تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

علم الأدب

هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها. وإنّما المقصود منه عند أهل اللّسان ثمرته، وهي الإجادة في فنّي المنظوم والمنثور، على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة، من شعر عالي الطّبقة، وسجع متساو في الإجادة، ومسائل من اللّغة والنّحو مبثوثة أثناء ذلك، متفرّقة، يستقري منها النّاظر في الغالب معظم قوانين العربيّة، مع ذكر بعض من أيّام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها. وكذلك ذكر المهمّ من الأنساب الشّهيرة والأخبار العامّة. والمقصود بذلك كلّه أن لا يخفى على النّاظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفّحه لأنّه لا تحصل الملكة من حفظه إلّا بعد فهمه فيحتاج إلى تقديم جميع ما يتوقّف عليه فهمه. ثمّ إنّهم إذا أرادوا حدّ هذا الفنّ قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كلّ علم بطرف يريدون من علوم اللّسان أو العلوم الشّرعيّة من حيث متونها فقط وهي القرآن والحديث. إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إلّا ما ذهب إليه المتأخّرون عند كلفهم بصناعة البديع من التّورية في أشعارهم وترسّلهم بالاصطلاحات العلميّة فاحتاج صاحب هذا الفنّ حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ليكون قائما على فهمها. وسمعنا من شيوخنا في مجالس التّعليم أنّ أصول هذا الفنّ وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكتّاب لابن قتيبة وكتاب الكامل للمبرّد وكتاب البيان والتّبيين للجاحظ وكتاب النّوادر لأبي عليّ

القالي البغداديّ. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها. وكتب المحدثين في ذلك كثيرة. وكان الغناء في الصّدر الأوّل من أجزاء هذا الفنّ لما هو تابع للشّعر إذ الغناء إنّما هو تلحينه. وكان الكتّاب والفضلاء من الخواصّ في الدّولة العباسيّة يأخذون أنفسهم به حرصا على تحصيل أساليب الشّعر وفنونه فلم يكن انتحاله قادحا في العدالة والمروءة. وقد ألّف القاضي أبو الفرج الأصبهانيّ كتابه في الأغاني جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيّامهم ودولهم. وجعل مبناه على الغناء في المائة صوتا الّتي اختارها المغنّون للرّشيد فاستوعب فيه ذلك أتمّ استيعاب وأوفاه. ولعمري إنّه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن الّتي سلفت لهم في كلّ فن من فنون الشّعر والتّأريخ والغناء وسائر الأحوال ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه وهو الغاية الّتي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأنّى له بها. ونحن الآن نرجع بالتّحقيق على الإجمال فيما تكلّمنا عليه من علوم اللّسان.

والله الهادي للصّواب.

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السادس من الكتاب الأول في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.