من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب ما جرى منه على الأمر والتحذير
وذلك قولك إذا كنتَ تحذر: إياك. كأنك قلت: إياك بح، وإيّاك باعِدْ، وإيّاك اتّقِ، وما أشبه ذا. ومن ذلك أن تقول: نفسَك يا فلانُ، أى اتّقِ نفسَك، إلاَّ أنّ هذا لا يجوز فيه إظهارُ ما أضمرتَ، ولكن ذكرتُه لأمثل لك ما لا يُظهَر إضمارُه.
ومن ذلك أيضاً قولك: إيّاك والأسدَ، وإيّاىَ والشَّر، كأَنّه قال:
إيّاك فأتّقِيَنَّ والأسدَ، وكأَنه قال: إيّاىَ لأَتّقِيَنَّ والشَّر. فإِيَّاك مُتَّقىً والأسدُ والشرُ مُتَّقَيانِ، فكلاهما مفعول ومفعول منه.
ومثله: إيّاىَ وأَن يَحذف أحدُكم الأرنَبَ. ومثله: إياك، وإياه، وإيّاىَ، وإيّاه، كأَنه قال: إيّاك باعِدْ، وإيّاه، أو نَحَّ.
وزعم أنَّ بعضهم يقال له: إيّاك، فيقولُ: إيّاىَ، كأَنه قال: إيّاى أَحْفَظُ وأَحْذَرُ.
وحذفوا الفعلَ من إيّاك لكثرة استعمالهم إيّاه فى الكلام، فصار بدلاً من الفعل، وحذفوا كحذفهم: حينئذٍ الآن، فكأَنّه قال: احذرِ الأسدَ، ولكن لا بدّ من الواو لأنَّه اسمٌ مضموم إلى آخَرَ.
ومن ذلك: رأسَه والحائطَ، كأَنّه قال: خَلَّ أو دَعْ رأسَه والحائط، فالرأس مفعول والحائط مفهول معه، فانتصبا جميعاً.
ومن ذلك قولهم: شأنك والحج، كأنه قال: عليك شأنَك مع الحجّ. ومن ذلك: امْرَأَ ونفسَه، كأَنّه قال: دَعَ امرَأً مع نفسه، فصارت الواو في معنى مع كما صارتْ فى معنى مَعَ فى قولهم: ما صنعتَ وأخاك. وإنْ شئت
لم يكن فيه ذلك المعنى، فهو عربىٌّ جيّد، كأَنه قال: عليك رأٍَسك وعليك الحائطَ، وكأنه قال: دَعِ امرأ ودع نفسَه؛ فليس يَنْقُضُ هذا ما أردتَ فى معنى مَعَ من الحديث.
ومثل ذلك: أَهْلَكَ والليلَ، كأَنّه قال: بادِرْ أهلَك قبل الليل، وإنَّما المعنى أن يحذَّره أن يُدرِكه الليلُ. والليلُ محذَّرٌ منه، كما كان الأسدُ محتفَظا منه.
ومن ذلك قولهم: مازِ رأسَك والسيفَ، كما تقول: رأسَك والحائطَ وهو يحذَّره، كأَنّه قال: اتقِ رأسَك والحائطَ.
وإنّما حذفوا الفعلَ فى هذه الأشياءِ حين ثَنَّوْا لكثرتها فى كلامهم، واستغناءً بما يرون من الحال، ولما جرى من الذكر، وصار المفعولُ الأوّلُ بدلاً من اللفظ بالفعل، حين صار عندهم مثلَ: إيّاك ولم يكن مثلَ: إيَّاك لو أَفردتَه، لأنه لم يَكثْر فى كلامهم كَثْرَةَ إيّاك، فشُبَّهتْ بإِيّاك حيث طال الكلامُ وكان كثيرا فى الكلام.
فلو قلت: نفسَك، أو رأسَك، أو الجِدارَ، كان إظهارُ الفعل جائزاً نحو قولك: اتّقِ رأسَك، واحفظْ نفسك، واتّقِ الجدارَ. فلمّا ثنّيتَ صار بمنزلة إيّاك، وإيّاك بدلٌ من اللفظ بالفعل، كما كانت المصادرُ كذلك، نحوَ: الحَذَرَ الحَذَرَ.
ومما جُعل بدلاً من اللفظ بالفعل قولهم: الحَذَرَ الحَذَرَ، والنَّجاءَ النَّجاءَ، وضَرْباً ضَرْباً. فإِنَّما انتَصب هذا على الْزَمِ الحَذَرَ، وعليك النجاءَ،
ولكنّهم حذفوا لأنَّه صار بمنزلة افْعَل. ودخولُ الزم وعليك على افعَلْ مُحالٌ.
ومن ثمّ قالوا، وهو لعمرو بن مَعْد يِكَرِبَ:
أُرِيدُ حِبَاءَه ويرُيدُ قَتلىعَذِيرَك من خَليِلك من مُرادِ
وقال الكُمَيت:
نَعاءٍ جُذاماً غيرَ موتٍ ولا قَتْلِولكن فِراقاً للدَّعائم والأصلِ
وقال ذو الإِصبعَ العَدْوانىّ:
عَذيرَ الحىَّ من عدوان كانوا حيّةَ الأرضِ
فلم يجز إظهارُ الفعل وقَبُحَ، كما كان ذلك مُحالا.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع