من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
السرير
وأمّا السّرير والمنبر والتّخت والكرسيّ فهي أعواد منصوبة أو أرائك منضّدة لجلوس السّلطان عليها مرتفعا عن أهل مجلسه أن يساويهم في الصّعيد ولم يزل ذلك من سنن الملوك قبل الإسلام وفي دول العجم وقد كانوا يجلسون على أسرّة الذّهب وكان لسليمان بن داود صلوات الله عليهما وسلامه كرسيّ وسرير من عاج مغشّى بالذّهب إلّا أنّه لا تأخذ به الدّول إلّا بعد الاستفحال والتّرف شأن الأبّهة كلّها كما قلناه وأمّا في أوّل الدّولة عند البداوة فلا يتشوّقون إليه. وأوّل من اتّخذه في الإسلام معاوية واستأذن النّاس فيه وقال لهم إني قد بدنت فأذنوا له فاتّخذه واتّبعه الملوك الإسلاميّون فيه وصار من منازع الأبّهة ولقد كان عمرو بن العاصي بمصر يجلس في قصره على الأرض مع العرب ويأتيه المقوقس إلى قصره ومعه سرير من الذّهب محمولا على الأيدي لجلوسه شأن الملوك فيجلس عليه وهو أمامه ولا يغيرون عليه وفاء له بما عقد معهم من الذّمّة واطّراحا لأبّهة الملك. ثمّ كان بعد ذلك لبني العبّاس والعبيديّين وسائر ملوك الإسلام شرقا وغربا من الأسرّة والمنابر والتّخوت ما عفا عن الأكاسرة والقياصرة والله مقلّب اللّيل والنّهار.
النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع