وسمع الكثير من أصحاب ابن البخاري، وسمع بمصر أيضا، وحصلت له محنة بسبب مسألة الطّلاق المنسوبة إلى ابن تيميّة، ولم يرجع عن اعتقاده، وكان خيّرا، ديّنا. قاله ابن حجر. وقال: سمعت منه شيئا.

ومات في شعبان بعد أن عوقب، واستمرّ متألما. انتهى.

وقال ابن حجي: كان فقيها، محدّثا، حافظا، قرأ الكثير، وضبط وحرّر، وأتقن وألّف، وجمع، مع المعرفة التّامة.

تخرّج بابن المحبّ، وابن رجب، وكان يفتي ويتقشف، مع الانجماع، ولم تكن الحنابلة ينصفونه، وأقام بالضّيائية ثم بالجوزية. انتهى.

وفيها شمس الدّين محمد بن سليم بن كامل الحوراني ثم الدمشقي الشافعي.

تفقه، ومهر، واعتنى بالأصول والعربية، وكان من عدول دمشق، وقرأ «الروضة» على علاء الدّين حجي، وكتب عليها حواشي مفيدة، وأذن له في الإفتاء، ودرّس وأجاد، وتصدّر وأفاد، وكان أكثر أقرانه استحضارا للفقه، وكان أسمر شديد السّمرة، وكان يكتب الحكم، وكتب من مصنّفات التّاج السّبكي له كثيرا.

وتوفي في رجب بعد أن عوقب بأيدي اللّنكية وقد قارب الستين.

وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الله بن عثمان بن شكر البعلي الحنبلي، الشيخ الإمام.

سمع الحديث من جماعة، وروى، وألّف، وجمع، وكانت كتابته حسنة وعباراته جيدة في التصنيف حدّث ب «معجم ابن جميع» وتوفي بغزّة.

وفيها الحافظ ناصر الدّين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبي عمر الحنبلي المعروف بابن زريق الشيخ الإمام.

تفقه، وطلب الحديث، فسمعه من صلاح الدّين بن أبي عمر، وتخرّج بابن المحبّ، وتمهر في فنون الحديث، وسمع العالي والنّازل، وخرّج، ورتّب «المعجم الأوسط» على الأبواب، و «صحيح ابن حبان».

قال ابن حجر: استفدت منه كثيرا، وسمع معي على الشيوخ بالصّالحية وغيرها، ولم أر في دمشق من يستحق، اسم الحافظ غيره.

وتوفي في ذي القعدة أسفا على ولده أحمد ولم يكمل الخمسين، وكان اللّنكية قد أسروه وله نحو عشر سنين. انتهى.

وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله الذهبي الكفر بطناوي.

سمع بإفادة جدّه منه، ومن زينب بنت الكمال، وغيرهما.

قال ابن حجر: سمعت منه، وكان من شيوخ الرواية. قتل بالعقوبة في حادي

عشري جمادى الأولى، وقيل: بل ضرب عنقه صبرا، وكان ببلده كفر بطنا، فأخذه العسكر التمري وقتلوه.

وفيها شمس الدّين محمد بن عثمان بن عبد الله بن شكر- بضم المعجمة وسكون الكاف- البعلي ثم الدمشقي الحنبلي النبحالي- بفتح النون وسكون الموحدة بعدها مهملة سمع من ابن الخبّاز وغيره، وأجاز له الميدومي وغيره، وكان خيّرا، صالحا، ديّنا، متواضعا. أفاد وحدّث، وجمع مجاميع حسنة، منها كتاب في الجهاد، وكان خطّه حسنا ومباشرته محمودة، وجمع وألّف بعبارة جيدة.

توفي بغزّة في رمضان عن ثمان وسبعين سنة.

وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن مقلّد المقدسي الحنفي، قاضي قضاة دمشق، وليه فحسنت سيرته. وكان فقيها بارعا ذكيا، أفتى، ودرّس، وأقرأ، وتوفي بغزّة فارّا من تيمور في ربيع الأول.

وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن مكين المالكي العلّامة، مدرّس ظاهرية برقوق.

كان إماما، فقيها، بارعا، أفتى ودرّس وأشغل عدة سنين، وانتهت إليه رئاسة المالكية في زمنه، وتوفي بالقاهرة في عشري ربيع الآخر.

وفيها شرف الدّين محمد بن معين الدّين محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن محمد المخزومي الدّماميني ثم الإسكندراني الشافعي.

تفقه، واشتغل بالعربية والمعقول، وكان ديّنا، يعاني الكتابة، وباشر في أعمال

الدولة بالإسكندرية، ثم سكن القاهرة، وكان حادّ الذهن، وبرع في الفقه والأصول، وولي حسبة القاهرة مرارا ووكالة بيت المال، مع الكسوة. ثم نظر الجيش، وسعى في القضاء فلم يتمّ له، ودفع في كتابة السرّ قنطارا من الذهب وهو عشرة آلاف دينار فلم يتفق له، وقبض عليه ثم أفرج عنه، وولي قضاء الإسكندرية، فلم يلبث أن مات بها مسموما في المحرّم.

وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن عبد البرّ بن يحيى بن علي بن تمّام السّبكي الخزرجي الشافعي.

أسمع في صغره من ابن أبي اليسر، ونفيسة بنت الخبّاز، وعلى ابن العزّ عمر، وغيرهم، واشتغل بالفقه والأصول، وولي القضاء مرارا وفوض له قضاء الشام لكن عزل قبل أن يتوجّه إليه، وولي خطابة الجامع بعد ابن جماعة، ودرّس بالأتابكية بدمشق، وكان لين الجانب، قليل الحرمة في مباشرته، وكان بخيلا بالوظائف وغيرها، مع حسن خلق وفكاهة، كثير الإنصاف، وإذا وقع عليه البحث لا يغضب بخلاف والده، واستقرّ في يده تدريس الشافعي إلى أن مات في ربيع الآخر وقد جاوز السبعين.

وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الورغميّ التونسي المالكي شيخ الإسلام بالمغرب.

سمع من ابن عبد السلام الهوّاري والوادي آشي، وابن سلمة، وغيرهم.

واشتغل بالفنون.

قال ابن ظهيرة في «معجمة» إمام علّامة.

ولد بتونس سنة ست عشرة وسبعمائة، وقرأ بالروايات على ابن سلمة وغيره، وبرع في الأصول، والفروع، والعربية والمعاني، والبيان، والفرائض، والحساب، وسمع من الوادي آشي «الصحيحين».

وكان رأسا في العبادة، والزّهد، والورع، ملازما للشغل بالعلم. رحل إليه الناس، وانتفعوا به، ولم يكن بالعربية من يجري مجراه في التحقيق، ولا من اجتمع له في العلوم ما اجتمع له. وكانت الفتوى تأتي إليه من مسافة شهر، وله مؤلفات مفيدة، منها «المبسوط في المذهب» في سبعة أسفار، و «مختصر الحوفي» في الفرائض.

وقال ابن حجر: أجاز لي، وكتب لي خطه لما حجّ. وعلّق عنه بعض أصحابه كلاما في التفسير كثير الفوائد في مجلدين.

وتوفي ليلة الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ولم يخلّف بعده مثله.

وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن محمد بن عمر بن الفقيه أبي بكر بن قوام الصّالحي.

قال ابن حجر: كان ديّنا، خيّرا، به طرش كثير. سمع الكثير من الحجّار وإسحاق الآمدي وغيرهما، فقرأنا عليه شبيها بالأذان، وكنا نتحقق أنه يسمع ما نقرؤه بامتحانه تارة وبصلاته على النّبيّ- ﷺ أخرى، وبالرّضا عن الصحابة كذلك.

مات في شعبان متحرقا بدمشق وقد جاوز الثمانين انتهى.

وفيها محبّ الدّين محمد بن محمد بن محمد بن منيع الصالحي المؤقت المعروف بالورّاق.

قال في «إنباء الغمر»: سمع من ابن أبي التائب، وابن الرّضي، وغيرهما.

سمعت منه الكثير، ومات في رمضان بدمشق.

وفيها بدر الدّين محمد بن محمد بن مقلّد المقدسي ثم الدمشقي الحنفي.

ولد سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وبرع في الفقه والعربية والمعقول، ودرّس وأفتى، وناب في الحكم. ثم ولي القضاء استقلالا نحو سنة ثم عزل، ولم تحمد مباشرته، ثم سار إلى القاهرة، فسعى في العود فأعيد، فوصل إلى الرّملة فمات بها في ربيع الآخر.

وفيها محمد بن محمد البصروي ثم الدمشقي الضّرير قرأ بالروايات، واشتغل في الفقه، ومات في رجب.

وفيها محمد بن محمود بن أحمد بن رميثة بن أبي نمي الحسيني المكّي من بيت الملك، وقد ناب في إمرة مكّة، وكان خاله علي بن عجلان لا يقطع أمرا دونه، وكانت لديه فضيلة، وينظم الشعر، مع كرم وعقل.

مات في شوال وقد جاوز الأربعين.

وفيها القاضي شرف الدّين موسى بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن جمعة الأنصاري الشافعي، قاضي حلب.

ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ونشأ في حجر عمّه شهاب الدّين خطيب حلب.

قال في «المنهل»: تفقه على شمس الدّين محمد العراقي شارح «الحاوي»، وعلى الشيخ شهاب الدّين الأذرعي، وقدم القاهرة، فأخذ عن الجمال

الإسنوي، والولي الملوي، وسمع من الحافظ مغلطاي وغيره، وبدمشق من ابن المهندس، وأحمد الأيكي المعروف بابن زغلش. ثم عاد إلى حلب، وقد برع في فنون، وتولّى خطابة الجامع، ثم استقرّ قاضي قضاة حلب، وفي أيّامه قدم تيمور إلى البلاد الشّامية، وحضر مجلس تيمور، ورسم عليه ثم أفرج عنه، وكان عالما، كبيرا، مشكور السيرة وله «شرح الغاية القصوي» للبيضاوي.

وتوفي بحلب في شهر رمضان.

وفيها يوسف بن إبراهيم بن عبد الله الأذرعي نزيل حلب.

اشتغل كثيرا في الفقه وغيره بدمشق، ثم قدم حلب، فقرّر في قضاء الباب، ثم قضاء سرمين، وكان فاضلا في الفقه، مقتصرا عليه.

مات في الكائنة العظمى. قاله القاضي علاء الدّين في «تاريخ حلب».

وفيها جمال الدّين يوسف بن موسى بن محمد بن أحمد بن أبي تكين بن عبد الله الملطي ثم الحلبي الحنفي.

أصله من خرت برت، وولد سنة ست وعشرين وسبعمائة، ونشأ بملطية، واشتغل بحلب، حتّى مهر، ثم رحل إلى الديار المصرية وهو كبير، فأخذ عن علمائها، وسمع من العزّ بن جماعة، ومغلطاي، وحدّث عنه بالسيرة النبوية، وذكر أنه سمعها منه سنة ستين، واشتغل، وحصّل، وأفتى، ودرّس، وكان يستحضر

«الكشاف» والفقه على مذهبهم، فاستدعاه برقوق لما مات الشمس الدّين الطّرابلسي، فحضر من حلب سنة ثمانمائة، واستقرّ في قضاء الحنفية مدة قدرها مائة وعشرة أيام فباشر مباشرة عجيبة، فإنه قرّب الفسّاق، واستكثر من استبدال الأوقاف، وقتل مسلما بنصرانيّ، ثم لما مات الكلستاني، استقرّ بعده في تدريس الصّر غتمشية، واشتهر أنه كان يفتي بأكل الحشيش وبوجوه من الحيل في أكل الرّبا، وأنه كان يقول: من نظر في كتاب البخاري تزندق. قاله ابن حجر.

وقد أثنى ابن حجي على علمه.

وقال العيني: كان عنده بعض شح وطمع، وتغفّل، وكان قد حصّل بحلب مالا كثيرا فنهب في الفتنة، وكان ظريفا ربع القامة.

قال: وهو أحد مشايخي، قرأت عليه بحلب سنة ثمانين انتهى.

وقال القاضي علاء الدين الحلبي في «تاريخه»: لما هجم اللّنكية البلاد عقد مجلس بالقضاة والعلماء لمشاطرة الناس في أموالهم، فقال الملطي: إن كنتم تعملون بالشوكة فالأمر لكم، وأما نحن فلا نفتي بهذا، ولا يحلّ أن يعمل فوقفت الحال، وكانت من حسناته، ولما طلب إلى مصر على رأس القرن قال لي: أنا الآن ابن خمس وسبعين، ومات بالقاهرة في ربيع الآخر. انتهى.

وقال في التاريخ المذكور: مات في هذه السنة من الفقهاء الشافعية في الكائنة وبعدها:

علاء الدّين الصّرخدي.

وشرف الدّين الداديخي.

وشهاب الدّين بن الضعيف.

وشمس الدّين البابي.

وبهاء الدّين داود الكردي.

وشمس الدّين ابن الزّكي الجعبري.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.