تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

الفصل الثاني في أن الملك يدعو إلى نزول الأمصار

وذلك أن القبائل والعصائب إذا حصل لهم الملك اضطرّوا للاستيلاء على الأمصار لأمرين أحدهما ما يدعو إليه الملك من الدّعة والرّاحة وحطّ الأثقال واستكمال ما كان ناقصا من أمور العمران في البدو والثّاني دفع ما يتوقّع على الملك من أمر المنازعين والمشاغبين لأنّ المصر الّذي يكون في نواحيهم ربّما يكون ملجأ لمن يروم منازعتهم والخروج عليهم وانتزاع ذلك الملك الّذي سموا إليه من أيديهم فيعتصم بذلك المصر ويغالبهم ومغالبة المصر على نهاية من الصّعوبة والمشقّة والمصر يقوم مقام العساكر المتعدّدة لما فيه من الامتناع ونكاية الحرب من وراء الجدران من غير حاجة إلى كثير عدد ولا عظيم شوكة لأنّ الشّوكة والعصابة إنّما احتيج إليهما في الحرب للثّبات لما يقع من بعد كرّة القوم بعضهم على بعض عند الجولة وثبات هؤلاء بالجدران فلا يضطرّون إلى كبير عصابة ولا عدد فيكون حال هذا الحصن ومن يعتصم به من المنازعين ممّا يفتّ في عضد الأمّة الّتي تروم الاستيلاء ويخضد شوكة استيلائها فإذا كانت بين

أجنابهم أمصار انتظموها في استيلائهم للأمن من مثل هذا الانخرام وإن لم يكن هناك مصر استحدثوه ضرورة لتكميل عمرانهم أوّلا وحطّ أثقالهم وليكون شجا في حلق من يروم العزّة والامتناع عليهم من طوائفهم وعصائبهم فتعيّن أنّ الملك يدعو إلى نزول الأمصار والاستيلاء عليها والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التّوفيق لا ربّ سواه.

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الرابع من الكتاب الأول في البلدان والأمصار وسائر العمران وما يعرض في ذلك من الأحوال وفيه سوابق ولواحق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.