من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
الفصل الرابع والخمسون في أنه لا تتفق الإجادة في فني المنظوم والمنثور معا إلا للأقل
والسّبب في ذلك أنّه كما بيّنّاه ملكة في اللّسان فإذا تسبّقت إلى محلّه ملكة أخرى قصّرت بالمحلّ عن تمام الملكة اللّاحقة. لأنّ تمام الملكات وحصولها للطّبائع الّتي على الفطرة الأولى أسهل وأيسر. وإذا تقدّمتها ملكة أخرى كانت منازعة لها في المادّة القابلة وعائقة عن سرعة القبول فوقعت المنافاة وتعذّر التّمام في الملكة وهذا موجود به في الملكات الصّناعيّة كلّها على الإطلاق. وقد برهنّا عليه في موضعه بنحو من هذا البرهان. فاعتبر مثله في اللّغات فإنّها ملكات اللّسان وهي بمنزلة الصّناعة. وانظر من تقدّم له شيء من العجمة كيف يكون قاصرا في اللّسان العربيّ أبدا. فالأعجميّ الّذي سبقت له اللّغة الفارسيّة لا يستولي على ملكة اللّسان العربيّ ولا يزال قاصرا فيه ولو تعلّمه وعلّمه. وكذا البربريّ والرّوميّ. والإفرنجيّ قلّ أن تجد أحدا منهم محكما لملكة اللّسان
العربيّ. وما ذلك إلّا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللّسان الآخر حتّى إنّ طالب العلم من أهل هذه الألسن إذا طلبه بين أهل اللّسان العربيّ جاء مقصّرا في معارفه عن الغاية والتّحصيل وما أوتي إلّا من قبل اللّسان. وقد تقدّم لك من قبل أنّ الألسن واللّغات شبيهة بالصّنائع. وقد تقدّم لك أنّ الصّنائع وملكاتها لا تزدحم.
وأنّ من سبقت له إجادة في صناعة فقلّ أن يجيد في أخرى أو يستولي فيها على الغاية. وَالله خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ.
النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع