من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)
ذكر الحث على لزوم الصمت وحفظ اللسان
أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شعيب البلحي بِبَغْدَادَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليوم والآخر فيلقل خيرا أو ليسكت
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل إذا ذكر المطيتين اللتين ذكرتهما قبل إصلاح السريرة ولزوم العلم أن يبلغ مجهوده حينئذ في حفظ اللسان حتى يستقيم له إذ اللسان هو المورد للمرء موارد العطب والصمت يكسب المحبة والوقار ومن حفظ لسانه أراح نفسه والرجوع من الصمت أحسن من الرجوع عَن الكلام والصمت منام العقل والمنطق يقظته
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حدثنا عماد بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ إِنَّ مِنَ الْحِكَمِ الصَّمْتَ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ وأنشدني الكريزي
أقلل كلامك واستعذ من شرهإن البلاء ببعضه مقرون
واحفظ لسانك واحتفظ من غيهحتى يكون كأنه مسجون
وكل فؤادك باللسان وقل لهإن الكلام عليكما موزون
فزناه وليك محكما ذا قلةإن البلاغة في القليل تكون
أَخْبَرَنَا ابْنُ قُتَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ قَالَ
سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِفَضْلِهِ إِلا الْكَلامَ فَإِنَّ فَضْلَهُ يَضُرُّ
أَخْبَرَنَا الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن سعيد ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لا خَيْرَ فِي الْحَيَاةِ إِلا لأَحَدِ رَجُلَيْنِ مُنْصِتٌ وَاعٍ أَوْ مُتَكَلِّمٌ عَالِمٌ
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن لا يغالب الناس على كلامهم ولا يعترض عليهم فيه لأن الكلام وإن كان في وقته حظوة جليلة فإن الصمت في وقته مرتبة عالية ومن جهل بالصمت عي بالمنطق والإنسان إما هو صورة ممثلة أو صالة مهملة لولا اللسان والله جل وعز رفع جارحة اللسان على سائر الجوارح فليس منها شيء أعظم أجرا منه إذا أطاع ولا أعظم ذنبا منه إذا جنى
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي
لئن كان يجني اللوم مَا أنت قائلولم يك منه النفع فالصمت أيسر
فلا تبد قولا من لسانك لم يرضمواقعه من قبل ذاك التفكر
أخبرنا ابن قتيبة حَدَّثَنَا هرون بن محمد البكار قَالَ سمعت أبا مسهر ينشد هذا البيت
قد أرى كثرة الكلام قبيحاكل قول يشنه الإكثار
أخبرنا مُحَمَّد بْن سَعِيد القزاز حدثني مُحَمَّد بْن داود بْن سليمان الرملي حَدَّثَنَا المسيب بْن واضح قَالَ سمعت ابن المبارك يقول
تعاهد لسانك إن اللسانسريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤاديدل الرجال على عقله
أخبرنا مُحَمَّد بْن سليمان بْن فارس حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن علي الشقيقي أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيم بْن الأشعث قَالَ سمعت الفضيل بْن عياض يقول شيئان يقسيان القلب كثرة الكلام وكثرة الأكل
أخبرنا أَبُو يعلى حَدَّثَنَا عمرو بْن مُحَمَّد الناقد قَالَ سمعت يَحْيَى بْن اليمان يقول قال سُفْيَان الثوري أول العبادة الصمت ثم طلب العلم ثم العمل به ثم حفظه ثم نشره
حدثنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا العتبي عَن علي بْن جرير عَن أبيه قَالَ قَالَ الأحنف بْن قيس الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول وهيبة لصاحبه
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن يلزم الصمت إلى أن يلزمه التكلم فما أكثر من ندم إذا نطق وأقل من يندم إذا سكت وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاء مطبق
واللسان فيه عشر خصال يجب على العاقل أن يعرفها ويضع كل خصلة منها في موضعها هو أداة يظهر بها البيان وشاهد يخبر عَن الضمير وناطق يرد به الجواب وحاكم يفصل به الخطاب وشافع تدرك به الحاجات وواصف تعرف به الأشياء وحاصد تذهب الضغينة ونازع يجذب المودة ومسل يذكي القلوب ومعز ترد به الأحزان
ولقد أحسن الذي يقول
إن كان يعجبك السكوت فإنهقد كان يعجب قلبك الأخيارا
ولئن ندمت على سكوت مرةفلقد ندمت على الكلام مرارا
إن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عداوة وضرارا
وَإِذا تَقَرَّبَ خاسِرٌ مِن خاسِرٍزادا بِذاكَ خَسارَةً وَتَبارا
أخبرنا مُحَمَّد بْن المنذر بْن سَعِيد حَدَّثَنَا كثير بْن عَبْد اللَّه التيمي حَدَّثَنَا العلاء ابن سَعِيد الكندي حدثني أَبُو حية قَالَ كنت أماشي إِسْمَاعِيل بْن سهل وكان أحد الحكماء فقال لي ألا أخبرك ببيت شعر خير لك من عشرة آلاف درهم قال نعم قَالَ أيما أحب إليك نفسك أو عشرة آلاف درهم قَالَ قلت نفسي فأنشىء يقول
أخفض الصوت إن نطقت بليلوالتفت بالنهار قبل المقال
قال أَبُو حاتم الواجب على العاقل أن يكون ناطقا كعيي وعالما كجاهل وساكتا كناطق لأن الكلام لا بد له من الجواب والجواب لو جعل له جواب لم يكن للقول نهاية وخرج المرء إلى ما ليس له غاية والمتكلم لا يسلم من أن ينسب إليه الصلف والتكلف والصامت لا يليق به إلا الوقار وحسن الصمت ولقد أحسن الذي يقول
حتف امرىء لسانهفي جده أو لعبه
بين اللها مقتلهركب في مركبه
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عائشة حدثنا دريد ابن مُجَاشِعٍ عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَا أَحْنَفُ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وأنشدني الأبرش
ما ذل ذو صمت وما من مكثرإلا يزل وما يعاب صموت
إن كان منطق ناطق من فضةفالصمت در زانه الياقوت
أنبأنا ابن قتيبة حَدَّثَنَا المسيب بْن واضح قَالَ سمعت علي بْن بكار يقول جعل اللَّه لكل شيء بابين وجعل للسان أربعة الشفتين مصراعين والأسنان مصراعين
أَنْبَأَنَا بَكْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الطَّاحِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيًّ الْجَهْضَمِيُّ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ أَنَّ شَابًّا كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَيُحْسِنُ الِاسْتِمَاعَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَفَطِنَ لَهُ عُمَرُ فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ تَحْضُرُ مَجْلِسَنَا وُتُحْسِنُ الِاسْتِمَاعَ ثُمَّ تَنْصَرِفُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فقال الشَّابُّ إِنِّي أَحْضُرُ فَأَتَوَقَّى وَأَتَنَقَّى وَأَصْمُتُ فَأَسْلَمُ
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن ينصف أذنيه من فيه ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد ليسمع أكثر مما يقول لأنه إذا قَالَ ربما ندم وإن لم يقل لم يندم وهو على رد مَا لم يقل أقدر منه على رد مَا قَالَ والكلمة إذا تكلم بها ملكته وإن لم يتكلم بها ملكها والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رفعت ربما ضرته وإن لم ترفع لم تضره كيف لا يصمت ورب كلمة سلبت نعمة
أخبرنا أَحْمَد بْن قريش بْن عَبْد العزيز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن علي الذهلي قَالَ أنشدني رجل من ربيعة
لعمرك مَا شيء علمت مكانهأحق بسجن من لسان مذلل
على فيك مما ليس يعنيك شأنهبقفل وثيق مَا استطعت فأقفل
فرب كلام قد جرى من ممازحفساق إليه سهم حتف معجل
وَلَلصَّمتِ خير مِن كَلام بِمَأثَمفَكُن صامِتاً تَسلَم وَإِن قُلتَ فَاِعدل
أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بُرْدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ ابن مُوسَى قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ كفى بك ظالما أن لا تَزَالَ مُخَاصِمًا وَكَفَى بِكَ
آثما أن لا تَزَالَ مُمَارِيًا وَكَفَى بِكَ كَاذِبًا أن لا تَزَالَ مُحَدِّثًا إِلَّا حَدِيثًا فِي ذَاتِ اللَّهِ تبارك وتعالى
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا مَعْرُوفُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنَانِيُّ حَدَّثَنَا كثير ابن هِشَامٍ عَنْ عِيسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ الْعَافِيَةُ عَشْرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي السُّكُوتِ
أخبرنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا أحمد بن إبراهيم الدوريقي حَدَّثَنَا يَحْيَى القطان عَن شعبة قَالَ من الناس من عقله بفنائه ومنهم من عقله معه ومنهم من لا عقل له فأما الذي عقله معه فالذي يبصر مَا يخرج منه قبل أن يتكلم وأما الذي عقله بفنائه فالذي يبصر مَا يخرج بعد أن يتكلم ومنهم من لا عقل له فحدثت به عَبْد الرحمن بْن مهدي بعد مَا رجعنا من عند يَحْيَى فقال هذه صفتنا يعني الذي عقله بفنائه واستحسن الكلام وقال لا ينبغي أن يكون هذا من كلام شعبة لعله سمعه من غيره وأنشدني البغدادي محمد بن عبد الله بْن زنجي
أنت من الصمت آمن الزللومن كثير الكلام في وجل
لا تقل القول ثم تتبعهياليت مَا كنت قلت لم أقل
سمعت مُحَمَّد بْن المسيب يقول سمعت العباس بْن الوليد بْن زيد يقول سمعت أَبِي يقول سمعت الأوزاعي يقول مَا بلي أحد في دينه ببلاء أضر عَلَيْهِ من طلاقة لسانه
سمعت مُحَمَّد بْن محمود النسائي يقول سمعت أبا أَحْمَد بْن أَبِي قديد يقول سمعت العباس بْن عَبْد العظيم يقول سمعت عارما يقول سمعت خالد بْن الحارث يقول السكوت زين للعاقل وشين للجاهل
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لو لم يكن في الصمت خصلة تحمد إلا تزين
العاقل وتشين الجاهل به لكان الواجب على المرء أن لا يفارقه الصمت مَا وجد إليه سبيلا ومن أحب السلامة من الآثام فليقل مَا يقبل منه وليقل مما يقبل منه لأنه لا يجتريء على الكلام الكثير إلا فائق أو مائق
وقد ترك جماعة من أهل العلم حيث أقوام أكثروا الكلام فيما لا يليق بهم من ذلك ما حَدَّثَنَا أمية بْن خالد عَن سعيد قال قلت للحكم مالك لا تكتب عَن زاذان قَالَ كان كثير الكلام
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لسان العاقل يكون وراء قلبه فإذا أراد القول رجع إلى القلب فإن كان له قَالَ وإلا فلا والجاهل قلبه في طرف لسانه مَا أتى على لسانه تكلم به وما عقل دينه من لم يحفظ لسانه واللسان إذا صلح تبين ذلك على الأعضاء وإذا فسد فكذلك
أخبرنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه بْن الجنيد حَدَّثَنَا عَبْد الوارث بْن عُبَيْد اللَّه عَن عَبْد اللَّه أَنْبَأَنَا سُفْيَان عَن رجل قَالَ أني لأكذب الكذبة فأعرفها في عملي
أنبأنا أَبُو عوانه يعقوب بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا الفضل بْن عَبْد الجبار حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الطالقاني عَن الوليد بْن مسلم قَالَ قَالَ الأوزاعي عَن يَحْيَى بْن أَبِي كثير أنه قَالَ مَا صلح منطق رجل إلا عرف ذلك في سائر عمله
قال أبوحاتم رضي الله عنه والعاقل لا يبتديء الكلام إلا أن يسأل ولا يقول إلا لمن يقبل ولا يجيب إذا شوتم ولا يجازي إذا أسمع لأن الابتداء بالصمت وإن كان حسنا فإن السكوت عند القبيح أحسن منه
وأنشدني المنتصر بْن بلال بْن المنتصر الأنصاري
الصمت عند القبيح يسمعهصاحب صدق لكل مصطحب
فآثر الصمت مَا استطعت فقديؤثر قول الحكيم في الكتب
لو كان بعض الكلام من ورقلكان جل السكوت من ذهب
أَخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بن فصاله عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ الْهُجَيْمِيِّ عن أسير ابن جَابِرٍ قَالَ مَا رَضَّعْتُ عَنْزًا قَطُّ وَلَوْ قُلْتُ لا أُرَضِّعُهَا خِفْتُ أَنْ يَصِيرَ بِي الْبَلاءُ إِلَى أَنْ أُرَضِّعَهَا إِنَّ الْبَلَاءَ موكل بالقول
أنشدني الكريزي
استر العي مَا استطعت بصمتإن في الصمت راحة للصموت
واجعل الصمت إن عييت جوابارب قول جوابه في السكوت
وأنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ حدثنا عبد الرحمن ابن مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا شَيْءٌ أَحَقُّ بِطُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه العاقل يحفظ أحواله من ورود الخلل عليها في الأوقات وإن من أعظم الخلل المفسد لصحة السرائر والمذهب لصلاح الضمائر الإكثار من الكلام وإن أبيح له كثرة النطق ولا سبيل للمرء إلى رعاية الصمت إلا بترك مَا أبيح له من النطق
كما أَنْبَأَنَا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا حبان بْن موسى حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه عَن سُفْيَان عَن نسير بْن دعلوق عَن إِبْرَاهِيم التيمي أخبرني من صحب الربيع بْن خيثم عشرين عاما فلم يسمع منه كلمة تعاب
أنبأنا الجنيدي عَبْد الوارث بْن عُبَيْد اللَّه عَن عَبْد اللَّه أَنْبَأَنَا سُفْيَان
عَن أَبِي طعمة عَن رجل من الحي قَالَ أتيت الربيع بْن خيثم بنعي الحسين وقالوا اليوم يتكلم مقاله فتأوه ومد بها صوته ثم قَالَ اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك بالحق فيما كانوا فيه يختلفون
أنبأنا عمرو بْن مُحَمَّد الأنصاري حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمرو بْن حبيب حَدَّثَنَا الأصمعي قال بينما أنا أطوف بالبادية إذا أنا بأعرابية تمشي وحدها على بعير لها فقلت يا أمة الجبار من تطلبين فقالت من يهد اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له قَالَ فعلمت أنها قد أضلت أصحابها فقلت لها كأنك قد أضللت أصحابك قالت ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتينا حكما وعلما﴾ فقلت لها يا هذه من أين أنت قالت ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي باركنا حوله﴾ فعلمت أنها مقدسية فقلت لها كيف لا تتكلمين فقالت ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رقيب عتيد﴾ فقال بعض أصحابي ينبغي أن تكون هذه من الخوارج فقالت ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مسؤولا﴾ فبينما نحن نماشيها إذ رفعت لنا قباب وخيم فقالت وَعَلامَاتٍ ﴿وَبِالنَّجْمِ هم يهتدون﴾ قَالَ فلم أفطن لقولها فقلت ما تقولين فقالت وَعَلامَاتٍ ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قَالَ فلم أفطن لقولها فقلت مَا تقولين فقالت ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يا بشرى هذا غلام﴾ قلت بمن أصوت وبمن أدعو فقالت ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ﴿يا زكريا إنا نبشرك﴾ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً في الأرض﴾ قَالَ فإذا نحن بثلاثة أخوة كاللآلىء فقالوا أمنا ورب الكعبة أضللناها منذ ثلاث فقالت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لغفور شكور﴾ فأومأت إلى أحدهم فقالت ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ برزق منه﴾ فقلت إنها أمرتهم أن يرودونا فجاؤا بخبز وكعك
فقلت لا حاجة لنا في ذلك فقلت للفتية من هذه منكم قالوا هذه أمنا مَا تكلمت منذ أربعين سنة إلا من كتاب الله مخافة الكذب فدنوت منها فقلت يا أمة الله أوصني فقالت ﴿لا أسألكم عَلَيْهِ أجرا إلا المودة في القربى﴾ فعلمت أنها شيعية فانصرفت
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه قد ذكرت مَا شاكل هذه الحكايات في كتاب حفظ اللسان فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب
فالواجب على العاقل أن يروض نفسه على ترك مَا أبيح له من النطق لئلا يقع في المزجورات فيكون حتفه فيما يخرج منه لأن الكلام إذا كثر منه أورث صاحبه التلذذ بضد الطاعات فإذا لم يوفق العبد لاستعمال اللسان فيما يجدي عَلَيْهِ نفعه في الآخرة كان وجود الإمساك عَن السوء أولى به وأنشدني
المنتصر بْن بلال الأنصاري
ولن يهلك الإنسان إلا إذا أتىمن الأمر مَا لم يرضه نصحاؤه
وأقلل إذا مَا قلت قولا فإنهإذا قل قول المرء قل خطاؤه
أنبأنا مُحَمَّد بْن الحسين بْن الخليل حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي زياد القطواني حَدَّثَنَا سيار حَدَّثَنَا جعفر بْن سليمان حَدَّثَنَا المعلى بْن زياد قَالَ قَالَ مؤرق العجلي أمر أنا في طلبه منذ عشر سنين ولست بتارك طلبه قال وما هو يا أبا المعتمر قَالَ الصمت عما لا يعنيني
أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن نصر العنبري حَدَّثَنَا علي بْن الأزهر الرازي حدثنا إبراهيم
ابن رستم قَالَ سمعت خارجة يقول صحبت عَبْد اللَّه بْن عون خمس عشرة سنة فما أظن الملائكة كتبت عليه شيئا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع