من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربع وأربعين وتسعمائة
فيها توفي المولى أبو اللّيث الرّومي الحنفي أحد موالي الرّوم.
خدم المولى الشهير بضميري، وبه اشتهر، وصار معيدا لدرسه، ثم صار مدرّسا بمدرسة الوزير محمود باشا بالقسطنطينية، ثم بأبي أيوب، ثم بإحدى الثمان، ثم صار قاضيا بحلب.
قال ابن الحنبلي: إنه كان علائي الأصل، نسبة إلى العلائية قصبة قريب أذنة. قال: وكان له إليّ إحسان برقم بعض العروض في بعض المناصب الحلبية حتى نظمت له ما نظمت وأنا بمجلسه، وقد دفع إليّ عرضا، وكان على وفق المراد فقلت:
أتمحل أرض أو يشيب بناتهاوأنت لأرض يا أخا الغيث كالغوث
محال وما من همّة قسوريّةتفوت أخا عدم وأنت أبو اللّيث
ثم ولي قضاء دمشق ودخلها يوم الخميس تاسع شعبان سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ثم توفي بها يوم الأربعاء حادي عشر رمضان من السنة المذكورة ودفن بباب الصغير.
وفيها المولى إسحاق بن إبراهيم الإسكوبي، وقيل البروصاوي، أحد موالي الرّوم.
طلب العلم، وأخذ عن جماعة، وخدم المولى بالي الأسود، ثم صار مدرّسا بمدرسة إبراهيم باشا بأدرنة، ثم بمدرسة إسكوب إلى أن درّس بإحدى الثمان، ثم أعطي قضاء دمشق، فدخلها في ثامن ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين، ولما دخلها قال: لا يدخل عليّ أحد إلى ثلاثة أيام لأستريح، فإني شيخ كبير مسفور، ثم برز للناس، واجتمعوا به، وحكم بينهم فشكر في أحكامه، واشتهرت عفّته واستقامته.
وتوفي ليلة الاثنين خامس عشري ربيع الثاني بدمشق ودفن بباب الصغير.
وفيها- كما قال في «النّور» - توفي جدّي الشريف عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس.
ولد سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وكان من كبار الأولياء. صحب عمّه الشيخ الكبير فخر الدّين أبا بكر بن عبد الله العيدروس صاحب عدن، واختص به، وكذا صحب عمّه الشيخ حسين، وأباه الشيخ شيخ، وغيرهما من الأكابر، وأخذ عنهم، وتخرّج بهم إلى أن بلغ المرتبة التي تعقد عليها الخناصر.
وكان له جاه عظيم في قطر اليمن، وقبول كثير عند الخاص والعام، خصوصا في ثغر عدن، ولبس منه الخرقة جماعة، منهم ابن حجر المكّي.
وكان حسن الأخلاق، كثير الإنفاق، شريف النّفس والأوصاف، نقيب السادة الأشراف، وافر العقل، ظاهر الفضل، غني النّفس، قانعا بالكفاف، وضيء الوجه، أخضر اللون، طويل القامة، كثير المناقب، عظيم المواهب، ليس له في زمانه نظير، ذا كرامات ظاهرة كثيرة.
توفي ليلة الأربعاء رابع عشر شعبان بتريم ودفن بها. انتهى.
وفيها الحافظ وجيه الدّين أبو محمد عبد الرحمن بن علي الدّيبع الشيباني العبدري الزّبيدي الشافعي.
قال- ﵀ في آخر كتابه «بغية المستفيد بأخبار زبيد»: كان مولدي بمدينة زبيد المحروسة في يوم الخميس الرابع من المحرم الحرام سنة ست وستين وثمانمائة في منزل والدي منها، وغاب والدي عن مدينة زبيد في آخر السنة التي ولدت فيها ولم تره عيني قطّ، ونشأت في حجر جدّي لأمّي العلّامة الصّالح العارف بالله تعالى شرف الدّين أبي المعروف إسماعيل بن محمد بن مبارز الشافعي، وانتفعت بدعائه لي، وهو الذي ربّاني جزاه الله عنّي بالإحسان وقابله بالرّحمة والرّضوان.
وقال في «النور»: هو الإمام، الحافظ، الحجّة، المتقن، شيخ الإسلام، علّامة الأنام، الجهبذ، الإمام، مسند الدّنيا، أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين، خاتمة المحقّقين، ملحق الأواخر بالأوائل، أخذ عمّن لا يحصى، وأخذ عنه الأكابر، كالعلّامة ابن زياد، والسيد الحافظ الطّاهر بن حسين الأهدل، والشيخ أحمد بن علي المزجاجي، وغيرهم.
وأجاز لمن أدرك حياته أن يروي عنه، فقال:
أجزت لمدركي وقتي وعصريرواية ما تجوز روايتي له
من المقروء والمسموع طرّاوما ألّفت من كتب قليله
ومالي من مجاز من شيوخيمن الكتب القصيرة والطّويله
وأرجو الله يختم لي بخيرويرحمني برحمته الجزيلة
وكان ثقة، صالحا، حافظا للأخبار والآثار، متواضعا، انتهت إليه رئاسة الرحلة في علم الحديث، وقصده الطلبة من نواحي الأرض.
ومن مصنّفاته «تيسير الوصول إلى جامع الأصول» في مجلدين،
و «مصباح المشكاة» و «شرح دعاء ابن أبي حربة» و «غاية المطلوب وأعظم المنّة فيما يغفر الله به الذنوب ويوجب به الجنّة» و «بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد» وكتاب «قرة العيون في أخبار اليمن الميمون».
وله «مولد شريف نبوي» وكتاب «المعراج»، إلى غير ذلك.
ومن شعره قوله في «صحيح» البخاري ومسلم:
تنازع قوم في البخاري ومسلملديّ وقالوا: أيّ ذين يقدّم
فقلت لقد فاق البخاري صنعةكما فاق في حسن الصّياغة مسلم
ومنه فيهما:
قالوا لمسلم سبققلت البخاريّ جلّى
قالوا تكرّر فيهقلت المكرّر أحلى
ولم يزل على الإفادة، وملازمة بيته ومسجده لتدريس الحديث والعبادة، واشتغاله بخويصته عما لا يعنيه، إلى أن توفي ضحى يوم الجمعة السادس والعشرين من رجب.
وفيها المولى عبد الرحيم بن علي بن المؤيد، المشهور بحاجي جلبي الرّومي القسطنطيني الحنفي، عرف بابن المؤيد الفاضل العلّامة، أحد الموالي الأصلاء.
قال في «الشقائق»: كان أولا من طلبة العلم الشريف، وقرأ على المولى الفاضل سنان باشا، وعلى المولى خواجه زاده، وكان مقبولا عندهما، ثم سلك مسلك التصوف، واتصل بالشيخ العارف بالله محيي الدّين الإسكليبي، ونال عنده غاية متمناه، وحصل له شأن عظيم، وجلس للإرشاد في زاوية شيخه الشيخ مصلح الدّين السّيروزي، وربّي كثيرا من المريدين.
قال: وبالجملة فقد كان جامعا بين الفضيلتين العلم والعمل، وكان فضله وذكاؤه في الغاية، لا سيما في العلوم العقلية وأقسام العلوم الحكمية، وقد ظهرت له كرامات.
وقال في «الكواكب»: ذكره والده، فقال: استفدت منه واستفاد مني، وأخذت عنه وأخذ عني، واستجزته لولدي أحمد ولمن سيحدّث لي من الأولاد، ويوجد على مذهب من يرى ذلك.
ومما أخذ عني كثيرا من مؤلفاتي، وأن كتابة «خلّاق عليم» ينفع لدفع الطاعون، فإنه مجرّب كما رواه لنا الأئمة الواعون.
ومما أفادني أن الإنسان إذا قال «ربّنا» خمس مرات ودعا استجيب له، واحتج بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ من ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ إلى قوله: رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ -. قال فاستحضرت في الحال دليلا آخر ببركته، وهو قوله تعالى: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ إلى قوله: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ الآية وهي
وهي تمام الخمس ثم أعقبها بقوله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فسرّ بذلك. انتهى ويؤيد هذا ما ورد عن جعفر الصّادق: «من حزبه أمر فقال خمس مرّات:
ربّنا، أنجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا، الآيات». انتهى ملخصا وفيها عبد الواحد المغربي المالكي نزيل دمشق، الشيخ الصالح.
قرأ على ابن طولون عدة مقدمات في النحو، ثم «الألفية» وشرحها لابن المصنّف. وسمع عليه في الحديث كثيرا، وبرع في فقه المالكية، تخرّج فيه على أبي الفتح المالكي، ودرّس بالجامع الأموي حسبة، وكان يقرئ الأطفال بالكلّاسة، ثم بالأمينية.
وتوفي في البيمارستان النّوري يوم الاثنين ثاني عشري صفر.
وفيها عبد الواسع [ابن خضر] المولى الفاضل العلّامة الحنفي الديمتوقي المولد، أحد موالي الرّوم.
كان والده من الأمراء، واشتغل هو بالعلم، وقرأ على المولى شجاع الدّين الرّومي، ثم على المولى لطفي التوقاتي وغيرهما، ثم ارتحل إلى بلاد العجم،
ووصل إلى هراة، من بلاد خراسان، وقرأ هناك على العلّامة حفيد السعد التّفتازاني «حواشي شرح العضد» للسيد الشريف، ثم عاد إلى الرّوم في أواخر دولة السلطان سليم، فأنعم عليه بمدرسة علي بك بأدرنة إلى أن وصل إلى إحدى الثمان، ثم ولّاه قضاء بروسا، ثم ولّاه السلطان سليمان قضاء القسطنطينية، وبعد يومين جعله قاضيا بالعسكر الأناضولي، ثم عيّن له كل يوم مائة عثماني بطريق التقاعد، ثم صرف جميع ما في يده في وجوه الخيرات، وبنى مكتبين ومدرسة، ووقف جميع كتبه على العلماء بأدرنة، وكان عنده جارية، فأعتقها وزوّجها من رجل صالح، ثم ارتحل إلى مكة المشرّفة، وانفرد بها عن الأهل والمال والولد، واشتغل بالعبادة إلى أن توفي.
وفيها فخر الدّين أبو النّور عثمان بن شمس الآمدي ثم الدمشقي الحنفي الإمام العلّامة المفنّن الخطيب.
ولي خطابة السليمية بصالحية دمشق، ومشيخة الجقمقية بالقرب من جامع الأموي، ودرّس بالجامع المذكور، وكان ساكنا يجيد تدريس المعقولات، وله يد طولى في علم النّغمة، وله كتابة حسنة، وحوى كتبا نفيسة.
وتوفي يوم الاثنين ثاني عشري ربيع الأول وهو في حدود السبعين، ودفن في طرف تربة باب الفراديس الشمالي.
وفيها نور الدّين علي الشّوني الشافعي الصّالح المجمع على جلالته وصلاحه، أول من عمل طريقة المحيا بالصّلاة على النّبي ﷺ بمصر.
ولد بشوني- قرية بناحية طندتا من غربية مصر- ونشأ في الصلاة على النّبي ﷺ وهو صغير ببلده، ثم انتقل إلى مقام سيدي أحمد البدوي، فأقام فيه مجلس الصلاة على النّبي ﷺ ليلة الجمعة ويومها، فكان يجلس في جماعة من
العشاء إلى الصبح، ثم من صلاة الصبح إلى أن يخرج إلى صلاة الجمعة، ثم من صلاة الجمعة إلى العصر، ثم من صلاة العصر إلى المغرب، فأقام على ذلك عشرين سنة، ثم خرج يودّع رجلا من أصحابه في المركب أيام النيل كان مسافرا إلى مصر، ففات المركب بهم، وما رضي الريس يرجع بالشيخ، فدخل مصر فأقام بالتربة البرقوقية بالصحراء، وكان يتردد إلى الأزهر للصلاة على النّبي ﷺ، فاجتمع عليه خلق كثير، منهم الشيخ عبد الوهاب الشعراوي لازمه نحو خمس سنين، ثم أذن له أن يقيم الصلاة في جامع الغمري ففعل، وكان الشيخ عبد القادر بن سوار يتردد إلى مصر في التجارة والطلب، فلازم الشّوني، ورجع إلى دمشق بهذه الطريقة، ثم اصطلح على تسمية هذه الطريقة بالمحيا، وانتشرت طريقة الشّوني ببركته في الآفاق.
وتوفي بالقاهرة ودفن بزاوية مريده الشيخ عبد الوهاب الشعراوي.
وفيها مبارك بن عبد الله الحبشي الدمشقي القابوني الشيخ الصّالح المربي.
قال ابن المبرد في «رياضه»: الشيخ مبارك ظهر في سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وصار له مريدون، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر من إراقة الخمور وغيرها، بعد ما أبطل ذلك، وقام على الأتراك، وقاموا عليه.
وقال ابن طولون: قرأ الشيخ مبارك في «غاية الاختصار» على التّقي بن قاضي عجلون، وبنى له زاوية بالقرب من القابون التحتاني، وأقام هو وجماعته بها، وكان يتردّد إليه شيخ الإسلام المذكور، وكان هو وجماعته يترصّدون الطريق على نقلة الخمر فيقطون ظروفها ويريقونها، فبلغ الحكّام ذلك، فقبض النائب على بعض جماعة الشيخ وحبسهم في سجن باب البريد، فنزل الشيخ مبارك ليشفع فيهم فحبس معهم، فأرسل ابن قاضي عجلون يشفع فيه فأطلق، ثم هجم بقية جماعة الشيخ مبارك على السجن وكسروا بابه وأخرجوا من فيه من رفاقهم، فبلغ النائب فأرسل جماعة من مماليكه فقتلوا منهم نحو سبعين نفسا عند باب البريد، وقرب الجامع الأموي، ثم ترك الشيخ مبارك ذلك ولازم حضور الزوايا كزاوية
الشيخ أبي بكر بن داود بالسفح ووقت سيدي سعد بن عبادة بالمنيحة، وكان شديد السواد، عظيم الخلقة، له همّة عظيمة، وقوة بأس، وشدة، وله معرفة تامة بالنغمة، والصيد، والسباحة، يغوص في تيار الماء ويخرج وبين أصابع يديه ورجليه السمك، وحجّ ومعه جماعة من أصحابه، فلما دخلوا مكّة فرغت نفقتهم، فقال لبعض أصحابه: خذ بيدي إلى السوق واقبض ثمني واصرفه على بقية الجماعة، ففعل ذلك، واشتراه بعض تجار العجم، ثم أعتقه.
قال ابن طولون: والشيخ مبارك هو الذي أحدث اللهجة في الذكر. قال:
وحقيقتها أنهم يذكرون إلى أن يقتصروا من الجلالة على الهمزة والهاء، لكنهم يبدّلون الهاء حاء مهملة، فيقولون اح اح.
وتوفي يوم الخميس مستهل ربيع الأول ودفن بتربة القابون التحتاني.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد القادر بن أبي بكر بن الشّحّام العمري الحلبي الموقت الفقيه.
سمع الحديث المسلسل بالأولية على المحدّث عبد العزيز بن فهد المكّي، وكان ديّنا، خيّرا، رئيسا بجامع حلب.
قال ابن الحنبلي: قرأت عليه في الميقات.
سافر إلى دمشق فمرض بها، وتوفي بيمارستانها.
وفيها شمس الدّين محمد الظني الشافعي العالم المعتقد.
كان يؤدّب الأطفال، وفي آخر عمره استمرّ مؤدّبا لهم بالقيمرية الجوانية، وأعطي مشيخة القرّاء بالشامية البرّانية وباشرها أشهرا، ثم مات عنها يوم الخميس رابع المحرم.
وفي حدودها الشيخ تقي الدّين أبو بكر الأبياري المصري الصوفي.
كان فقيها، زاهدا، عابدا، يعرف الفقه، والأصول، والحديث، والقراآت، والنحو، والهيئة.
وكان يقرئ الأطفال احتسابا، ولم يتناول على التعليم شيئا، وما قرأ عليه أحد إلّا انتفع.
وكان موردا للفقراء ببلده أبيار، لا ينقطع عنه الضيف، ومع ذلك لا راتب له ولا معلوم، بل ينفق من حيث لا يحتسب.
وأخذ الطريق عن الشيخ محمد الشناوي، وأذن له في تربية المريدين فلم يفعل احتقارا لنفسه، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع