تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

باب تسمية المذكر بلفظ الاثنين والجميع الذي تلحق له الواحد واواً ونوناً

فإذا سميَّت رجلاً برجلين فإن أقيسه وأجوده أن تقول: هذا رجلان ورأيت رجلين، ومررت برجلين، كما تقول: هذا مسلمون ورأيت مسلمين. ومررت بمسلمين. فهذه الياء والواو بمنزلة الياء والألف. ومثل ذلك قول العرب: هذه قنَّسرون وهذه فلسطون. ومن النحويين من يقول: هذا رجلان كما ترى، يجعله بمنزلة عثمان.

وقال الخليل: من قال هذا قال: مسلمينٌ كما ترى، جعله بمنزلة قولهم: سنينٌ كما ترى، وبمنزلة قول بعض العرب: فلسطينٌ وقنَّسرينٌ كما ترى. فإن قلت: هل تقول: هذا رجلينٌ، تدع الياء كما تركتها في مسلمين؟ فإنه إنما منعهم من ذلك أن هذه لا تشبه شيئاً من الأسماء في كلامهم، ومسلمينٌ مصروف كما كنت صارفاً سنياً.

وقال في رجل اسمه مسلماتٌ أو ضرباتٌ: هذا ضرباتٌ كما ترى ومسلماتٌ كما ترى. وكذلك المرأة لو سميتها بهذا انصرفت. وذلك أن هذه التاء لما صارت في النصب والجر جراً أشبهت عندهم الياء التي في مسلمين، والياء التي في رجلين، وصار التنوين بمنزلة النون. ألا ترى إلى عرفاتٍ مصروفةً في كتاب الله عز وجل وهي معرفةٌ. الدَّليل على ذلك قول العرب: هذه عرفاتٌ مباركاً فيها. ويدلك أيضاً على معرفتها أنك لا تدخل فيها ألفاً ولاما، وإنما عرفاتٌ بمنزلة أبانين، وبمنزلة جمع. ومثل ذلك أذرعاتٌ، سمعنا أكثر العرب يقولون في بيت امرئ القيس:

تنورَّتها مِن أذرعاتٍ، وأهُلهابيَثْرِبَ، أَدْنَى دارِها نظرٌ عالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

ولو كانت عرفات نكرةً لكانت إذاً عرفات في غير موضع.

ومن العرب من لا ينون أذرعات ويقول: هذه قريشيات كما ترى، شبهوها بهاء التأنيث، لأن الهاء تجئ للتأنبث ولا تلحق بنات الثلاثة بالأربعة، ولا الأربعة بالخمسة.

فإن قلت: كيف تشبهها بالهاء وبين التاء وبين الحرف المتحرك ألف؟ فإن الحرف الساكن ليس عندهم بحاجز حصين، فصارت التاء كأنِّها ليس بينها وبين الحرف المتحرك شيء. ألا ترى أنِّك تقول: اقتل فتتبع الألف التاء، كأنها ليس بينها شيء وسترى أشباه ذلك إن شاء الله مما يشبَّه بالشيء وليس مثله في كل شيء. ومنه ما قد مضى هذا باب الأسماء الأعجمية اعلم أن كلَّ اسم أعجمي أعرب وتمكن في الكلام فدخلته الألف واللام وصار نكرة، فإنك إذا سميت به رجلاً صرفته، إَّلا أن يمنعه من الصرف ما يمنع العربي. وذلك نحو: اللجام، والديباج، واليرندج، والنَّيروز، والفرند، والزَّنجبيل، والأرندج، والياسمين فيمن قال: ياسمينٌ كما ترى، والسهريز، والآجر فإن قلت: أدع صرف الآجر، لأنه لا يشبه شيئاً من كلام العرب، فإنه

قد أعرب وتمكن في الكلام، وليس بمنزلة شيء ترك صرفه من كلام العرب؛ لأنَّه لا يشبه الفعل وليس في آخره زيادة، وليس من نحو عمر، وليس بمؤنث، وإنمَّا هو بمنزلة عربيٍّ ليس له ثلنٍ في كلام العرب، نحو إبل، وكدت تكاد، وأشباه ذلك وأما إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب، وهرمز، وفيروز، وقارون، وفرعون، وأشباه هذه الأسماء فإنَّها لم تقع في كلامهم إلا معرفة على حد ما كانت في كلام العجم ولم تمكن في كلامهم كما تمكن الأول، ولكنها وقعت معرفة، ولم تكن من أسمائهم العربيَّة فاستنكروها ولم يجعلوها بمنزلة أسمائهم العربية: كنهشلٍ وشعثمٍ، ولم يكن شيء منها قبل ذلك اسماً يكون لكل شيء من أمةٍ. فلما لم يكن فيها شيء من ذلك استنكروها في كلامهم.

وإذا حقرت اسماً من هذه الأسماء فهو على عجمته كما أن العناق إذا حقرتها اسم رجل كانت على تأنيثها.

وأما صالحٌ، فعربي، وكذلك شعيبٌ.

وأما نوحٌ، وهودٌ، ولوطٌ فتنصرف على كل حال، لخفتها.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.